فصل: علم المناظرة

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: أبجد العلوم **


 معرفة طبقات المفسرين

أولهم الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين وهم عشرة‏:‏ الخلفاء الأربعة، وابن مسعود، وابن عباس، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وأبو موسى الأشعري، وعبد الله بن الزبير رضي الله عنهم، ويليهم التابعون، وهؤلاء من الكثرة بحيث لا يحصون‏:‏

كمجاهد، وعطاء، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وطاؤس، وغيرهم وهم علماء مكة، وطبقة أخرى تجمع أقوال الصحابة، والتابعين‏:‏ كسفيان بن عيينة، ووكيع بن الجراح، وشعبة بن الحجاج، ويزيد بن هارون، وآخرين‏.‏

وبعد هؤلاء‏:‏ ابن جرير الطبري وكتابه أجل التفاسير وأعظمها، ثم ابن أبي حاتم، وابن ماجة، والحاكم، وابن مردويه، وأبو الشيخ، وابن حبان، وابن المنذر في آخرين‏.‏

ثم أتت بعد هؤلاء جماعة ألفوا التفاسير واختصروا الأسانيد ونقلوا الأقوال بتراء، فدخل من ههنا الدخيل، والتبس الصحيح بالعليل، هذا الذي ذكرته من فروع علم التفسير، هو ما وقع في كتاب ‏(‏‏(‏الإتقان‏)‏‏)‏ وهذا بعض من علوم عدوها من فروع علم التفسير بأدنى الملابسة كذا في ‏(‏‏(‏مدينة العلوم‏)‏‏)‏‏.‏

 علم معرفة عدد سور القرآن وآياته وكلماته وحروفه

أما سوره فمائة وأربع عشرة بإجماع من يعتد به، وأما عدد الآي فستة آلاف وستمائة آية وست عشرة آية، وجميع حروفه ثلاثمائة ألف حرف وثلاثة وعشرون ألف ‏(‏2/ 501‏)‏ حرف وستمائة حرف واحد وسبعون حرفا‏.‏

وأما كلمات القرآن فسبعة وسبعون ألف كلمة وستمائة وأربع وثلاثون كلمة، وفائدة معرفة عدد الآي معرفة الوقف، ولأن الإجماع انعقد على أن الصلاة لا تصح بنصف آية‏.‏

وقال جمع من العلماء تجزي بآية وآخرون بثلاث آيات والآخرون لا بد من سبع، والإعجاز لا يقع بدون آية فللعدد غاية عظيمة وفي الأعداد المذكورة اختلافات ذكرها السيوطي في الإتقان في علوم القرآن‏.‏

 علم معرفة العالي والنازل من أسانيده

وأعلاها القرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم القرب من الأئمة المشهورين‏.‏

ثم العلو بالنسبة إلى الكتب المشهورة كالتيسير والشاطبية‏.‏

ومن أقسام العلو تقدم وفاة الشيخ عن قرينه الذي أخذ عن شيخ ذلك الشيخ‏.‏

ومن أقسامه أيضاً العلو بموت الشيخ لا مع الالتفات إلى أمر آخر وشيخ آخر متى يكون‏.‏

وإذا عرفت العلو بأقسامه عرفت النزول فإنه ضده، وههنا تفاصيل ذكرها السيوطي رحمه الله في كتابه ‏(‏‏(‏الإتقان‏)‏‏)‏‏.‏

 علم معرفة عام القرآن وخاصه ومجمله ومبينه

ومباحث هذا العلم في علم الأصول ‏(‏2/ 502‏)‏‏.‏

 علم معرفة العلوم المستنبطة من القرآن

وقد أفرد الناس كتبا في ذلك كالقاضي إسماعيل، وبكر بن العلاء، وأبي بكر الرازي، والكيا الهراسي، وأبي بكر بن العربي، وعبد المنعم بن القرس، وابن خويز منداد، وأفراد آخرون، كتبا فيما فيه من علوم الباطن، وأفرد ابن برجان كتابا فيما تضمنه من معاضدة الأحاديث‏.‏

وألف جلال الدين السيوطي رحمه الله كتابا سماه ‏(‏‏(‏الإكليل في استنباط التنزيل‏)‏‏)‏ ذكر فيه كل ما استنبط منه من مسئلة فقهية، أو أصلية، أو اعتقادية، وبعضا مما سوى ذلك، كثير الفائدة جم العائدة، يجري مجرى الشرح لما أجمل من أنواعه في ‏(‏‏(‏الإتقان‏)‏‏)‏ فليراجعه‏.‏

 علم معرفة غريب القرآن

وهذا العلم وإن كان مذكورا في كتب اللغة إلا أن بعض العلماء أفردوه بالتصنيف منهم‏:‏ أبو عبيدة، وأبو عمر، والزاهد، وابن دريد العزيزي، وهذا أشهرها‏.‏

قيل‏:‏ قد أقام العزيزي في تأليف غريب القرآن خمس عشرة سنة يحرره هو وشيخه أبو بكر بن الأنباري‏.‏

ومن أحسنها مفردات الراغب ولأبي حيان في ذلك مختصر مقدار كراسين‏.‏

 علم معرفة غرائب التفسير

ألف فيه محمود بن حمزة الكرماني كتابا في مجلدين سماه ‏(‏‏(‏العجائب والغرائب‏)‏‏)‏ ‏(‏2/ 503‏)‏، لكن يجب أن تكون الغرائب المستنبطة من القرآن واردة على القواعد العربية، والمدلولات اللفظية، وإلا فلا عبرة لها، كما فعله بعض السفهاء ممن يدعي المعرفة، وقد أورد السيوطي بعضا منها في ‏(‏‏(‏الإتقان‏)‏‏)‏‏.‏

 علم معرفة الفراشي والنومي

أمر الموضوع والنفع لا يخفى والتفصيل مذكور في ‏(‏‏(‏الإتقان‏)‏‏)‏ للسيوطي رحمه الله‏.‏

 علم معرفة فواصل الآي

الفاصلة كلمة آخر الآية كقافية الشعر، وقرينة السجع، وفرق بين الفواصل، ورؤوس الآي، بأن الفاصلة هي الكلام المنفصل عما بعده، والكلام المنفصل قد يكون رأس آية وغير رأس، وكذلك الفواصل تكون رؤوس آي وغيرها، وكل رأس آية فاصلة وليس كل فاصلة رأس آية‏.‏

 علم معرفة فواتح السور

صنف فيه ابن أبي الأصبع كتابا سماه ‏(‏‏(‏خواطر السوانح في أسرار الفواتح‏)‏‏)‏، وقسمها إلى عشرة أنواع، ذكره السيوطي في ‏(‏‏(‏الإتقان‏)‏‏)‏‏.‏

 علم معرفة فضائل القرآن

صنف فيه أبو بكر بن أبي شيبة، والنسائي، وأبو عبيدة القاسم بن سلام، وابن الضريس، صنف فيه جلال الدين السيوطي كتابا سماه ‏(‏‏(‏حمائل الزهر في فضائل السور‏)‏‏)‏ ‏(‏2/ 504‏)‏‏.‏

 علم معرفة قواعد مهمة

يحتاج إليها المفسر، وقد فصلها السيوطي في ‏(‏‏(‏الإتقان‏)‏‏)‏، ولا بد للمفسر من معرفتها‏.‏

 علم معرفة كيفية إنزال القرآن

وفيها ثلاثة أقوال‏:‏ الأول وهو الأصح‏:‏ أنه نزل إلى السماء الدنيا ليلة القدر جملة واحدة ونزل منجما‏.‏

الثاني‏:‏ أنه نزل إلى سماء الدنيا في عشرين ليلة القدر، أو ثلاث وعشرين، أو خمس وعشرين، في كل ليلة ما يقدر الله إنزاله في كل السنة، ثم نزل بعد ذلك منجما في جميع السنة‏.‏

الثالث‏:‏ أنه ابتدأ إنزاله ليلة القدر، ثم نزل بعد ذلك منجماً في أوقات مختلفة من سائر الأوقات‏.‏

 علم معرفة كيفية تحمل القرآن

اعلم أن حفظ القرآن فرض كفاية على الأمة، لئلا ينقطع عدد التواتر فيه، وتعليمه أيضاً فرض كفاية، وهو من أفضل القرب، وأوجه التحمل في القرآن السماع من لفظ الشيخ والقراءة عليه، والسماع عليه بقراءة غيره، والقراءة على الشيخ هي المسئلة سلفاً وخلفاً، وأما السماع منه فلم يأخذ به أحد من القراء لاحتياجهم إلى التمرن في الأداء، واكتفاء الصحابة بالسماع، فلنزول القرآن على لغتهم، وعدم احتياجهم إلى التمرن لفصاحتهم‏.‏

 علم معرفة كنايات القرآن وتريضاته

وتفسيرهما أيضاً في علم البيان وهما عند أهل المعاني من أنواع البلاغة، ‏(‏2/ 505‏)‏ وأساليب الفصاحة، ومن الكناية شيء كثير في القرآن‏.‏

 علم معرفة المعاد

وهو علم باحث عن أحوال النفس بعد المفارقة عن البدن، حيث تتعلق بالبدن الآخر أم لا، وهل تمكن لها السعادة أو الشقاوة‏؟‏ وهل يتبدل إحداهما بالأخرى‏؟‏ وما سبب كل منهما‏؟‏ وموضوعه ونفعه وغرضه لا يحتاج إلى بيان‏.‏

 علم معرفة الملائكة

هي العلم الباحث عن أحوال المجردات التي لا تتصرف في البدن وأحوالها، وكيفية صدورها عن مبدئها، وموضوعه وغايته وغرضه ظاهرة لمن تمهر في العلم الإلهي‏.‏

 علم معرفة المكي والمدني

وفائدة معرفة المؤخر أن يكون ناسخاً أو مخصصاً صنف فيه جماعة منهم‏:‏ مكي، والعز الديري، وله أقسام يطول ذكرها، وقد استقصاها أبو القاسم الحسن بن محمد ابن حبيب النيسابوري في كتاب ‏(‏‏(‏التنبيه‏)‏‏)‏ ‏(‏2/ 506‏)‏‏.‏

 علم معرفة ما نزل على لسان بعض الصحابة

هو في الحقيقة من أسباب النزول وقد أفرد بالتصنيف جماعة موافقات عمر رضي الله تعالى عنه، قال عمر‏:‏ وافقت ربي في ثلاث، قلت‏:‏ يا رسول الله، لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى، فنزلت ‏{‏واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى‏}‏، وقلت‏:‏ يا رسول الله، إن نساءك يدخل عليهن البر الفاجر، فلو أمرتهن أن يحجبن، فنزلت آية الحجاب، واجتمعت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم نساؤه في الغيرة، فقلت لهن‏:‏ عسى إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيراً منكن، فنزلت كذلك، وأمثاله كثيرة يعرفها أهلها‏.‏

 علم معرفة تكرر نزوله

قال الزركشي في البرهان‏:‏ قد ينزل الشيء مرتين تعظيما لشأنه وتذكيراً عند حدوث سبب خوف نسيانه، قيل الأحرف السبعة للقرآن من قبيل تكرار النزول‏.‏

علم معرفة تأخر حكمه عن نزوله وما تأخر نزوله عن حكمه

مثال الأول‏:‏ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لا أقسم بهذا البلد وأنت حل بهذا البلد‏}‏ فالسورة مكية، وقد ظهر أثر الحل يوم فتح مكة‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏سيهزم الجمع ويولون الدبر‏}‏ نزلت بمكة وظهر حكمها في يوم بدر‏.‏ و

مثال الثاني‏:‏ آية الوضوء، وإنها مدنية إجماعا، وفرضه كان بمكة مع فرض الصلاة، وكآية الجمعة فإنها مدنية والجمعة فرضت بمكة، قيل والحكمة في ذلك تأكيدا الحكم السابق بالآية المتلوة ‏(‏2/ 507‏)‏‏.‏

 علم معرفة ما نزل مفرقا وما نزل جمعا

مثال الأول‏:‏ ‏(‏اقرأ‏)‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏ما لم يعلم‏}‏ وأول ‏{‏والضحى‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏فترضى‏}‏

ومثال الثاني‏:‏ من القصار‏:‏ سورة الفاتحة، والإخلاص، والكوثر، وتبت، والمعوذتان، نزلتا معا، ومن الطوال‏:‏ المرسلات، وسورة الصف، وسورة الإنعام‏.‏

 علم معرفة ما نزل مشيعا وما نزل مفردا

وغالب القرآن نزل به جبريل عليه مفرداً بلا تشييع، وأما المشيع‏:‏ فسورة الإنعام شيعها سبعون ألف ملك، وفاتحة الكتاب نزلت ومعها ثمانون ألف ملك، وآية الكرسي نزلت ومعها ثلاثون ألف ملك، وسورة يونس نزلت ومعها ثلاثون ألف ملك، وآية ‏{‏واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا‏}‏ نزلت معها عشرون ألف ملك، قيل وسورة الكهف أيضاً شيعها سبعون ألف ملك‏.‏

 علم معرفة ما أنزل منه على بعض الأنبياء

وما لم ينزل منه على أحد قبل النبي صلى الله عليه وسلم

ومن الثاني‏:‏ فاتحة الكتاب، وآية الكرسي، وخاتمة البقرة، ومن الأول‏:‏ سبح اسم ربك الأعلى، وأول سورة الجمعة، وعشر آيات من سورة الإنعام، وهي‏:‏ ‏{‏قل تعالوا أتل ما حرم عليكم ربكم‏}‏‏.‏‏.‏‏.‏ الخ‏)‏ فإنها مكتوبة فالتوراة، وتفصيل هذا الباب مذكور في كتاب ‏(‏‏(‏الإتقان في علوم القرآن‏)‏‏)‏ للسيوطي رحمه الله‏.‏

 علم معرفة المتواتر والمشهور والآحاد والشاذ

قال البلقيني القراءة المتواترة هي السبعة المشهورة، والآحاد هي الثلاثة التي ‏(‏2/ 508‏)‏ هي تمام العشر، والشاذ قراءات التابعين‏.‏

قال ابن الجوزي‏:‏ في النشر كل قراءة وافقت العربية ولو بوجه، وافقت إحدى المصاحف العثمانية ولو احتمالا، وصح سندها فهي القراءة الصحيحة التي لا يجوز ردها، ولا يحمل إنكارها بل هي من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن، ووجب على الناس، قبولها سواء كانت عن الأئمة السبعة، أم عن العشرة، أم عن غيرهم من الأئمة المقبولين‏.‏ ومتى اختل ركن من هذه الأركان الثلاثة أطلق عليها شاذة، أو ضعيفة، أو باطلة، سواء كانت عن السبعة، أم عمن هو أكثر منهم، والتفصيل في كتاب ‏(‏‏(‏الإتقان‏)‏‏)‏‏.‏

 علم معرفة ما وقع في القرآن من غير لغة الحجاز

وقد أفردوه بالتصنيف، ذكره السيوطي في ‏(‏‏(‏الإتقان‏)‏‏)‏، قال أبو بكر الواسطي في كتابه ‏(‏‏(‏الإرشاد في القراءات العشر في القرآن‏)‏‏)‏‏:‏ من اللغات العربية خمسون لغة، وقد عدها السيوطي في ‏(‏‏(‏الإتقان‏)‏‏)‏، ومن غير العربية، الفرس، والروم، والقبط، والحبشة، والبربر، والسريانية، والعبرانية، وقد فصلها السيوطي في ‏(‏‏(‏الإتقان‏)‏‏)‏‏.‏

 علم معرفة ما وقع في القرآن من غير لغة العرب

أفرده بالتصنيف السيوطي، وسماه ‏(‏‏(‏المهذب فيما وقع في القرآن من المعرب‏)‏‏)‏ وأنكر بعض العلماء منهم الشافعي وقوع المعرب في القرآن مستدلين بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏قرآناً عربياً‏}‏‏.‏

وذهب آخرون إلى وقوعه فيه، وقالوا‏:‏ الكلمات اليسيرة بغير العربية لا تنافي، واستدل بمنع صرف إبراهيم للعجمة والعلمية، ورد بأن الكلام في غير الأعلام، والحكمة في وقوعه أن القرآن حوى علوم الأولين والآخرين، ونبأ كل شيء فلا بد أن ‏(‏2/ 509‏)‏ تقع فيه الإشارة إلى أنواع اللغات والألسن، إلا أنه اختير من كل لغة أعذبها، أخفها، وأكثرها استعمالا للعرب، والتفصيل في كتاب ‏(‏‏(‏الإتقان‏)‏‏)‏ للسيوطي رحمه الله‏.‏

 علم معرفة معاني الأدوات التي يحتاج إليها المفسر

والمراد بالأدوات‏:‏ الحروف وما شاكلها من الأسماء، والأفعال، والظروف‏.‏

وقد صنف فيها جماعة، كالهروي في الأزهية، وابن أم قاسم في الجني الداني، وأدرجه السيوطي في ‏(‏‏(‏الإتقان‏)‏‏)‏‏.‏

علم معرفة المحكم والمتشابه

وقد بين تفسيرهما في الأصول، واختلفت عباراتهم في تفسيرهما وبيانهما في الإتقان‏.‏

علم معرفة مقدم القرآن ومؤخره

وهو أقسام‏:‏ ما أشكل معناه ظاهراً، واتضح بالتقديم والتأخير، نحو قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أفرأيت من اتخذ إلهه هواه‏}‏ والأصل هواه إلهه، لأنه من اتخذ إلهه هواه غير مذموم فقدم المفعول‏.‏

الثاني‏:‏ للعناية به وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه‏}‏ والأصل لولا أن رأى برهان ربه لهم بها‏.‏

والثالث‏:‏ ما ليس كذلك، وقد ألف فيه العلامة شمس الدين بن الصائغ كتاب المقدمة في سر الألفاظ المقدمة، والحكمة في الكل الاهتمام بشأن المقدم لكن الاهتمام أمر إجمالي يقتضي تفصيلا بحسب المقام والتفصيل في كتاب الإتقان للسيوطي ‏(‏2/ 510‏)‏‏.‏

 علم معرفة مطلق القرآن ومقيده

قالوا‏:‏ متى وجد دليل على تقييد المطلق صير إليه وإلا فلا بل يبقى كل منهما على حاله والتفصيل في كتب الأصول‏.‏

 علم معرفة مناسبات الآيات والسور

صنف فيه أبو جعفر بن الزبير شيخ أبي حيان في كتاب سماه ‏(‏‏(‏البرهان في مناسبة ترتيب سور القرآن‏)‏‏)‏، وصنف فيه أيضاً الشيخ جلال الدين كتابا سماه ‏(‏‏(‏تناسق الدرر في تناسب السور‏)‏‏)‏ وذكر مناسبات السور والآيات، وكتابه في ‏(‏‏(‏أسرار التنزيل‏)‏‏)‏ كافل بذلك، جامع لمناسبات السور والآيات مع ما تضمنه من بيان جميع وجوه الإعجاز وأساليب البلاغة‏.‏

 علم معرفة ما وقع في القرآن من الأسماء والكنى والألقاب

ذكر الله تعالى أسماء الأنبياء والرسل خمسا وعشرين من مشاهيرهم، وذكر فيه من أسماء الملائكة بعضا، ومن أسماء الشياطين، والأصنام بعضا، والتفصيل في ‏(‏‏(‏الإتقان‏)‏‏)‏‏.‏

 علم معرفة مبهمات القرآن

والمراد بالمبهم ما ذكر الموصولية نحو قوله تعالى‏:‏ ‏{‏صراط الذين أنعمت عليهم‏}‏، أو بطريق العموم، نحو قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا‏}‏ ونحو ذلك‏.‏

وطريق تعيين مبهمات القرآن الرواية لا غير، وأسباب الإبهام إما الاستغناء عن بيانه لذكره في مقام آخر، أو تعيينه لاشتهاره، أو قصد الستر أو نحو ‏(‏2/ 511‏)‏ ذلك، صنف فيه السهيلي، وابن العسكر، وابن جماعة، والسيوطي رحمه الله‏.‏

 علم معرفة مفردات القرآن

وهو علم يبحث فيه عن أحوال آية آية من جهة أحكامها ومعانيها، كالبحث عن آية هي أعظم القرآن، وعن آية هي أحكم القرآن، وعن آية هي أجمع القرآن، وعن آية هي أحزن آيات القرآن، وعن آية هي أرجى من آيات القرآن، ونحو ذلك‏.‏

 علم معرفة مرسوم الخط وآداب كتابته

وهذا العلم قد يعد من فروع علم القراءة أيضاً، وقد فصلناه هناك فلا نعيده‏.‏

 علم معرفة مشكل القرآن وموهم الاختلاف والتناقض

وصنف في هذا العلم قطرب، وإنما قلنا موهم الاختلاف والتناقض إذ كلام الله تعالى عنهما حقيقة وإنما يكون ذلك بالنسبة إلى الأوهام القاصرة‏.‏

 علم معرفة النهاري والليلي

وموضوعه ومنفعته وغايته ظاهرة على الناظرين، قالوا‏:‏ أنزل أكثر القرآن نهاراً، وأما الليلي فقد تتبعوه فبلغ إلى خمسة عشر آية، ذكرت في ‏(‏‏(‏الإتقان في علوم القرآن‏)‏‏)‏‏.‏

 علم معرفة ناسخ القرآن ومنسوخه

ولا يجوز تفسير القرآن إلا لمن يعرفهما، وقد أفرده بالتصنيف جماعة منهم‏:‏ أبو عبيد القاسم بن سلام، وأبو داود السجستاني، وأبو جعفر النحاس، وابن الأنباري ‏(‏2/ 512‏)‏، ومكي، وابن العربي، وآخرون رحمهم الله تعالى‏.‏

 علم معرفة وجوه مخاطبات القرآن

والخطاب‏:‏ إما عام وإما خاص، والعام قد يراد به الخصوص، والخاص قد يراد به العموم، ولهما أقسام أخر استوفاها السيوطي في كتابه ‏(‏‏(‏الإتقان في علوم القرآن‏)‏‏)‏‏.‏

 علم المعَمّى

كتاب المعمى المسمى بألفية الشريف للسيد الشريف المعمائي فارسي، ذكر فيه أنه صنع بيتا واحدا خرج منه ألف اسم بطريق التعمية، مع التزام تعدد الإيهام في كل اسم، والبيت هذا‏:‏

أزقد وأبر وبديد آن ماه جهر ** موج آبى ديده أم بالآي مهر

جون‏:‏ أغلب وأكثر آنست كه أزيك معمايك اسم بيدا آيد بنابر آن خر وخرده، وان برسبيل استعجاب بزبان مي آروع كه بيك خانة تنك اين همه مهمان عجب ست‏.‏ ثم بين استخراج الأسماء من هذا البيت في مجلد ضخم وقال في اسمه وتاريخه‏:‏

بيتي كه يك كتاب بوددر بيان أو ** معلوم نسيت كفته كسى غيراين ضعيف

كرده شريف تعميه دروى هزار نام ** زان رو لمقب ست بالفية الشريف

ألفه في سنة ثمان وتسعمائة ورتبه على مقدمة وثمان وعشرين مقالة وخاتمة ‏(‏2/ 513‏)‏، والكتب المؤلفة في المعميات كثيرة ما بين مطول منها ومختصر قال في ‏(‏‏(‏مدينة العلوم‏)‏‏)‏ علم المعمى مثاله‏.‏

الأخذ عد موسى مرتين ** وضع أصل الطبائع تحت ذين

وسكن خان شطرنج فخذها ** وادرج بين ذين المدرجين

فهذا اسم من يهواه قلبي ** وقلب جميع من في الخافقين

واعلم أن أكثر من يعتني باللغز العرب لكن لم يدونوه في الكتب، وأكثر من يعتني بالمعمى أهل فارس، ولهذا وقع جل التصانيف في المعمى على لسان الفرس، وقد رتبوا له قواعد عجيبة، وتقسيمات غريبة وتنويعات لطيفة، وأما ما يوجد في لسان العرب فشيء نزر جدا‏.‏

ولقد وجدت في لسان العرب خمسة معميات فقط، مع شدة تنقيري له، وكثرة تتبعي عنه، على أنه لم يقع في مرتبة لطافة أهل فارس الذي لو كان العلم عند الثريا لتناوله رجال منهم، وإن أردت صدق هذا المقال فارجع إلى كتاب مولانا عبد الرحمن الجامي قدس سره، خصوصا كتاب مولانا حسين المعمائي، فإنك إن طالعته وجدته السحر الحلال وترى فيه العجب العجاب، انتهى‏.‏

أقول‏:‏ علم المعمى واللغز ليس مبنيا على أصل كلي، وليست له قواعد وضوابط معينة مشخصة حتى يرجع إليها بل بناءه على خيال المعمائي وفكره، وما أشده خرافة في العلوم، وأكثره إضاعة للوقت بلا فائدة، ترجع إلى أمر من الدين والدنيا، وأكثر من ضيع به أوقاته الفرس، ولهذا لا يوجد في علوم العرب إلا أقل قليل، وهو أيضاً باتباع العجم‏.‏ والحديث المتقدم ليس المراد به علم المعمى وما يليه كما زعم صاحب ‏(‏2/ 514‏)‏ ‏(‏‏(‏مدينة العلوم‏)‏‏)‏، بل المقصود منه علم الدين من الكتاب والسنة المطهرة، كما ظهر مصداقه في أصحاب الحديث سيما البخاري ومسلم، وليس المعمى من العلم في شيء حتى يستدل بالحديث عليه فما أبرد هذا الاستدلال وما أضعفه من الأقوال‏.‏

 علم المغازي والسير

أي مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم جمعها محمد بن إسحاق أولا، ويقال أول من صنف فيها، عروة بن الزبير، وجمعها أيضاً وهب بن منبه، وأبو عبد الله محمد بن عائذ القرشي الدمشقي الكاتب، وأبو محمد يحيى بن سعيد بن أبان الأموي الكوفي الحنفي المتوفى سنة إحدى وتسعين ومائة عن ثمانين سنة‏.‏

ومنها‏:‏ مغازي محمد بن مسلم الزهري، وابن عبد البر القرطبي المتوفى سنة ثلث وستين وأربعمائة، وعبد الرحمن بن محمد الأنصاري، وأبي الحسن علي بن أحمد الواقدي المتوفى سنة ثمان وستين وأربعمائة، موسى بن عقبة بن أبي عياش المتوفى سنة إحدى وأربعين ومائة، ومغازيه أصح المغازي، كذا في المقتفى، وهو من فروع علم التواريخ، وموضوعه ومنفعته وغايته وغرضه لا يخفى على كل واحد من ذي اللب، ولكن لما كان ثبوتها بالأحاديث والآثار جعلناها من فروع علم الحديث، وفي هذا العلم مصنفات كثيرة أجلها وأفضلها تصنيف عبد الملك بن هشام، ومغازي ابن إسحاق وغير ذلك ذكره في ‏(‏‏(‏مدينة العلوم‏)‏‏)‏‏.‏

 علم مفردات القرآن الكريم

والفرقان الحكيم علم المقادير والأوزان

المستعملة في علم الطب من الدراهم والأوقية والرطل وغير ذلك، ولقد ‏(‏2/ 515‏)‏ صنف له كتب مطولة ومختصرة يعرفها مزاولها وقد تقدم في باب الألف‏.‏

 علم مقادير العلويات

هكذا في الكشف وقال في ‏(‏‏(‏مدينة العلوم‏)‏‏)‏‏:‏ هو‏:‏ علم باحث عن قدر الكواكب والأفلاك بالأميال والفراسخ، وقدر الشمس، والقمر، والأرض، وبعد كل من هذه الأجرام بعضها عن بعض، واعتنى القدماء بهذا العلم، وبينوا مسائله ببراهين قطعية لا يرتاب من يتولاها في صحتها انتهى‏.‏

 علم مقالات الفرق

هو‏:‏ علم باحث عن ضبط المذاهب الباطلة المتعلقة بالاعتقادات الإلهية، وهي على ما أخبر به نبينا صلى الله عليه وسلم عن هذه الأمة اثنتان وسبعون فرقة‏.‏

وموضوعه وغايته وغرضه ومنفعته ظاهرة جداً، وقد تكفل بتفصيل مجملاته القاضي عضد الدين في آخر كتاب الموقف من علم الكلام، وممن أورد فرق المذاهب في العلم كلها‏:‏ محمد الشهرستاني في كتاب ‏(‏‏(‏الملل والنحل‏)‏‏)‏ وله ‏(‏‏(‏نهاية الأقدام في علم الكلام والمناهج والبينات‏)‏‏)‏ وكتاب ‏(‏‏(‏المصارعة‏)‏‏)‏ وتلخيص ‏(‏‏(‏الأقسام لمذاهب الأنام‏)‏‏)‏‏.‏

وشهرستان مدينة بخراسان ولنا كتاب مختصر في بيان فرق الإسلام سميناه خبية الأكوان في افتراق الأمم على المذاهب والأديان وهو نفيس نافع جدا، وفقنا الله للقول الصدق، والمذهب الحق، وأن لا تزل أقدامنا عن الصراط السوي، والمنهج الواضح القوي، والمسلك القويم النبوي، والطريق المستبين السني، ويسر لنا الاهتداء بهدي نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، والاقتفاء بمن اتبع سنته، واختار شريعته، واقتدى بسيرته اللهم آمين ‏(‏2/ 516‏)‏‏.‏

 علم المقلوب

هكذا في ‏(‏‏(‏كشف الظنون‏)‏‏)‏، وهو من فروع علم البديع والمحاضرات كما عرفت في علم التصحيف وهو‏:‏

أن يكون الكلام بحيث إذا قلبته وابتدأت من حرفه الأخير إلى الحرف الأول كان الحاصل بعينه هو هذا الكلام، وهذا مغائر لتجنيس القلب المذكور في علم البديع، فإن المقلوب ههنا يجب أن يكون اللفظ الذي ذكر بخلافه ثمه ويجب ثمه ذكر اللفظين جميعا بخلافه هنا‏.‏

والقلب قد يكون في النثر، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وربك فكبر‏}‏‏.‏

أما في النظم‏:‏ فقد يكون بحيث يكون كل من المصراعين قلبا للآخر كقوله‏:‏ أرانا الإله هلالا أنارا‏.‏ وقد لا يكون كذلك بل يكون مجموع البيت قلبا لمجموعه كقول الأرجاني‏:‏

مودته تدوم لكل هول ** وهل كل مودته تدوم

وقول الحريري‏:‏

اس ارملا إذا عرى ** وارع إذا المرء اسا

إلا أن في قول الحريري نوع تكلف وهو زيادة همزة مرء وحذفها في القلب‏.‏

وأما في النثر‏:‏ فإما في مفرد نحو‏:‏ سلس أو مركب، كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وربك فكبر‏}‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏كل في فلك‏}‏، وللحروف المشددة في هذا الباب حكم المخفف، لأن المعتبر هو الحروف المكتوبة، ومنه‏:‏ سر فلا كبا بك الفرس، وهو قول عماد الكاتب ‏(‏2/ 517‏)‏‏.‏

وقوله القاضي الفاضل دام علاء العماد‏.‏

ومنه كمالك تحت كلامك ومنه عقرب تحت برقع‏.‏

ومنه كبر رجا اجر ربك‏.‏

ومنه لابقا للإقبال، وله نظائر كثيرة، وأمثال غير قليلة كذا في ‏(‏‏(‏مدينة العلوم‏)‏‏)‏‏.‏

 علم المكاشفة

ويسمى بعلم الباطن وهو عبارة عن نور يظهر في القلب عند تطهيره وتزكيته من صفاته المذمومة، وينكشف من ذلك النور أمور كثيرة كان يسمع من قبل وأسماءها فيتوهم لها معان مجملة غير متضحة، فتتضح إذ ذاك حتى تحصل المعرفة الحقيقية بذات الله سبحانه وبصفاته الباقيات التامات، وبأفعاله، وبحكمته في خلق الدنيا والآخرة، إلى غير ذلك مما يطول تفصيله، إذ للناس في معاني هذه الأمور بعد التصديق بأصولها مقامات شتى ذكرها الغزالي في ‏(‏‏(‏الإحياء‏)‏‏)‏‏.‏

قال‏:‏ وهذه العلوم هي التي لا تسطر في الكتب ولا يتحدث بها من أنعم الله تعالى عليه بشيء منها إلا مع أهله، قال بعض العارفين‏:‏ من لم يكن له نصيب من هذا العلم أخاف عليه سوء الخاتمة، وأدنى نصيب منه التصديق به وتسليمه لأهله‏.‏

وقال آخر‏:‏ من كان فيه خصلتان لم يفتح له شيء من هذا العلم‏:‏ بدعة أو كبر‏.‏

وقيل‏:‏ من كان محبا للدنيا أو مصرا على هوى لم يتحقق به، وقد يتحقق بسائر العلوم، وأقل عقوبة من ينكره أنه لا يذوق منه شيئا وهو علم الصديقين والمقربين‏.‏

علم الملاحة

هو علم باحث عن كيفية صنعة السفن وكيفية ترتيب الانتهاء وكيفية ‏(‏2/ 518‏)‏ أجرائها في البحر، وإن مقدار هذا الثقل بهذا المقدار من الريح، كم فرسخا يتحرك في مقدار هذه الساعات، ويتوقف على معرفة سموت البحار، والبلدان، والأقاليم، ومعرفة ساعات الأيام والليالي، ومعرفة مهاب الرياح، وعواصفها، ورخائها، وممطرها، وغير ممطرها‏.‏

ومن مباديه علم الميقات وعلم الهندسة‏.‏

ويتوقف على معرفته عجائب البحر وطبائعها، وخواصها، وصور الأقاليم، وغير ذلك مما يعرفه أهله، وهذا العلم عظيم النفع وفيه كتب موجودة عند أهله، وأكثر مباديه مستندة إلى التجربة‏.‏

 علم الملاحم

جمع ملحمة، وهي‏:‏ الواقعة العظيمة في الفتنة، مثل وقعة بخت نصر، ووقعة جنكيزخان، وهلاكو، وتيمور، فيبحث في هذا العلم عن معرفة أوقات الفتن بالدلائل النجومية، وقد عرفت أن علم أحكام النجوم من أضعف العلوم دلالة فلا تعويل عليه أصلا، وإن أردت الوقوف على معرفة الملاحم فعليك بالأحاديث الواردة فيها، ولا ينبئك مثل خبير هذه عبارة ‏(‏‏(‏مدينة العلوم‏)‏‏)‏‏.‏

وأقول‏:‏ ليست ملحمة ولا فتنة صغرى أو كبرى من الملاحم والفتن التي تكون إلى يوم القيامة، وقيام الساعة في مطلع الشمس ومغربها، وسائر أقطار الأرض إلا، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بها في أحاديثه الشريفة، كما في حديث حذيفة بن اليمان المروي في السنن‏.‏ وقد وقعت منها ملاحم وفتن كثيرة، وسيقع ما بقي منها، ولكن العلم بمواقيتها مما استأثر الله سبحانه وتعالى بعلمه، ولا يتيسر لبشر أن يعلم بوقتها إلا بعد وقوعها، وحصول التطبيق بالأحاديث الواردة فيها‏.‏

وقد أوعبت الفتن الواقعة منذ عهد الخلفاء الراشدين إلى الآن في كتابي حجج الكرامة بالفارسي، وكتبت رسالة نافعة جدا في ذكر الفتن على ما وردت به السنة المطهرة بالعربي المبين ‏(‏2/ 519‏)‏ وسميتها ‏(‏‏(‏بالإذاعة لما كان وما يكون بين يدي الساعة‏)‏‏)‏ فعليك بهذين الكتابين، فإنهما كافيان وافيان في بابيهما، ولا تحتاج معهما إلى كتاب آخر يشفي علتك، ويسقي غلتك، وفيهما حكم الفتن وما ينبغي في زمنها للمسلم، وكلها من مفاهيم الأخبار والآثار‏.‏

ولا ينبغي لمن يعتقد دين الإسلام بقلبه السليم أن يميل عند حدوث أمثال تلك الحوادث والأحوال إلى أقوال المشائخ وآراء الرجال، بل الذي يجب على كل مؤمن بالله ورسوله واليوم الآخر أن يستعلم حكم الفتن قبل الابتلاء بها من السنة، كما قيل‏:‏ أعط القوس باريها، ولا منجأ من حوادث الدنيا لأحد كائنا من كان، ولا ملجأ له إلا من الله تعالى وهو الذي يتولى الصالحين من عباده ويأمنهم من المخاوف والهلكة في أرضه وبلاده وبالله التوفيق‏.‏

 علم منازل القمر

هكذا في كشف الظنون وقال في ‏(‏‏(‏مدينة العلوم‏)‏‏)‏‏:‏ هو‏:‏ علم يتعرف منه صور المنازل الثمانية والعشرين، وأسماؤها وخواص كل واحد منها، وأحكام نزول القمر في كل منها إلى غير ذلك‏.‏ انتهى‏.‏

 علم مناسبات الآيات والسور

من متعلقات علم التفسير‏.‏

 علم المناظر

من فروع الهندسة وهو علم يتبين به أسباب الغلط في الإدراك البصري بمعرفة كيفية وقوعها بناء، على أن إدراك البصر يكون بمخروط شعاعي رأسه يقطعه الباصر وقاعدته المرئي ثم يقع الغلط كثيرا في رؤية القريب كبيرا والبعيد صغيرا ‏(‏2/ 520‏)‏، أو كذا رؤية الأشباح الصغيرة تحت الماء ووراء الأجسام الشفافة كبيرة، ورؤية النقطة النازلة من المطر خطا مستقيما والشعلة دائرة وأمثال ذلك، فيتبين في هذا العلم أسباب ذلك وكيفياته بالبراهين الهندسية، ويتبين به أيضاً اختلاف المنظر في القمر باختلاف العروض الذي يبتنى عليه معرفة رؤية الأهلة وحصول الكسوفات وكثير من أمثال هذا‏.‏

وقد ألف في هذا الفن كثير من اليونانيين‏.‏

واشهر من ألف فيه من الإسلاميين ابن الهيثم، ولغيره فيه أيضاً تأليف وهو من هذه الرياضة وتفاريعها ذكره ابن خلدون‏.‏

وعبارة ‏(‏‏(‏مدينة العلوم‏)‏‏)‏ في بيان علم المناظر‏:‏ هكذا هو علم يتعرف منه أحوال المبصران في كميتها وكيفيتها، باعتبار قربها وبعدها عن الناظر، واختلاف أشكالها، وأوضاعها، وما يتوسط بين الناظر والمبصرات، وغلظته ورقته، علل تلك الأمور ومنفعته معرفة أحوال الأبصار وتفاوت المبصرات والوقوف على سبب الأغاليط الحسية الواقعة فيها، ويستعان بهذا العلم على مساحة الأجرام البعيدة والمرايا المحرقة‏.‏

ومن الكتب المختصرة فيه، كتاب إقليدس، ومن المتوسط، كتاب علي ابن عيسى الوزير، ومن المبسوطة كتاب لابن الهيثم، انتهى‏.‏ ونحوه في ‏(‏‏(‏كشاف اصطلاحات الفنون‏)‏‏)‏ على وجه الاختصار‏.‏

 علم مناظر الإنشاء

وفيه تأليف لمحمود بن الشيخ محمد الكيلاني المعروف بخواجه جهان رتبه على مقدمة ومقالتين وخاتمة وهو من الكتب النافعة ‏(‏2/ 521‏)‏‏.‏

 علم المناظرة

علم باحث عن أحوال المتخاصمين ليكون ترتيب البحث بينهما على وجه الصواب حتى يظهر الحق بينهما، ذكره في ‏(‏‏(‏مدينة العلوم‏)‏‏)‏‏.‏

 علم المنطق

ويسمى علم الميزان أيضاً، وهو‏:‏ علم يتعرف منه كيفية اكتساب المجهولات التصورية والتصديقية من معلوماتها‏.‏

وموضوعه‏:‏ المعقولات الثانية من حيث الإيصال إلى المجهول أو النفع فيه‏.‏

والغرض منه‏:‏ عصمة الذهن عن الخطأ في الفكر‏.‏

ومنفعته‏:‏ الإصابة في جميع العلوم‏.‏

قال في الكشف‏:‏ الغرض منه، ومنفعته ظاهران من الكتب المبسوطة في المنطق، كذا قال في ‏(‏‏(‏مفتاح السعادة‏)‏‏)‏، انتهى‏.‏

والمنطق لكون حاكما على جميع العلوم في الصحة والسقم والقوة والضعف وأجلها نفعا وأعظمها، سماه أبو نصر الفارابي‏:‏ رئيس العلوم‏.‏

ولكونه آلة في تحصيل العلوم الكسبية النظرية والعملية لا مقصودا بالذات، سماه الشيخ الرئيس ابن سينا بخادم العلوم‏.‏

وحكى أبو حيان في تفسيره البحر‏:‏ إن أهل المنطق بجزيرة الأندلس كانوا يعبرون عن المنطق بالمفعل، تحررا عن صولة الفقهاء، حتى إن بعض الوزراء أراد أن يشتري لابنه كتابا من المنطق، فاشتراه خفية خوفا منهم، مع أنه أصل كل علم، وتقويم كل ذهن، انتهى‏.‏

قال الغزالي‏:‏ من لم يعرف المنطق فلا ثقة له في العلوم أصلا، حتى روي عن بعضهم أنه فرض كفاية وعن بعضهم فرض عين بناء على أن معرفة الله تعالى ‏(‏2/ 522‏)‏ بطريق البرهان واجبة، وإنها لا تتم إلا بعلم المنطق، فما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب قال القائل‏:‏

إن رمت إدراك العلوم بسرعة ** فعليك بالنحو القويم ومنطق

هذا الميزان العقول مرجح ** والنحو إصلاح اللسان بمنطق

قال في ‏(‏‏(‏كشف الظنون‏)‏‏)‏‏:‏ قال الشيخ أبو علي بن سينا‏:‏ المنطق نعم العون على إدراك العلوم كلها، وقد رفض هذا العلم وجحد منفعته من لم يفهمه ولا اطلع عليه عداوة لما جهل، وبعض الناس ربما يتوهم أنه يشوش العقائد مع أنه موضوع للاعتبار والتحرير‏.‏

وسبب هذا التوهم أن من الأغبياء الأغمار الذين لم تؤدبهم الشريعة من اشتغل بهذا العلم واستضعف حجج بعض العلوم واستخف بها وبأهلها ظنا منه أنها برهانية لطيشه وجهله بحقائق العلوم ومراتبها، فالفساد لا من العلم‏.‏

قالوا‏:‏ ويستغنى عنه المؤيد من الله تعالى، ومن علمه ضروري، ويحتاج إليه من عداهما‏.‏

فإن قلت‏:‏ إذا كان الاحتياج بهذه المرتبة فما بال الأئمة المقتدى بهم كمالك، والشافعي، وأبي حنيفة، وأحمد بن حنبل، رحمهم الله لم ينقل عنهم الاشتغال به، وإنما هو من العلوم الفلسفية، وقد شنع العلماء على من عربها وأدخلها في علوم الإسلام‏.‏

ونقل عن شيخ الإسلام ابن تيمية الحنبلي رحمه الله أنه كان يقول‏:‏ ما أظن الله تعالى يغفل عن المأمون العباسي، ولا بد أن يعاقبه بما أدخل على هذه الأمة‏.‏

فجوابه إن ذلك مركوز في جبلاتهم السليمة، وفطرتهم المستقيمة، ولم يفتهم إلا العبارات والاصطلاحات كما ذكر في علم النحو‏.‏

وأصول المنطق تسعة على المشهور

الأول‏:‏ باب الكليات الخمس‏.‏

الثاني‏:‏ باب التعريفات ‏(‏2/ 523‏)‏‏.‏

الثالث‏:‏ باب التصديقات‏.‏

الرابع‏:‏ باب القياس‏.‏

الخامس‏:‏ البرهان‏.‏

السادس‏:‏ الخطابة‏.‏

السابع‏:‏ الجدل‏.‏

الثامن‏:‏ المغالطة‏.‏

التاسع‏:‏ الشعر، هذا خلاصة ما في العلمي حاشية شرح هداية الحكمة الميبذية وشرح حكمة العين وغيرها‏.‏

والكتب المصنفة في المنطق كثيرة منها‏:‏ ‏(‏‏(‏إيساغوجي‏)‏‏)‏، ‏(‏‏(‏وبحر الفرائد‏)‏‏)‏، و‏(‏‏(‏تيسير الفكر‏)‏‏)‏، و‏(‏‏(‏جامع الدقاق‏)‏‏)‏، و‏(‏‏(‏الشمسية‏)‏‏)‏، ‏(‏‏(‏غرة النجاة‏)‏‏)‏، و‏(‏‏(‏القواعد الجلية‏)‏‏)‏، و‏(‏‏(‏لوامع الأفكار‏)‏‏)‏، و‏(‏‏(‏المطالع‏)‏‏)‏، و‏(‏‏(‏مجل النظر‏)‏‏)‏، و‏(‏‏(‏معيار الأفكار‏)‏‏)‏، و‏(‏‏(‏ناظر العين‏)‏‏)‏، و‏(‏‏(‏نخبة الفكر‏)‏‏)‏، وغير ذلك انتهى ما في ‏(‏‏(‏الكشف‏)‏‏)‏ و‏(‏‏(‏كشاف اصطلاحات الفنون‏)‏‏)‏‏.‏

ومن كتبه المرقاة للشيخ الفاضل فضل إمام الخير آبادي، وهو مختصر مفيد، وعليه شرح لحفيده المولوي عبد الحق‏.‏

وتهذيب المنطق للتفتازاني، والصغرى والكبرى بالفارسية للسيد السند الشريف الجرجاني رحمه الله إلى غير ذلك‏.‏

قال بعضهم‏:‏ والذي أجاب به شيخ الإسلام من كون المنطق مرتكزا في نفوسهم جواب ضعيف لا يخفى ضعفه على من يعقل ويعرف مقاصد الشريعة الغراء، انتهى‏.‏

أقول‏:‏ ارجع إلى كتاب رد المنطقيين لابن تيمية رحمه الله، واعلم أن جواباته كثيرة وكلها صواب حق لا يسع ذكرها هذا المقام، وهذا الجواب أيضاً صواب يعرفه من منحه الله طبعاً سليماً لا اعوجاج فيه وصاحب القلب الصحيح، والفكر السليم لا يحتاج إلى علم المنطق، بل يصدر عنه العلم المطابق له من غير درية بهذا الفن، كما ‏(‏2/ 524‏)‏ يصدر الكلام الموزون ممن لا يعلم بعلم العروض والقافية، ولا يحسن تقطيعات الأشعار، ويقول نظما كثيرا وينظم قصائد طويلة، ولا يعرف أوزان الشعر، ولا بحوره، فأي استبعاد في كون المنطق مرتكزا في نفوس بعض العباد الصحيح الفؤاد السلم المراد‏.‏

وقد اختلف أهل العلم في أن المنطق من العلم أم لا فتدبر‏.‏

قال ابن خلدون في بيان هذا العلم‏:‏ هو قوانين يعرف بها الصحيح من الفاسد في الحدود، والمعرفة للماهيات، والحجج المفيدة للتصديقات، وذلك أن الأصل في الإدراكات إنما هو المحسوسات بالحواس الخمس، وجميع الحيوانات مشتركة في هذا الإدراك، من الناطق وغيره‏.‏

وإنما يتميز الإنسان عنها بإدراك الكليات وهي مجردة من المحسوسات، وذلك بأن يحصل في الخيال من الأشخاص المتفقة صورة منطبقة على جميع تلك الأشخاص المحسوسة هي الكلي، ثم ينظر الذهن بين تلك الأشخاص المتفقة وأشخاص أخرى توافقها في بعض فيحصل له صورة تنطبق أيضاً عليهما باعتبار ما اتفقا فيه، ولا يزال يرتقي في التجريد إلى الكل الذي لا يجد كليا آخر معه يوفاقه فيكون لأجل ذلك بسيطا‏.‏ وهذا مثل ما يجرد من أشخاص الإنسان صورة النوع المنطبقة عليها، ثم ينظر بينه وبين الحيوان ويجرد صورة الجنس المنطبقة عليهما، ثم بينهما وبين النبات إلى أن ينتهي إلى الجنس العالي وهو الجوهر فلا يجد كليا يوافقه في شيء فيقف العقل هنالك عن التجريد‏.‏

ثم إن الإنسان لما خلق الله له الفكر الذي به يدرك العلوم والصنائع، وكان العلم إما تصور للماهيات، ويعني به إدراك ساذج من غير حكم معه‏.‏

وأما تصديقا، أي‏:‏ حكما بثبوت أمر لأمر فصار سعي الفكر في تحصل المطلوبات‏.‏

إما بأن تجمع تلك الكليات بعضها إلى بعض على جهة التأليف فتحصل صورة في الذهن كلية منطبقة على أفراد في الخارج فتكون تلك الصورة الذهنية ‏(‏2/ 525‏)‏ مفيدة لمعرفة ماهية تلك الأشخاص‏.‏

وإما بأن يحكم بأمر على أمر فيثبت له ويكون ذلك تصديقا وغايته في الحقيقة راجعة إلى التصور، لأن فائدة ذلك إذا حصل إنما هي معرفة حقائق الأشياء التي هي مقتضى العلم‏.‏

وهذا السعي من الفكر قد يكون بطريق صحيح‏.‏

وقد يكون بطريق فاسد فاقتضى ذلك تمييز الطريق الذي يسعى به الفكر في تحصيل المطالب العلمية، ليتميز فيها الصحيح من الفاسد، فكان ذلك قانون المنطق‏.‏

وتكلم فيه المتقدمون أول ما تكلموا به جملا جملا ومتفرقا، ولم تهذب طرقه، ولم تجمع مسائله، حتى ظهر في يونان أرسطو فهذب مباحثه ورتب مسائله وفصوله، وجعله أول العلوم الحكمية وفاتحتها ولذلك يسمى بالمعلم الأول، وكتابه المخصوص بالمنطق يسمى النص وهو يشمل على ثمانية كتب، أربعة منها في صورة القياس، وأربعة في مادته‏.‏

وذلك إن المطالب التصديقية على أنحاء‏.‏

فمنها ما يكون المطلوب فيه اليقين بطبعه‏.‏

ومنها ما يكون المطلوب فيه الظن وهو على مراتب فينظر في القياس من حيث المطلوب الذي يفيده، وما ينبغي أن تكون مقدماته بذلك الاعتبار، ومن أي جنس يكون من العلم أو من الظن، وقد ينظر في القياس لا باعتبار مطلوب مخصوص بل من جهة إنتاجه خاصة‏.‏

ويقال للنظر الأول‏:‏ إنه من حيث المادة ونعني به المادة المنتجة للمطلوب المخصوص من يقين أو ظن، ويقال للنظر الثاني‏:‏ إنه من حيث الصورة، وإنتاج القياس على الإطلاق فكانت لذلك كتب المنطق ثمانية‏.‏

الأول‏:‏ في الأجناس العالية التي ينتهي إليها تجريد المحسوسات وهي التي ‏(‏2/ 526‏)‏ ليس فوقها جنس ويسمى كتاب المقولات‏.‏

والثاني‏:‏ في القضايا التصديقية وأصنافها ويسمى‏:‏ كتاب العبارة‏.‏

والثالث‏:‏ في القياس، وصورة إنتاجه على الإطلاق ويسمى كتاب القياس وهذا آخر النظر من حيث الصورة‏.‏

ثم الرابع‏:‏ كتاب ‏(‏‏(‏البرهان‏)‏‏)‏ وهو النظر في القياس المنتج لليقين، وكيف يجب أن تكون مقدماته يقينية ويختص بشروط أخرى لإفادة اليقين، مذكورة فيه مثل كونها ذاتية وأولية وغير ذلك، وفي هذا الكتاب الكلام في المعرفات والحدود، إذ المطلوب فيها إنما هو اليقين لوجوب المطابقة بين الحد والمحدود لا تحتمل غيرها فلذلك اختصت عند المتقدمين بهذا الكتاب‏.‏

والخامس‏:‏ كتاب الجدل وهو القياس المفيد قطع المشاغب، وإفحام الخصم، وما يجب أن يستعمل فيه من المشهورات، ويختص أيضاً من جهة إفادته لهذا الغرض بشروط أخرى من حيث إفادته لهذا الغرض، وهي مذكورة هناك، وفي هذا الكتاب يذكر المواضع التي يستنبط منها صاحب القياس قياسه ومنه عكوس القضايا‏.‏

والسادس‏:‏ كتاب السفسطة‏:‏ وهو القياس الذي يفيد خلاف الحق ويغالط به المناظر صاحبه، وهو فاسد وهذا إنما كتب ليعرف به القياس المغالطي فيحذر منه‏.‏

والسابع‏:‏ كتاب الخطابة، وهو القياس المفيد ترغيب الجمهور وحملهم على المراد منهم وما يجب أن يستعمل في ذلك من المقالات‏.‏

والثامن‏:‏ كتاب الشعر، وهو القياس الذي يفيد التمثيل والتشبيه خاصة للإقبال على الشيء، أو النفرة عنه وما يجب أن يستعمل فيه من القضايا التخييلية، هذه هي كتب المنطق الثمانية عند المتقدمين‏.‏

ثم أن حكماء اليونانيين بعد أن تهذبت الصناعة ورتبت رأوا أنه لا بد من الكلام في الكليات الخمس المفيدة للتصور فاستدركوا، فيها مقالة تختص بها مقدمة بين يدي الفن فصارت تسعا، وترجمت كلها في الملة الإسلامية وكتبها وتداولها ‏(‏2/ 527‏)‏ فلاسفة الإسلام بالشرح والتلخيص، كما فعله الفارابي وابن سينا، ثم ابن رشد من فلاسفة الأندلس، ولابن سينا كتاب الشفا استوعب فيه علوم الفلسفة السبعة كلها‏.‏

ثم جاء المتأخرون فغيروا اصطلاحات المنطق، والحقوا بالنظر في الكليات الخمس ثمرته، وهي‏:‏ الكلام في الحدود والرسوم نقولها من كتاب البرهان، وحدقوا كتاب المقولات لأن نظر المنطقي فيه بالعرض لا بالذات، وألحقوا في كتاب العبارة الكلام في العكس لأنه من توابع الكلام في القضايا ببعض الوجوه‏.‏

ثم تكلموا في القياس من حيث إنتاجه للمطالب على العموم لا بحسب المادة، وحدقوا النظر فيه بحسب المادة، وهي الكتب الخمسة‏:‏ البرهان، والجدول، والخطابة، والشعر، والسفسطة، وربما يلم بعضهم باليسير منها إلماما، وأغفلوها كأن لم تكن وهي المهم المعتمد في الفن‏.‏

ثم تكلموا فيما وضعوه من ذلك كلاما مستبحرا نظروا فيه من حيث أنه فن برأسه لا من حيث أنه آلة للعلوم فطال الكلام فيه واتسع‏.‏

وأول من فعل ذلك الإمام فخر الدين بن الخطيب، ومن بعده فضل الدين الخونجي، وعلى كتبه معتمد المشارقة لهذا العهد، وله في هذه الصناعة كتاب ‏(‏‏(‏كشف الأسرار‏)‏‏)‏، وهو طويل واختصر فيها مختصر الموجز وهو حسن في التعليم، ثم مختصر المجمل في قدر أربعة أوراق أخذ بمجمامع الفن وأصوله فتداوله المتعلمون لهذا العهد فينتفعون به، وهجرت كتب المتقدمين وطرقهم كأن لم تكن وهي ممتلئة من ثمرة المنطق وفائدته، كما قلناه والله الهادي للصواب انتهى كلام ابن خلدون‏.‏

قال في ‏(‏‏(‏مدينة العلوم‏)‏‏)‏‏:‏

وقد صح بشهادة أهل التواريخ والندماء أن أول من دون المنطق أرسطو، وقد بذل ملك زمانه في مقابلة ذلك خمسمائة ألف دينار، وأدر عليه في كل سنة مائة وعشرين ألف دينار‏.‏

وقيل‏:‏ أنه تنبه لوضعه وترتيبه من نظم كتاب إقليدس في الهندسة، ثم إن ‏(‏2/ 528‏)‏ أرسطو بعدما دون المنطق صارت كتبه مخزونة في أبنية ولاية موره من بلاد الروم عند ملك من ملوك اليونان، ولما رغب الخليفة المأمون في علوم الأوائل، أرسل إلى الملك المذكور وطلب الكتب، فلم يرسل فغضب المأمون وجمع العساكر، وبلغ الخبر إلى الملك، فجمع البطاريق وشاورهم في الأمر، فقالوا‏:‏

إن أردت الكسر في دين المسلمين، وتزلزل عقائدهم فلا تمنعهم عن الكتب، فاستحسن الملك، فأرسلها إلى المأمون، فجمع المأمون مترجمي مملكته، كحنين بن إسحاق، وثابت ابن قرة وغيرهما فترجموها بتراجم مختلفة بحيث لا يوافق ترجمة أحدهم ترجمة الآخر، فبقيت التراجم غير محررة إلى أن التمس منصور بن نوح الساماني من أبي نصر الفارابي أن يحررها ويخصها، ففعل كما أراد ولهذا لقب بالمعلم الثاني، وكانت كتبه في خزانة الكتب المبنية بأصبهان المسماة بصوان الحكمة إلى زمان السلطان مسعود، لكن كانت غير مبيضة لأن الفارابي كان غير ملتفت إلى جمع التصانيف ونشرها، بل غلب عليه السياحة‏.‏

ثم إن الشيخ أبا علي تقرب عند السلطان مسعود بسبب الطب حتى استوزره، واستولى على تلك الخزانة، وأخذ ما في تلك الكتب، ولخص منها كتاب الشفا، وغير ذلك من تصانيفه، وقد اتفق إن احترقت تلك الكتب فاتهم أبو علي بأنه أحرقها لينقطع انتساب تلك العلوم عن أربابها، ويختص بنفسه لكن هذا كلام الحساد الذين ليس لهم هاد‏.‏

واعلم أن الأوائل من الملوك كانوا يهتمون بجمع الكتب وخزانتها، فحدثت في الإسلام خزائن ثلاث‏:‏

إحداها‏:‏ بمدينة دار السلام ببغداد، وكانت فيها من الكتب ما لا يحصى كثرة، وقد ذهب الكل في وقعة تاتار ببغداد‏.‏

وثانيتها‏:‏ خزانة الفاطميين بمصر، وكانت من أعظم الخزائن وأكثرها جمعا للكتب النفيسة، ولما انقضت دولتهم باستيلاء الملك صلاح الدين على مصر، فاشترى القاضي الفاضل أكثر كتب هذه الخزانة ووقفها على مدرسته بمصر، فبقيت ‏(‏2/ 529‏)‏ فيها إلى أن استولت عليها الأيدي فلم يبق منها إلا القليل‏.‏

وثالثتها‏:‏ خزانة بني أمية بالأندلس وكانت من أجل خزائن الكتب أيضاً، ولما انقرضت دولتهم باستيلاء ملوك الطوائف على الأندلس، ذهب كلها‏.‏

أو من الكتب المبسوطة في المنطق‏:‏ البحر الخضم، ومنطق الشفاء لأبي علي بن سينا كتبه بلا مطالعة كتاب، وكان يكتب كل يوم خمسين ورقة من حفظه، وله كتاب النجاة، والقانون، والإشارات‏.‏

ومنها كتاب بيان الحق، ومطالع الأنوار، والمناهج، كلها في المنطق والحكمة للأمور كان شافعيا، وكتاب كشف الأسرار لمحمد بن عبد الملك الخونجي وهو صاحب الموجز في المنطق، ومن الكتب اللطيفة التلويحات والمطارحات لأبي الفتوح يحيى بن حنش، الملقب بشهاب الدين السهروردي الحكيم المقتول، وقيل اسمه عمر‏.‏

ومنها‏:‏ الملخص وشرح الإشارات للرازي، والمعتبر لأبي البركات البغدادي اليهودي، أولا في أكثر عمره والمهتد إلى الإسلام في آخر عمره، أتى في المعتبر بأقسام الحكمة غير الرياضي، وهو أحسن كتاب في هذا الشأن في هذا الزمان استولت عليه آفات لو وضع واحد منها على رضوى لتخلخلت أصولها الرواسخ، وتدكدكت رؤوسها الشوامخ، وذلك أنه عمى وطرش وبرص وتجذم، فنعوذ بالله من نقمة لا تطيقها الأبدان، ومن زوال العافية وتقلب الإحسان‏.‏

ولما أحس بالموت أوصى من يتولاه أن يكتب على قبره‏:‏ هذا قبر أوحد الزمان أبي البركات ذي العبر صاحب المعتبر، فسبحان من لا يغلبه غالب، ولا ينجو من قضائه متحيل ولا هارب نسأل الله في حياتنا العافية وفي مماتنا حسن العاقبة، رب قد أحسنت فيما مضى فلك أن تحسن فيما بقي، ولم يتحقق تاريخ وفاته إلا أنه كان في أوسط المائة السادسة‏.‏

ومنها جامع الدقائق للكاتبي، وتنزيل الأفكار، وحواشي ملخص الرازي ‏(‏2/ 530‏)‏ له أيضاً، وإن أردت بلوغ الغاية في المنطق فعليك بتعديل الميزان، وهو أحد أقسام تعديل العلوم لصدر الشريعة، وقد كشف في هذا الكتاب عن غوامض طالما تحير فيها عقول الأقدمين وأبرز قواعد لم يهتد إليها أحد من الأوحدين، ومع هذا فهو لعلوم الشريعة أبو عذرها وابن بجدتها، وكتب المنطق أكثر من أن تحصى وأجل من أن تستقصي انتهى حاصله‏.‏

 علم مواسم السنة

قال الأرنيقي‏:‏ إن لكل أمة من الأمم، ولكل طائفة من الأقوام مواسم وأعياد يعينون لكل منها شغلا مخصوصا، فالعلم المذكور يعرف به أعياد كل قوم، وإنها من السنة في أي يوم، ويعرف شغل أهلها في ذلك، ومن جملة ذلك يوم النيروز، والمهرجان عند أهل الفارس، وكان أهل القبط يأتي ملكهم في يوم النيروز، ويرصدون من الليل فيقدمون رجلا حسن الاسم، والوجه طيب الرائحة فيقف على الباب حتى يصبح، فإذا أصبح دخل على الملك بغير أذن فيقف عنده‏.‏

فيقول له الملك‏:‏ ما اسمك‏؟‏ ومن أين أنت أقبلت‏؟‏ وأين تريد‏؟‏ ولأي شيء وردت وما معك‏؟‏‏.‏

فيقول‏:‏ أنا المنصور، واسمي المبارك، ومن قبل الله أقبلت، والملك السعيد أردت، وبالهنا والسلامة وردت، ومعي السنة الجديدة، ثم يجلس ويدخل بعده رجل معه طبق من فضة، وفيه حنطة، وشعير وجلبان وذرة، وحمص، وسمسم، وأرز من كل سبع سنابل، وسبع حبات وقطعة سكر، ودينار فيضع الطبق بين يدي الملك، ثم يدخل عليه الهدايا ويبتدئ من الوزير، ثم الناس على قدر مراتبهم، ثم يقدم الملك برغيف كبير مصنوع من تلك الحبوب فيأكل منه، ويطعم من حضره، ثم يقول‏:‏

هذا يوم جديد، من شهر جديد، من عام جديد، من زمان جديد، يحتاج أن يجدد فيه ما أخلقه الزمان، وأحق الناس بالفضل، والإحسان الرأس لفضله على ‏(‏2/ 531‏)‏ سائر الأعضاء، ثم يخلع على وجوه دولته ويصلهم، ويصرف عليهم ما حمل إليه من الهدايا‏.‏

وكان من عادة الفرس في عيدهم أن يدهن الملك بدهن البان تبركا، ويلبس القصب، والوشي ويضع على رأسه تاجا فيه صورة الشمس ويكون، أول من يدخل عليها المؤبد بطبق عليه أترجة، وقطعة سكر، ونبق، وسفرجل، وتفاح، وعناب، وعنقود عنب أبيض، وسبع باقات آس، ثم يدخل الناس مثل الأول على طبقاتهم‏.‏

ومن عادتهم في يوم النيروز أنهم‏:‏ يجمعون بين سبع أشياء أول أسمائهن سينات يأكلونها هي السكر، والسفرجل، السمسم، والسحاق، والسذاب، والسقنقور، وعادات الناس في الأعياد خارجة عن التعداد انتهى‏.‏

قلت‏:‏ وقد ذكر الشيخ الإمام العلامة المقريزي في كتاب الخطط والآثار كثيرا من أعيادهم، وبسط في بيان ذلك، ولكن الشرع الشريف قد ورد بإبطال كل عيد للناس على اختلاف فرقهم، وقبائلهم، وعشائرهم إلا ما وردت به السنة المطهرة من الجمعة، والعيدين، والحجج وعليه عمل المسلمين إلى الآن‏.‏

ولشيخ الإسلام أحمد بن تيمية رضي الله عنه كتاب سماه ‏(‏‏(‏اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم‏)‏‏)‏ في رد أعياد الأقوام، ونهي المسلمين عن اعتياد عادات هؤلاء الطعام، وفي الحديث ‏(‏من تشبه بقوم فهو منهم‏)‏، والتشبه يشمل كل شبه يكون في الأعياد والأخلاق، وهيأت اللبس، والآكل، والركوب، والبناء، والكلام، وقد تساهل الناس المسلمون اليوم في التحرز عن التشبه إلى الغاية وشابهوا الكفار، وأهل الكتاب في مراسمهم، ومواسهم إلى النهاية إلا من عصمه الله وقليل ما هم، وتأويل هذا الحديث يستدعي بسطا تاما وليس هذا موضع بيان المسائل والأحكام، فعليك بالنظر في اقتضاء الصراط المستقيم يتضح لك الحق مما هو باطل في دين الإسلام، وبالله التوفيق ‏(‏2/ 532‏)‏‏.‏

 علم المواقيت

كذا في كشف الظنون قال في ‏(‏‏(‏مدينة العلوم‏)‏‏)‏‏:‏ وهو علم يتعرف منه أزمنة الأيام، والليالي، وأحوالها، وكيفية التوصل إليها، ومنفعته معرفة أوقات العبادات، والطوالع، والمطالع من أجزاء البروج والكوكب الثابتة التي منها منازل القمر، ومقادير الأظلال، والارتفاعات وانحراف البلدان بعضها عن بعض، وسموتها، ومن المصنفات فيه ‏(‏‏(‏نفائس البواقيت في أحوال المواقيت‏)‏‏)‏ و‏(‏‏(‏جامع المبادئ والغايات‏)‏‏)‏ لأبي علي المراكشي انتهى‏.‏

 علم مواقيت الصلاة

علم يتعرف منه أوقات الصلوات الخمس على الوجه الوارد في الشرع، ويفترض علم تلك المواقيت تقريبا، وأما علمه تحقيقا ففرض كفاية فلا بد في كل بلد من يعرفها على وجه التحقيق كذا في ‏(‏‏(‏مدينة العلوم‏)‏‏)‏‏.‏

قلت للسيد الإمام العلامة المجتهد شيخ شيوخنا محمد بن إسماعيل الأمير اليماني رحمه الله رسالة سماها ‏(‏‏(‏اليواقيت في المواقيت‏)‏‏)‏ ألفها في ذكر أوقات الصلوات الخمس على ما وردت به السنة المطهرة، صرح فيها بأن العمل في الصلاة، والصوم على علم المواقيت بدعة قبيحة من أحداث الملوك، ولا يتوقف عليه معرفة أوقات الصلاة، وهذه الرسالة نفيسة جدا‏.‏

 علم الموسيقى

قال صاحب الفتحية الموسيقى‏:‏ علم رياضي يبحث فيه عن أحوال النغم من حيث الاتفاق، والتنافر، وأحوال الأزمنة المتخللة بين النقرات من حيث الوزن وعدمه ليحصل معرفة كيفية تأليف اللحن، هذا ما قاله الشيخ في شفاءه إلا إن لفظه بين النقرات زيدت على كلامه‏.‏

وعبارته بعينها أي‏:‏ معرفة النغم الحاصل من النقرات ليعم البحث عن الأزمنة التي تكون نقراتها منغمة، أو ساذجة، وكلامه يشعر بكون البحث عن الأزمنة التي تكون نقراها منغمة فقط

وعرفها الشيخ أبو نصر‏:‏ بأنها صوت واحد لابث لزمان فإذا قدر محسوسا في الجسم الذي فيه يوجد، والزمان قد يكون غير محسوس القدر لصغره فلا مدخل للبحث، والصوت اللابث فيه لا يسمى نغمة والقوم قدروا أقل المرتبة المحسوسة في زمان يقع بين حرفين متحركين ملفوظين على سبيل الاعتدال فظهر لنا أنه يشتمل على بحثين البحث‏:‏ الأول‏:‏ عن أحوال النغم، والبحث الثاني‏:‏ عن الأزمنة، فالأول يسمى‏:‏ علم التأليف‏.‏ والثاني‏:‏ علم الإيقاع‏.‏

والغاية والغرض منه حصول معرفة كيفية تأليف الألحان، وهو في عرفهم أنغام مختلفة الحدة، والثقل رتبت ترتيبا ملائما، وقد يقال‏:‏ وقرنت بها ألفاظ دالة على معان محركة للنفس تحريكا ملذا، وعلى هذا فما يترنم به الخطباء، والقراء يكون لحنا، بخلاف التعريف الثالث‏:‏ وهو، وقرنت بها ألفاظ منظومة مظروفة الأزمنة بالأول أعم من الثاني والثالث وبين الثاني والثالث عموم من وجه‏.‏

وقال في ‏(‏‏(‏مدينة العلوم‏)‏‏)‏‏:‏ وهو علم تعرف منه أحوال النغم والإيقاعات، وكيفية تأليف اللحون، وإيجاد الآلات الموسيقائية، وإنما وضعوا هذه الآلات لما ليس فيه الطبيعة فلم يرخصوا الإخلال به‏.‏

وموضوعه‏:‏ الصوت من جهة تأثيره في النفس، إما بالبسط، أو بالقبض لأن الصوت إما أن يحرك النفس عن المبدأ فيحدث البسط من السرور، واللذة، وما يناسبها، وإما إلى مبدئها فيحدث القبض، والفكر في العواقب، وما يناسب ذلك، ومن الكتب المصنفة فيه كتاب الفارابي وهو أشهرها، وأحسنها وكذا كتاب الموسيقي من أبواب الشفاء لابن سينا ولصفي الدين عبد المؤمن مختصر لطيف، ولثابت بن قرة تصنيف نافع، ولأبي الوفاء الجوزجاني مختصر نافع في فن ‏(‏2/ 534‏)‏ الإيقاع، والكتب في هذا الفن كثيرة وفيما ذكرناه كفاية انتهى كلامه‏.‏

وقد اتفق الجمهور على أن واضع هذا الفن

أولا‏:‏ فيثاغورس من تلامذة سليمان عليه السلام، وكان رأى في المنام ثلاثة أيام متوالية أن شخصا يقول له‏:‏ قم واذهب إلى ساحل البحر الفلاني، وحصل هناك علما غريبا فذهب من غد كل ليلة من الليالي إليه فلم ير أحدا فيه، وعلم أنها رؤيا ليست مما يؤخذ جدا فانعكس، وكان هناك جمع من الحدادين يضربون بالمطارق على التناسب، فتأمل ثم رجع، وقصد أنواع مناسبات بين الأصوات، ولما حصل له ما قصده بتفكر كثير، وفيض إلهامي صنع آلة، وشد عليها إبريسما وأنشد شعرا في التوحيد، وترغيب الخلق في أمور الآخرة، فأعرض بذلك كثير من الخلائق عن الدنيا، وصارت تلك الآلة معززة بين الحكماء، وبعد مدة قليلة صار حكيما محققا بالغا في الرياضة بصفاء جوهره، وأصلا إلى مأوى الأرواح وسعة السماوات، وكان يقول‏:‏ إني أسمع نغمات شهية، وألحانات بهية من الحركات الفلكية، وتمكنت تلك النغمات في خيالي وضميري، فوضع قواعد هذا العلم‏.‏

وأضاف بعده الحكماء مخترعاتهم إلى ما وضعه إلى أن انتهت النوبة إلى أرسطاطاليس، فتفكر أرسطو فوضع الأغنون وهو آلة لليونانيين، تعمل من ثلاثة زقاق كبار من جلود الجواميس يضم بعضها إلى بعض، ويركب على رأس الزق الأوسط زق كبير آخر، ثم يركب على هذه الزقاق أنابيب لها ثقب على نسب معلومة، تخرج منها أصوات طيبة مطربة على حسب استعمال المستعمل‏.‏

وكان غرضهم من استخراج قواعد هذا الفن تأنيس الأرواح والنفوس الناطقة إلى عالم القدس، لا مجرد اللهو، والطرب فإن النفس قد يظهر فيها باستماع واسطة حسن التأليف، وتناسب النغمات بسط فتذكر مصاحبة النفوس العالية، ومجاورة العالم العلوي وتسمع هذا النداء، وهو‏:‏

ارجعي أيتها النفس الغريقة، في الأجسام المدلهمة، في فجور الطبع إلى ‏(‏2/ 535‏)‏ العقول الروحانية، والذخائر التوراتية، والأماكن القدسية في مقعد صدق عند مليك مقتدر‏.‏

ومن رجال هذا الفن من صار له يد طولى كعبد المؤمن فإن له فيه شرفية، وخواجه عبد القادر بن غيبي الحافظ المراغي له فيه كتب عديدة، وقد أطال ابن خلدون في بيان صناعة الغناء فمن شاء ليرجع إليه فأنه بحث نفيس‏.‏