فصل: بَابُ: حُكْمِ كِتَابِ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف على مذهب الإمام أحمد بن حنبل ***


بَابُ‏:‏ طَرِيقِ الْحُكْمِ وَصِفَتِهِ

قَوْلُهُ‏:‏ إذَا جَلَسَ إلَيْهِ خَصْمَانِ فَلَهُ أَنْ يَقُولَ من الْمُدَّعِي مِنْكُمَا وَلَهُ أَنْ يَسْكُتَ حتى يَبْتَدِئَا الصَّحِيحُ من الْمَذْهَبِ انه إذَا جَلَسَ إلَيْهِ الْخَصْمَانِ أَنَّ له أَنْ يَقُولَ من الْمُدَّعِي مِنْكُمَا وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأصحاب قال في الْفُرُوعِ وَلَهُ أَنْ يَسْكُتَ حتى يبدآ وَالْأَشْهَرُ أَنْ يَقُولَ أَيُّكُمَا الْمُدَّعِي وَجَزَمَ بِهِ في الْهِدَايَةِ وَالْمُذْهَبِ وَالْمُسْتَوْعِبِ وَالْخُلَاصَةِ وَالْبُلْغَةِ وَالْمُحَرَّرِ وَالنَّظْمِ وَالرِّعَايَةِ وَالْحَاوِي وَالْوَجِيزِ وَالْمُنَوِّرِ وَمُنْتَخَبِ الآدمي وَتَذْكِرَةِ ابن عبْدُوسٍ وَغَيْرِهِمْ وَقِيلَ لَا يَقُولُهُ حتى يبدآ بِأَنْفُسِهِمَا فَإِنْ سَكَتَا أو سَكَتَ الْحَاكِمُ قال الْقَائِمُ على رَأْسِ الْقَاضِي من الْمُدَّعِي مِنْكُمَا

فائدتان‏:‏

الْأُولَى‏:‏ لَا يقول الْحَاكِمُ وَلَا الْقَائِمُ على رَأْسِهِ لِأَحَدِهِمَا تَكَلَّمْ لِأَنَّ في إفْرَادِهِ بِذَلِكَ تَفْضِيلًا له وَتَرْكًا لِلْإِنْصَافِ‏.‏

الثَّانِيَةُ‏:‏ لو بَدَأَ أَحَدُهُمَا فَادَّعَى فقال خَصْمُهُ أنا الْمُدَّعِي لم يُلْتَفَتْ إلَيْهِ وَيُقَالُ له أَجِبْ عن دَعْوَاهُ ثُمَّ اُدْعُ بِمَا شِئْت‏.‏

قَوْلُهُ‏:‏ وَإِنْ ادَّعَيَا مَعًا قَدَّمَ أَحَدَهُمَا بِالْقُرْعَةِ هذا الْمَذْهَبُ وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأصحاب قال الشَّارِحُ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنْ يَقْرَعَ بَيْنَهُمَا وَجَزَمَ بِهِ في الْهِدَايَةِ وَالْمُذَهَّبِ وَالْمُسْتَوْعِبِ وَالْخُلَاصَةِ وَالْبُلْغَةِ وَالْوَجِيزِ وَالْمُنَوِّرِ وَمُنْتَخَبِ الآدمي وَغَيْرِهِمْ وَقَدَّمَهُ في الْمُحَرَّرِ وَالنَّظْمِ وَالرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ وَالْفُرُوعِ وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ وَغَيْرِهِمْ وَقِيلَ يُقَدِّمُ الْحَاكِمُ من شَاءَ مِنْهُمَا

فائدتان‏:‏

إحْدَاهُمَا‏:‏ لَا تُسْمَعُ الدَّعْوَى الْمَقْلُوبَةُ على الصَّحِيحِ من الْمَذْهَبِ وَعَلَيْهِ الْأصحاب وَقَدَّمَهُ في الْفُرُوعِ وقال وَسَمِعَهَا بَعْضُهُمْ وَاسْتَنْبَطَهَا قُلْت الذي يَظْهَرُ أَنَّهُ اسْتَنْبَطَهَا من الشُّفْعَةِ فِيمَا إذَا ادَّعَى الشَّفِيعُ على شَخْصٍ أَنَّهُ اشْتَرَى الشِّقْصَ وقال بَلْ اتَّهَبْته أو وَرِثْته فإن الْقَوْلَ‏.‏

قَوْلُهُ‏:‏ مع يَمِينِهِ فَلَوْ نَكَلَ عن الْيَمِينِ أو قَامَتْ لِلشَّفِيعِ بَيِّنَةٌ بِالشِّرَاءِ فَلَهُ أَخْذُهُ وَدَفْعُ ثَمَنِهِ فَإِنْ قال لَا استحقه قِيلَ له إمَّا أَنْ تَقْبَلَ وَإِمَّا أَنْ تُبْرِئَهُ على أَحَدِ الْوُجُوهِ وَقَطَعَ بِهِ الْمُصَنِّفُ هُنَاكَ فَلَوْ ادَّعَى الشَّفِيعُ عليه ذلك سَاغَ وَكَانَتْ شَبِيهَةٌ بِالدَّعْوَى الْمَقْلُوبَةِ وَمِثْلَهُ في الشُّفْعَةِ أَيْضًا لو أَقَرَّ الْبَائِعُ بِالْبَيْعِ وَأَنْكَرَ الْمُشْتَرِي وَقُلْنَا تَجِبُ الشُّفْعَةُ وكان الْبَائِعُ مقرى بِقَبْضِ الثَّمَنِ من الْمُشْتَرِي فإن الثَّمَنَ الذي في يَدِ الشَّفِيعِ لَا يَدَّعِيهِ أَحَدٌ فَيُقَالُ لِلْمُشْتَرِي إمَّا أَنْ تَقْبِضَ وَإِمَّا أَنْ تُبْرِئَ على أَحَدِ الْوُجُوهِ وَتَقَدَّمَ ذلك في كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وقال الْأصحاب وَنَصَّ عليه الْإِمَامُ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ لو جَاءَهُ بِالسَّلَمِ قبل مَحَلِّهِ وَلَا ضَرَرَ في قَبْضِهِ لَزِمَهُ ذلك فَإِنْ امْتَنَعَ من الْقَبْضِ قِيلَ له إمَّا أَنْ تَقْبِضَ حَقَّك أو تبريء ‏[‏تبرأ‏]‏ منه فَإِنْ أَبَى رُفِعَ الْأَمْرُ إلَى الْحَاكِمِ على ما تَقَدَّمَ في بَابِ السَّلَمِ وَكَذَا في الْكِتَابَةِ فَيُسْتَنْبَطُ من ذلك كُلِّهِ صِحَّةُ الدَّعْوَى الْمَقْلُوبَةِ‏.‏

الثَّانِيَةُ‏:‏ لَا تَصِحُّ الدَّعْوَى وَالْإِنْكَارُ إلَّا من جَائِزِ التَّصَرُّفِ وقد صَرَّحَ بِهِ الْمُصَنِّفُ في أَوَّلِ بَابِ الدَّعَاوَى وَالْبَيِّنَاتِ في قَوْلِهِ وَلَا تَصِحُّ الدَّعْوَى وَالْإِنْكَارُ إلَّا من جَائِزِ التَّصَرُّفِ انتهى‏.‏

وَتَصِحُّ الدَّعْوَى على السَّفِيهِ مِمَّا يُؤْخَذُ بِهِ في حَالِ عَجْزِهِ لِسَفَهٍ وَبَعْدَ فَكِّ حَجْرِهِ وَيَحْلِفُ إذَا أَنْكَرَ‏.‏

قَوْلُهُ‏:‏ ثُمَّ يقول لِلْخَصْمِ ما تَقُولُ فِيمَا ادَّعَاهُ هذا الْمَذْهَبُ قال في الْمُحَرَّرِ وَغَيْرِهِ هذا أَصَحُّ وَجَزَمَ بِهِ في الْهِدَايَةِ وَالْخُلَاصَةِ وَالْوَجِيزِ وَالْمُنَوِّرِ وَمُنْتَخَبِ الأدمى وتذكره ابن عبْدُوسٍ وَغَيْرِهِمْ وَقَدَّمَهُ في الْمُحَرَّرِ وَالنَّظْمِ وَالرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ وَالْفُرُوعِ والمغنى وَالشَّرْحِ وَنَصَرَاهُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَمْلِكُ سُؤَالَهُ حتى يَقُولَ الْمُدَّعِي وَأَسْأَلُ سُؤَالَهُ عن ذلك وفي الْمَذْهَبِ وَالْمُسْتَوْعِبِ وَجْهَانِ‏.‏

تنبيه‏:‏

ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ أَنَّ الدَّعْوَى تُسْمَعُ في الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ وهو كَذَلِكَ وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأصحاب وَقَدَّمَهُ في الْفُرُوعِ وقال في التَّرْغِيبِ لَا تُسْمَعُ في مِثْلِ ما لَا تَتْبَعُهُ الْهِمَّةُ وَلَا يُعَدَّى حَاكِمٌ في مِثْلِ ذلك‏.‏

قَوْلُهُ‏:‏ فَإِنْ أَقَرَّ له لم يَحْكُمْ له حتى يُطَالِبَهُ الْمُدَّعِي بِالْحُكْمِ هذا الْمَذْهَبُ قال في الْفُرُوعِ وَلَا يَحْكُمُ له إلَّا بِسُؤَالِهِ في الْأَصَحِّ وَجَزَمَ بِهِ في الْهِدَايَةِ وَالْمُذَهَّبِ وَالْخُلَاصَةِ وَالْبُلْغَةِ وَالْمُحَرَّرِ وَالْوَجِيزِ وَالْمُنَوِّرِ وَمُنْتَخَبِ الأدمى وَتَذْكِرَةِ ابن عبْدُوسٍ وَغَيْرِهِمْ قال الْمُصَنِّفُ هَكَذَا ذَكَرَهُ أصحابنَا قال وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَجُوزَ له الْحُكْمُ قبل مَسْأَلَةِ الْمُدَّعِي لِأَنَّ الْحَالَ يَدُلُّ على إرَادَتِهِ ذلك فَاكْتَفَى بها كما اكْتَفَى في مَسْأَلَةِ الْمُدَّعَى عليه الْجَوَابَ وَلِأَنَّ كَثِيرًا من الناس لَا يَعْرِفُ مُطَالَبَةَ الْحَاكِمِ بِذَلِكَ انتهى‏.‏

وَمَالَ إلَيْهِ في الْكَافِي وقال في الْفُرُوعِ أَيْضًا فَإِنْ أَقَرَّ حَكَمَ قَالَهُ جَمَاعَةٌ وقال في التَّرْغِيبِ إنْ أَقَرَّ فَقَدْ ثَبَتَ وَلَا يُفْتَقَرُ إلَى قَوْلِهِ قَضَيْت في أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ بِخِلَافِ قِيَامِ الْبَيِّنَةِ لِأَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِاجْتِهَادِهِ قال في الرِّعَايَةِ وَقِيلَ يَثْبُتُ الْحَقُّ بِإِقْرَارِهِ وَبِدُونِ حُكْمٍ‏.‏

فائدة‏:‏

لو قال الْحَاكِمُ لِلْخَصْمِ يُسْتَحَقُّ عَلَيْك كَذَا فقال نعم لَزِمَهُ ذَكَرَهُ في الْوَاضِحِ في قَوْلِ الْخَاطِبِ لِلْوَلِيِّ أَزَوَّجْت قال نعم قوله وَإِنْ أَنْكَرَ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ الْمُدَّعِي أَقْرَضْته أَلْفًا أو بِعْته فيقول ما أَقْرَضَنِي وَلَا بَاعَنِي أو ما يَسْتَحِقُّ على ما ادَّعَاهُ وَلَا شيئا منه أو لَا حَقَّ له عَلَيَّ صَحَّ الْجَوَابُ مُرَادُهُ ما لم يَعْتَرِفْ بِسَبَبِ الْحَقِّ فَلَوْ اعْتَرَفَ بِسَبَبِ الْحَقِّ مِثْلَ ما لو ادَّعَتْ من تَعْتَرِفُ بِأَنَّهَا زَوْجَتُهُ الْمَهْرَ فقال لَا تَسْتَحِقُّ على شيئا لم يَصِحَّ الْجَوَابُ وَيَلْزَمُهُ الْمَهْرُ إنْ لم يُقِمْ بَيِّنَةً بِإِسْقَاطِهِ كَجَوَابِهِ في دَعْوَى قَرْضٍ اعْتَرَفَ بِهِ لَا يَسْتَحِقُّ على شيئا وَلِهَذَا لو اقرت في مَرَضِهَا لَا مَهْرَ لها عليه لم يُقْبَلْ إلَّا بِبَيِّنَةٍ أنها أَخَذَتْهُ نَقَلَهُ مُهَنَّا قال في الْفُرُوعِ وَالْمُرَادُ أو أنها أَسْقَطَتْهُ في الصِّحَّةِ وهو كما قال

فائدتان‏:‏

إحْدَاهُمَا‏:‏ لو قال لمدعي ‏[‏لمدع‏]‏ دِينَارًا لَا تَسْتَحِقُّ على حَبَّةً فَعِنْدَ ابن عقِيلٍ أَنَّ هذا ليس بِجَوَابٍ لِأَنَّهُ لَا يُكْتَفَى في دَفْعِ الدَّعْوَى إلَّا بِنَصٍّ وَلَا يُكْتَفَى بِالظَّاهِرِ وَلِهَذَا لو حَلَفَ وَاَللَّهِ إنِّي لَصَادِقٌ فِيمَا ادَّعَيْته عليه أو حَلَفَ الْمُنْكِرُ إنَّهُ لَكَاذِبٌ فِيمَا ادَّعَاهُ عَلَيَّ لم يُقْبَلْ وَعِنْدَ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ رَحِمَهُ اللَّهُ يَعُمُّ الْحَبَّاتِ وما لم يَنْدَرِجْ في لَفْظِ حَبَّةٍ من بَابِ الْفَحْوَى إلَّا أَنْ يُقَالَ يَعُمَّ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً وقد تَقَدَّمَ في اللِّعَانِ وَجْهَانِ هل يُشْتَرَطُ قَوْله فِيمَا رَمَيْتهَا بِهِ‏.‏

الثَّانِيَةُ‏:‏ لو قال لي عَلَيْك مِائَةٌ فقال ليس لَك عَلَيَّ مِائَةٌ فَلَا بُدَّ أَنْ يَقُولَ وَلَا شَيْءَ منها على الصَّحِيحِ من الْمَذْهَبِ كَالْيَمِينِ وَقِيلَ لَا يُعْتَبَرُ فَعَلَى الْأَوَّلِ لو نَكَلَ عَمَّا دُونَ الْمِائَةِ حُكِمَ عليه بِمِائَةٍ إلَّا جُزْءًا وَإِنْ قُلْنَا برد ‏[‏يرد‏]‏ الْيَمِينُ حَلَفَ الْمُدَّعِي على ما دُونَ الْمِائَةِ إذَا لم يُسْنِدْ الْمِائَةَ إلَى عَقْدٍ لِكَوْنِ الثَّمَنِ لَا يَقَعُ إلَّا مع ذِكْرِ النِّسْبِيَّةِ لِيُطَابِق الدَّعْوَى ذَكَرَهُ في التَّرْغِيبِ وَإِنْ أَجَابَ مُشْتَرٍ لِمَنْ يَسْتَحِقُّ الْبَيْعَ بِمُجَرَّدِ الْإِنْكَارِ رَجَعَ عَلَيَّ الْبَائِعُ بِالثَّمَنِ وَإِنْ قال هو مِلْكِي اشْتَرَيْته من فُلَانٍ وهو مِلْكُهُ فَفِي الرُّجُوعِ وَجْهَانِ وأطلقهما في الْفُرُوعِ وَإِنْ انْتَزَعَ الْمَبِيعَ من يَدِ مُشْتَرٍ بِبَيِّنَةِ مِلْكٍ مُطْلَقٍ رَجَعَ على الْبَائِعِ في ظَاهِرِ كَلَامِهِمْ قاله في الْفُرُوعِ كما يَرْجِعُ في بينه مِلْكٍ سَابِقٍ وقال في التَّرْغِيبِ يُحْتَمَلُ عِنْدِي أَنْ لَا يَرْجِعَ لِأَنَّ الْمُطْلَقَةَ تَقْتَضِي الزَّوَالَ من وَقْتِهِ لِأَنَّ ما قَبْلَهُ غَيْرُ مَشْهُودٍ بِهِ قال الْأَزَجِيُّ وَلَوْ قال لَك عَلَيَّ شَيْءٌ فقال ليس لي عَلَيْك شَيْءٌ إنَّمَا لي عَلَيْك أَلْفُ دِرْهَمٍ لم تُقْبَلْ منه دَعْوَى الْأَلْفِ لِأَنَّهُ نَفَاهَا بِنَفْيِ الشَّيْءِ وَلَوْ قال لك ‏[‏ليس‏]‏ عَلَيَّ دِرْهَمٌ فقال ليس لي عَلَيْك دِرْهَمٌ وَلَا دَانَقٌ إنَّمَا لي عَلَيْك أَلْفٌ قُبِلَ منه دَعْوَى الْأَلْفِ لِأَنَّ مَعْنَى نَفْيِهِ ليس حَقِّي هذا الْقَدْرُ قال وَلَوْ قال ليس لَك عَلَيَّ شَيْءٌ إلَّا دِرْهَمٌ صَحَّ ذلك وَلَوْ قال ليس لَك عَلَيَّ عَشْرَةٌ إلَّا خَمْسَةً فَقِيلَ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ لِتَخَبُّطِ اللَّفْظِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ ما أَثْبَتَهُ وَهِيَ الْخَمْسَةُ لان التَّقْدِيرَ ليس له عَلَيَّ عَشْرَةٌ لَكِنْ خَمْسَةٌ وَلِأَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ من النَّفْيِ فَيَكُونُ إثْبَاتًا‏.‏

قَوْلُهُ‏:‏ وَلِلْمُدَّعِي أَنْ يَقُولَ لي بَيِّنَةٌ وَإِنْ لم يَقُلْ قال الْحَاكِمُ أَلِك بَيِّنَةٌ وَلَهُ قَوْلُ ذلك قبل أَنْ يَقُولَ الْمُدَّعِي لي بَيِّنَةٌ فَإِنْ قال لي بَيِّنَةٌ أَمَرَهُ بِإِحْضَارِهَا وَمَعْنَاهُ إنْ شِئْت فَأَحْضِرْهَا وَهَذَا الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا وَقَدَّمَهُ في الْفُرُوعِ قال في الْهِدَايَةِ وَالْخُلَاصَةِ وَغَيْرِهِمَا وَإِنْ أَنْكَرَ سَأَلَ الْمُدَّعِي أَلَكَ بَيِّنَةٌ وقال في الْمُحَرَّرِ لَا يقول الْحَاكِمُ لِلْمُدَّعِي أَلَكَ بَيِّنَةٌ إلَّا إذَا لم يَعْرِفْ أَنَّ هذا مَوْضِعُ الْبَيِّنَةِ وَجَزَمَ بِهِ في الْوَجِيزِ وقال في الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى وَالْحَاوِي فَإِنْ قال الْمُدَّعِي لي بَيِّنَةٌ وَأَحْضَرَهَا حَكَمَ بها وَإِنْ جَهِلَ أَنَّهُ مَوْضِعُهَا قال له أَلَكَ بَيِّنَةُ فَإِنْ قال نعم طَلَبَهَا وَحَكَمَ بها وَكَذَا إنْ قال إنْ كانت لَك بَيِّنَةٌ فَأَحْضِرْهَا إنْ شِئْت فَفَعَلَ وقال في الْمُسْتَوْعِبِ والمغنى لَا يَأْمُرُهُ بِإِحْضَارِهَا لِأَنَّ ذلك حَقٌّ له فَلَهُ أَنْ يَفْعَلَ ما يَرَى‏.‏

قَوْلُهُ‏:‏ فإذا أَحْضَرَهَا سَمِعَهَا الْحَاكِمُ بِلَا نِزَاعٍ لَكِنْ لَا يَسْأَلُهَا الْحَاكِمُ على الصَّحِيحِ من الْمَذْهَبِ جَزَمَ بِهِ في الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ وَالْفُرُوعِ وقال وَيُتَوَجَّهُ وَجْهٌ‏.‏

فائدة‏:‏

لَا يقول الْحَاكِمُ لَهُمَا أَشْهَدَا وَلَيْسَ له أَنْ يُلَقِّنَهُمَا على الصَّحِيحِ من الْمَذْهَبِ وقال في الْمُسْتَوْعِبِ وَلَا يَنْبَغِي ذلك وقال في الْمُوجِزِ يُكْرَهُ ذلك كَتَعْنِيفِهِمَا وَانْتِهَارِهِمَا وَظَاهِرُ الْكَافِي في التَّعْنِيفِ وَالِانْتِهَارِ يَحْرُمُ‏.‏

قَوْلُهُ‏:‏ فإذا أَحْضَرَهَا سَمِعَهَا الْحَاكِمُ وَحَكَمَ بها إذَا سَأَلَهُ الْمُدَّعِي الصَّحِيحُ من الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَحْكُمُ إلَّا بِسُؤَالِ الْمُدَّعِي وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأصحاب وَجَزَمَ بِهِ في الشَّرْحِ وَغَيْرِهِ وَقَدَّمَهُ في الْفُرُوعِ وَقِيلَ له الْحُكْمُ قبل سُؤَالِهِ وَهِيَ شَبِيهَةٌ بِمَا إذَا أَقَرَّ له على ما تَقَدَّمَ‏.‏

فائدة‏:‏

إذَا شَهِدَتْ الْبَيِّنَةُ لم يَجُزْ له تَرْدِيدُهَا وَيْحُكُمْ في الْحَالِ على الصَّحِيحِ من الْمَذْهَبِ قَدَّمَهُ في الْفُرُوعِ وقال في الرِّعَايَةِ إنْ ظَنَّ الصُّلْحَ آخر الْحُكْمَ وقال في الْفُصُولِ وَأَحْبَبْنَا له أَمْرَهُمَا بِالصُّلْحِ وَيُؤَخِّرُهُ فَإِنْ أَبَيَا حَكَمَ وقال في الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ يقول له الْحَاكِمُ قد شَهِدَا عَلَيْك فَإِنْ كان قَادِحٌ فَبَيِّنْهُ عِنْدِي يَعْنِي يُسْتَحَبُّ ذلك وَذَكَرَهُ غَيْرُهُمَا وَذَكَرَهُ في الْمُذَهَّبِ وَالْمُسْتَوْعِبِ فِيمَا إذَا ارْتَابَ فِيهِمَا قال في الْفُرُوعِ فَدَلَّ أَنَّ له الْحُكْمَ مع الرِّيبَةِ قُلْت الْحُكْمُ مع الرِّيبَةِ فيه نَظَرٌ بَيِّنٌ وقال في التَّرْغِيبِ وَغَيْرِهِ لَا يَجُوزُ الْحُكْمُ بِضِدِّ ما يَعْلَمُهُ بَلْ يَتَوَقَّفُ وَمَعَ اللَّبْسِ يَأْمُرُ بِالصُّلْحِ فَإِنْ عَجَّلَ فَحَكَمَ قبل الْبَيَانِ حَرُمَ ولم يَصِحَّ‏.‏

تنبيه‏:‏

ظَاهِرُ قَوْلِهِ فإذا أَحْضَرَهَا سَمِعَهَا الْحَاكِمُ وَحَكَمَ أَنَّ الشَّهَادَةَ لَا تُسْمَعُ قبل الدَّعْوَى‏.‏

وَاعْلَمْ أَنَّ الْحَقَّ حَقَّانِ حَقٌّ لِآدَمِيٍّ مُعَيَّنٍ وَحَقٌّ لِلَّهِ فَإِنْ كان الْحَقُّ لِآدَمِيٍّ مُعَيَّنٍ فَالصَّحِيحُ من الْمَذْهَبِ أنها لَا تُسْمَعُ قبل الدَّعْوَى جَزَمَ بِهِ في المغنى وَالشَّرْحِ ذَكَرَاهُ في أَثْنَاءِ كِتَابِ الشَّهَادَاتِ وَقَدَّمَهُ في الْفُرُوعِ وَسَمِعَهَا الْقَاضِي في التَّعْلِيقِ وأبو الْخَطَّابِ في الِانْتِصَارِ وَالْمُصَنِّفُ في المغنى إنْ لم يَعْلَمْ بِهِ قال الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ رحمة اللَّهُ هو غَرِيبٌ وَذَكَرَ الْأصحاب أنها تُسْمَعُ بِالْوَكَالَةِ من غَيْرِ خَصْمٍ وَنَقَلَهُ مُهَنَّا قال الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ رحمة اللَّهُ تُسْمَعُ وَلَوْ كان في الْبَلَدِ وَبَنَاهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ على جَوَازِ الْقَضَاءِ على الْغَائِبِ انتهى‏.‏

وَالْوَصِيَّةُ مِثْلُ الْوَكَالَةِ قال الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ رحمة اللَّهُ الْوَكَالَةُ إنَّمَا تُثْبِتُ اسْتِيفَاءَ حَقٍّ أو إبْقَاءَهُ وهو مِمَّا لَا حَقَّ لِلْمُدَّعِي عليه فيه فَإِنْ دَفَعَهُ إلَى الْوَكِيلِ وَإِلَى غَيْرِهِ سَوَاءٌ وَلِهَذَا لم يُشْتَرَطْ فيها رِضَاهُ وَإِنْ كان الْحَقُّ لِلَّهِ تَعَالَى كَالْعِبَادَاتِ وَالْحُدُودِ وَالصَّدَقَةِ وَالْكَفَّارَةِ لم تَصِحَّ بِهِ الدَّعْوَى بَلْ وَلَا تُسْمَعُ وَتُسْمَعُ الْبَيِّنَةُ من غَيْرِ تَقَدُّمِ دَعْوَى وَهَذَا الْمَذْهَبُ وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأصحاب وَجَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ وَالشَّارِحُ وَغَيْرُهُمَا وَقَدَّمَهُ في الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ قال في التَّعْلِيقِ شَهَادَةُ الشُّهُودِ دَعْوَى قيل لِلْإِمَامِ احمد رَحِمَهُ اللَّهُ في بَيِّنَةِ الزنى تَحْتَاجُ إلي مُدَّعٍ فذكر خَبَرَ أبى بَكْرَةَ رضي اللَّهُ عنه وقال لم يَكُنْ مُدَّعٍ وقال في الرِّعَايَةِ تَصِحُّ دَعْوَى حِسْبَةٍ من كل مُسْلِمٍ مُكَلَّفٍ رَشِيدٍ في حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى كَعِدَّةٍ وَحَدٍّ وَرِدَّةٍ وَعِتْقٍ وَاسْتِيلَادٍ وَطَلَاقٍ وَكَفَّارَةٍ وَنَحْوِ ذلك وَبِكُلِّ حَقٍّ لِآدَمِيٍّ غَيْرِ مُعَيَّنٍ وَإِنْ لم يَطْلُبْهُ مُسْتَحِقُّهُ وَذَكَرَ ابو الْمَعَالِي لِنَائِبِ الْإِمَامِ مُطَالَبَةُ رَبِّ مَالٍ بَاطِنٍ بِزَكَاةٍ إذَا ظَهَرَ له تَقْصِيرٌ وَفِيمَا اوجبه من نَذْرٍ وَكَفَّارَةٍ وَنَحْوِهِ وَجْهَانِ وقال الْقَاضِي في الْخِلَافِ فِيمَنْ تَرَكَ الزَّكَاةَ هِيَ آكَدُ لِأَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يُطَالِبَ بها بِخِلَافِ الْكَفَّارَةِ وَالنَّذْرِ وقال في الِانْتِصَارِ في حَجْرِهِ على مُفْلِسِ الزَّكَاةِ كَمَسْأَلَتِنَا إذَا ثَبَتَ وُجُوبُهَا عليه لَا الْكَفَّارَةُ وقال في التَّرْغِيبِ ما شَمَلَهُ حَقُّ اللَّهِ وَالْآدَمِيِّ كَسَرِقَةٍ تُسْمَعُ الدَّعْوَى في الْمَالِ وَيَحْلِفُ مُنْكِرٌ وَلَوْ عَادَ إلَى مَالِكِهِ أو مَلَكَهُ سَارِقُهُ لم تُسْمَعْ لِتَمَحُّضِ حَقِّ اللَّهِ وقال في السَّرِقَةِ إنْ شَهِدَتْ بِسَرِقَةٍ قبل الدَّعْوَى فَأَصَحُّ الْوَجْهَيْنِ لَا تُسْمَعُ وَتُسْمَعُ إنْ شَهِدَتْ إنه بَاعَهُ فُلَانٌ وقال في الْمُغْنِي كَسَرِقَةٍ وَزِنَاهُ بِأَمَتِهِ لِمَهْرِهَا تُسْمَعُ وَيَقْضِي على نَاكِلٍ بِمَالٍ وَقَالَهُ ابن عقِيلٍ وَغَيْرُهُ‏.‏

فائدة‏:‏

تُقْبَلُ بَيِّنَةُ عِتْقٍ وَلَوْ أَنْكَرَ الْعَبْدُ نَقَلَهُ الْمَيْمُونِيُّ وَذَكَرَهُ في الْمُوجِزِ وَالتَّبْصِرَةِ وَاقْتَصَرَ عليه في الْفُرُوعِ‏.‏

تنبيه‏:‏

وَكَذَا الْحُكْمُ في أَنَّ الدَّعْوَى لَا تَصِحُّ وَلَا تُسْمَعُ وَتُسْمَعُ الْبَيِّنَةُ قبل الدَّعْوَى في كل حَقٍّ لِآدَمِيٍّ غَيْرِ مُعَيَّنٍ كَالْوَقْفِ على الْفُقَرَاءِ أو على مَسْجِدٍ أو رِبَاطٍ أو وَصِيَّةٍ لِأَحَدِهِمَا قال الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ رَحِمَهُ اللَّهُ وَكَذَا عُقُوبَةُ كَذَّابٍ مُفْتَرٍ على الناس وَالتَّكَلُّمُ فِيهِمْ وَتَقَدَّمَ في التَّعْزِيرِ كَلَامُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ وَالْأصحاب وقال الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ رَحِمَهُ اللَّهُ في حِفْظِ وَقْفٍ وَغَيْرِهِ بِالثَّبَاتِ عن خَصْمٍ مُقَدَّرٍ تُسْمَعُ الدَّعْوَى وَالشَّهَادَةُ فيه بِلَا خَصْمٍ وَهَذَا قد يَدْخُلُ في كِتَابِ الْقَاضِي وَفَائِدَتُهُ كَفَائِدَةِ الشَّهَادَةِ وهو مِثْلُ كِتَابِ الْقَاضِي إذَا كان فيه ثُبُوتٌ مَحْضٌ فإنه هُنَاكَ يَكُونُ مُدَّعٍ فَقَطْ بِلَا مُدَّعَى عليه حَاضِرٌ لَكِنَّ هُنَا الْمُدَّعَى عليه مُتَخَوِّفٌ وَإِنَّمَا المدعى يَطْلُبُ من الْقَاضِي سَمَاعَ الْبَيِّنَةِ أو الْإِقْرَارَ كما يَسْمَعُ ذلك شُهُودُ الْفَرْعِ فيقول الْقَاضِي ثَبَتَ ذلك عِنْدِي بِلَا مُدَّعًى عليه قال وقد ذَكَرَهُ قَوْمٌ من الْفُقَهَاءِ وَفَعَلَهُ طَائِفَةٌ من الْفُقَهَاءِ وَفَعَلَهُ طَائِفَةٌ من الْقُضَاةِ ولم يَسْمَعْهَا طَوَائِفُ من الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ لِأَنَّ الْقَصْدَ بِالْحُكْمِ فَصْلُ الْخُصُومَةِ وَمَنْ قال بِالْخَصْمِ الْمُسَخَّرِ نَصَبَ الشَّرَّ ثُمَّ قَطَعَهُ وَذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ رَحِمَهُ اللَّهُ ما ذَكَرَهُ الْقَاضِي من احْتِيَالِ الْحَنَفِيَّةِ على سَمَاعِ الْبَيِّنَةِ من غَيْرِ وُجُودِ مُدَّعًى عليه فإن الْمُشْتَرِيَ الْمُقَرَّ له بِالْبَيْعِ قد قَبَضَ الْمَبِيعَ وسلم الثَّمَنَ فَهُوَ لَا يَدَّعِي شيئا وَلَا يدعي عليه شَيْءٌ وَإِنَّمَا غَرَضُهُ تَثْبِيتُ الْإِقْرَارِ وَالْعَقْدِ وَالْمَقْصُودُ سَمَاعُ الْقَاضِي الْبَيِّنَةَ وَحُكْمُهُ بِمُوجِبِهَا من غَيْرِ وُجُودِ مُدَّعًى عليه وَمِنْ غَيْرِ مُدَّعٍ على أَحَدٍ لَكِنْ خَوْفًا من حُدُوثِ خَصْمٍ مُسْتَقْبَلٍ فَيَكُونُ هذا الثُّبُوتُ حُجَّةً بِمَنْزِلَةِ الشَّهَادَةِ فَإِنْ لم يَكُنْ الْقَاضِي يَسْمَعُ الْبَيِّنَةَ بِلَا هذه الدَّعْوَى وَإِلَّا امْتَنَعَ من سَمَاعِهَا مُطْلَقًا وَعَطَّلَ هذا الْمَقْصُودَ الذي احْتَالُوا له قال الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ رَحِمَهُ اللَّهُ وَكَلَامُهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ هو لَا يَحْتَاجُ إلَى هذا الِاحْتِيَالِ مع أَنَّ جَمَاعَاتٍ من الْقُضَاةِ الْمُتَأَخِّرِينَ من الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ دَخَلُوا مع الْحَنَفِيَّةِ في ذلك وَسَمَّوْهُ الْخَصْمَ الْمُسَخَّرَ قال وَأَمَّا على أَصْلِنَا الصَّحِيحِ وَأَصْلِ مَالِكٍ رحمة اللَّهُ فَإِمَّا أَنْ نَمْنَعَ الدَّعْوَى على غَيْرِ خَصْمٍ مُنَازَعٍ فَتَثْبُتُ الْحُقُوقُ بِالشَّهَادَاتِ على الشَّهَادَاتِ كما ذَكَرَهُ من ذَكَرَهُ من أصحابنَا وَإِمَّا أَنْ نَسْمَعَ الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَةَ بِلَا خَصْمٍ كما ذَكَرَهُ طَائِفَةٌ من الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وهو مقتضي كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ وَأصحابنَا في مَوَاضِعَ لِأَنَّا نَسْمَعُ الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَةَ على الْغَائِبِ وَالْمُمْتَنِعِ وَكَذَا على الْحَاضِرِ في الْبَلَدِ في الْمَنْصُوصِ فَمَعَ عَدَمِ خَصْمٍ أَوْلَى قال وقال أصحابنَا كِتَابُ الْحَاكِمِ كَشُهُودِ الْفَرْعِ قالوا لِأَنَّ الْمَكْتُوبَ إلَيْهِ يُحْكَمُ بِمَا قام مَقَامَهُ غَيْرُهُ لِأَنَّ إعْلَامَ الْقَاضِي لِلْقَاضِي قَائِمٌ مَقَامَ الشَّاهِدَيْنِ فَجَعَلُوا كُلَّ وَاحِدٍ من كِتَابِ الْحَاكِمِ وَشُهُودِ الْفَرْعِ قَائِمًا مَقَامَ غَيْرِهِ وهو بَدَلٌ عن شُهُودِ الْأَصْلِ وَجَعَلُوا كِتَابَ الْقَاضِي كَخِطَابِهِ وَإِنَّمَا خَصُّوهُ بِالْكِتَابِ لِأَنَّ الْعَادَةَ تَبَاعُدُ الْحَاكِمَيْنِ وَإِلَّا فَلَوْ كَانَا في مَحَلٍّ وَاحِدٍ كان مُخَاطَبَةُ أَحَدِهِمَا لِلْآخِرِ أَبْلَغُ من الْكِتَابِ وَبَنَوْا ذلك على أَنَّ الْحَاكِمَ يَثْبُتُ عِنْدَهُ بِالشَّهَادَةِ ما لم يَحْكُمْ بِهِ وَإِنَّمَا يُعْلِمُ بِهِ حَاكِمًا آخَرَ لِيَحْكُمَ بِهِ كما يُعْلِمُ الْفُرُوعَ بِشَهَادَةِ الْأُصُولِ قال وَهَذَا كُلُّهُ إنَّمَا يَصِحُّ إذَا سُمِعَتْ الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَةُ في غَيْرِ وَجْهِ خَصْمٍ وهو يُفِيدُ أَنَّ كُلَّ ما يَثْبُتُ بِالشَّهَادَةِ على الشَّهَادَةِ يُثْبِتُهُ الْقَاضِي بِكِتَابِهِ قال وَلِأَنَّ الناس بِهِمْ حَاجَةٌ إلَى إثْبَاتِ حُقُوقِهِمْ بِإِثْبَاتِ الْقُضَاةِ كَإِثْبَاتِهَا بِشَهَادَةِ الْفُرُوعِ وَإِثْبَاتُ الْقُضَاةِ أَنْفَعُ لِكَوْنِهِ كَفَى مُؤْنَةَ النَّظَرِ في الشُّهُودِ وَبِهِمْ حَاجَةٌ إلَى الْحُكْمِ فِيمَا فيه شُبْهَةٌ أو خِلَافٌ لِرَفْعٍ وَإِنَّمَا يَخَافُونَ من خَصْمٍ حَادِثٍ‏.‏

قَوْلُهُ‏:‏ وَلَا خِلَافَ في أَنَّهُ يَجُوزُ له الْحُكْمُ بِالْإِقْرَارِ وَالْبَيِّنَةِ في مَجْلِسِهِ إذَا سَمِعَهُ معه شَاهِدَانِ بِلَا نِزَاعٍ فَإِنْ لم يَسْمَعْهُ معه أَحَدٌ أو سَمِعَهُ معه شَاهِدٌ وَاحِدٌ فَلَهُ الْحُكْمُ بِهِ نَصَّ عليه في رِوَايَةِ حَرْبٍ وهو الْمَذْهَبُ جَزَمَ بِهِ في الْوَجِيزِ وَالْمُنَوِّرِ وَمُنْتَخَبِ الآدمي وَتَذْكِرَةِ ابن عبْدُوسٍ وَغَيْرِهِمْ وَقَدَّمَهُ في الْمُحَرَّرِ وَالنَّظْمِ وَالرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ وَالْفُرُوعِ وَالزَّرْكَشِيِّ وَغَيْرِهِمْ وقال الْقَاضِي لَا يَحْكُمُ بِهِ وهو رِوَايَةٌ عن الْإِمَامِ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ وَجَزَمَ بِهِ في الرَّوْضَةِ قال في الْخُلَاصَةِ لم يحكم ‏[‏يحمل‏]‏ بِهِ في الْأَصَحِّ وقال في تَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ وَالْأَظْهَرُ عِنْدِي إنْ سَمِعَهُ معه شَاهِدٌ وَاحِدٌ حَكَمَ بِهِ وَإِلَّا فَلَا‏.‏

قَوْلُهُ‏:‏ وَلَيْسَ له الْحُكْمُ بِعِلْمِهِ مِمَّا رَآهُ أو سَمِعَهُ يَعْنِي في غَيْرِ مَجْلِسِهِ نَصَّ عليه وهو اخْتِيَارُ الْأصحاب وهو الْمَذْهَبُ بِلَا رَيْبٍ وَعَلَيْهِ الْأصحاب قال في الْهِدَايَةِ اخْتَارَهُ عَامَّةُ شُيُوخِنَا قال في الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ هذا الْمَذْهَبُ قال في الْمُحَرَّرِ فَلَا يَجُوزُ في الْأَشْهَرِ عنه قال الزَّرْكَشِيُّ هذا الْمَذْهَبُ الْمَشْهُورُ الْمَنْصُوصُ وَالْمُخْتَارُ لِعَامَّةِ الْأصحاب وَجَزَمَ بِهِ في الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ وَعَنْهُ ما يَدُلُّ على جَوَازِ ذلك سَوَاءٌ كان في حَدٍّ أو غَيْرِهِ وَعَنْهُ يَجُوزُ في غَيْرِ الْحُدُودِ وَنَقَلَ حَنْبَلٌ إذَا رَآهُ على حَدٍّ لم يَكُنْ له أَنْ يُقِيمَهُ إلَّا بِشَهَادَةٍ من شَهِدَ معه لِأَنَّ شَهَادَتَهُ شَهَادَةُ رَجُلٍ وَنَقَلَ حَرْبٌ فَيَذْهَبَانِ إلَى حَاكِمٍ فَأَمَّا إنْ شَهِدَ عِنْدَ نَفْسِهِ فَلَا‏.‏

قَوْلُهُ‏:‏ وَإِنْ قال ما لي بَيِّنَةٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ مع يَمِينِهِ فَيُعْلِمُهُ أَنَّ له الْيَمِينَ على خَصْمِهِ وأن سَأَلَ إحْلَافَهُ أَحْلَفَهُ وَخَلَّى سَبِيلَهُ وَلَيْسَ له اسْتِحْلَافُهُ قبل سُؤَالِ الْمُدَّعِي لِأَنَّ الْيَمِينَ حَقٌّ له وقال في الْفُرُوعِ وَإِنْ قال الْمُدَّعِي ما لي بَيِّنَةٌ أَعْلَمَهُ الْحَاكِمُ بِأَنَّ له الْيَمِينَ على خَصْمِهِ قال وَلَهُ تَحْلِيفُهُ مع عِلْمِهِ قُدْرَتَهُ على حَقِّهِ نَصَّ عليه نَقَل ابن هَانِئٍ إنْ عَلِمَ عِنْدَهُ مَالًا لَا يُؤَدِّي إلَيْهِ حَقَّهُ أَرْجُو أَنْ لَا يَأْثَمَ وَظَاهِرُ رِوَايَةِ أبي طَالِبٍ يُكْرَهُ وَقَالَهُ شَيْخُنَا وَنَقَلَهُ من حَوَاشِي تَعْلِيقِ الْقَاضِي وَهَذَا يَدُلُّ على تَحْرِيمِ تَحْلِيفِ الْبَرِيءِ دُونَ الظَّالِمِ انتهى‏.‏

فائدة‏:‏

يَكُونُ تَحْلِيفُهُ على صِفَةِ جَوَابِهِ لِخَصْمِهِ على الصَّحِيحِ من الْمَذْهَبِ نَصَّ عليه وَجَزَمَ بِهِ في الرِّعَايَةِ وَالْوَجِيزِ وَالْمُغْنِي وَالشَّرْحِ ذَكَرَاهُ في آخِرِ بَابِ الْيَمِينِ في الدعاوي وَقَدَّمَهُ في الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ وَعَنْهُ يَحْلِفُ على صفه الدَّعْوَى وَعَنْهُ يَكْفِي تَحْلِيفُهُ لَا حَقَّ لَك عَلَيَّ‏.‏

تنبيه‏:‏

ظَاهِرُ قَوْلِهِ أَحْلَفَهُ وَخَلَّى سَبِيلَهُ أَنَّهُ لَا يُحَلِّفُهُ ثَانِيًا بِدَعْوَى أُخْرَى وهو صَحِيحٌ وهو الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا فَيَحْرُمُ تَحْلِيفُهُ أَطْلَقَهُ الْمُصَنِّفُ وَالشَّارِحُ وَغَيْرُهُمْ وَقَدَّمَهُ في الْفُرُوعِ وقال في الْمُسْتَوْعِبِ وَالتَّرْغِيبِ وَالرِّعَايَةِ له تَحْلِيفُهُ عِنْدَ من جَهِلَ حَلِفَهُ عِنْدَ غَيْرِهِ لِبَقَاءِ الْحَقِّ بِدَلِيلِ أَخْذِهِ بِبَيِّنَةِ

فائدتان‏:‏

إحْدَاهُمَا‏:‏ لو أَمْسَكَ عن تَحْلِيفِهِ وَأَرَادَ تَحْلِيفَهُ بَعْدَ ذلك بِدَعْوَاهُ الْمُتَقَدِّمَةِ كان له ذلك وَلَوْ أَبْرَأَهُ من يَمِينِهِ بريء منها في هذه الدَّعْوَى فَلَوْ جَدَّدَ الدَّعْوَى وَطَلَبَ الْيَمِينَ كان له ذلك جَزَمَ بِهِ في الْكَافِي وَالْمُغْنِي وَالشَّرْحِ وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى وَالْفُرُوعِ وَغَيْرِهِمْ‏.‏

الثَّانِيَةُ‏:‏ لَا يُقْبَلُ يَمِينٌ في حَقِّ أدمي مُعَيَّنٍ إلَّا بَعْدَ الدَّعْوَى عليه وَشَهَادَةِ الشَّاهِدِ على الصَّحِيحِ من الْمَذْهَبِ قَدَّمَهُ في الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ وقال في الرِّعَايَةِ إلَّا بَعْدَ الدَّعْوَى وَشَهَادَةِ الشَّاهِدِ وَالتَّزْكِيَةِ وقال في التَّرْغِيبِ يَنْبَغِي أَنْ تَتَقَدَّمَ شَهَادَةُ الشَّاهِدِ وَتَزْكِيَةُ الْيَمِينِ‏.‏

قَوْلُهُ‏:‏ وَإِنْ أَحْلَفَهُ أو حَلَفَ من غَيْرِ سُؤَالِ الْمُدَّعِي لم يُعْتَدَّ بِيَمِينِهِ وهو الْمَذْهَبُ جَزَمَ بِهِ في الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ وَالرِّعَايَةِ وَالْحَاوِي وَالْوَجِيزِ وَمُنْتَخَبِ الآدمي وَغَيْرِهِمْ وَقَدَّمَهُ في الْمُحَرَّرِ وَالْفُرُوعِ وَعَنْهُ يَبْرَأُ بِتَحْلِيفِ الْمُدَّعِي وَعَنْهُ يَبْرَأُ بِتَحْلِيفِ المدعى وَحَلِفِهِ له أَيْضًا وَإِنْ لم يُحَلِّفْهُ ذَكَرَهُمَا الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ رَحِمَهُ اللَّهُ من رِوَايَةِ مُهَنَّا أَنَّ رَجُلًا اتَّهَمَ رَجُلًا بِشَيْءٍ فَحَلَفَ له ثُمَّ قال لَا أَرْضَى إلَّا أَنْ تَحْلِفَ لي عِنْدَ السُّلْطَانِ أَلَهُ ذلك قال لَا قد ظَلَمَهُ وَتَعَنَّتَهُ وَاخْتَارَ أبو حَفْصٍ تَحْلِيفَهُ وَاحْتَجَّ بِرِوَايَةِ مُهَنَّا‏.‏

فوائد‏:‏

الْأُولَى‏:‏ يُشْتَرَطُ في الْيَمِينِ أَنْ لَا يَصِلَهَا بِاسْتِثْنَاءِ وقال في الْمُغْنِي وَكَذَا بِمَا لَا يُفْهَمُ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يُزِيلُ حُكْمَ الْيَمِينِ وقال في التَّرْغِيبِ هِيَ يَمِينٌ كَاذِبَةٌ وقال في الرِّعَايَةِ لَا يَنْفَعُهُ الِاسْتِثْنَاءُ إذَا لم يَسْمَعْهُ الْحَاكِم الْمُحَلِّفُ له‏.‏

الثَّانِيَةُ‏:‏ لَا يَجُوزُ التَّوْرِيَةُ وَالتَّأْوِيلُ إلَّا لِمَظْلُومٍ وقال في التَّرْغِيبِ ظُلْمًا ليس بِجَارٍ في مَحَلِّ الِاجْتِهَادِ فَالنِّيَّةُ على نِيَّةِ الْحَاكِمِ الْمُحَلِّفِ وَاعْتِقَادِهِ فَالتَّأْوِيلُ على خِلَافِهِ لَا يَنْفَعُ وَتَقَدَّمَ ذلك في كَلَامِ الْمُصَنِّفِ في أَوَّلِ بَابِ التَّأْوِيلِ في الْحَلِفِ‏.‏

الثَّالِثَةُ‏:‏ لَا يَجُوزُ أَنْ يَحْلِفَ الْمُعْسِرُ لَا حَقَّ له على وَلَوْ نَوَى السَّاعَةَ سَوَاءٌ خَافَ أَنْ يُحْبَسَ أو لَا نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ عن الْإِمَامِ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ وَجَوَّزَهُ صَاحِبُ الرِّعَايَةِ بِالنِّيَّةِ قال في الْفُرُوعِ وهو مُتَّجَهٌ قُلْت وهو الصَّوَابُ إنَّ خَافَ حَبْسًا وَلَا يَجُوزُ أَيْضًا أَنْ يَحْلِفَ من عليه دَيْنٌ مُؤَجَّلٌ إذَا أَرَادَ غَرِيمُهُ مَنْعَهُ من سَفَرٍ نَصَّ عليه قال في الْفُرُوعِ وَيُتَوَجَّهُ كَاَلَّتِي قَبْلَهَا‏.‏

قَوْلُهُ‏:‏ وَإِنْ نَكَلَ قَضَى عليه بِالنُّكُولِ نَصَّ عليه وَاخْتَارَهُ عَامَّةُ شُيُوخِنَا وهو الْمَذْهَبُ نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ عن الْإِمَامِ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ مَرِيضًا كان أو غَيْرَهُ قال في الْفُرُوعِ نَقَلَهُ وَاخْتَارَهُ الْجَمَاعَةُ وَجَزَمَ بِهِ في الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ وَقَدَّمَهُ في الْمُغْنِي وَالْمُحَرَّرِ وَالشَّرْحِ وَالْفُرُوعِ وَغَيْرِهِمْ وقال في الْمُحَرَّرِ وَيَتَخَرَّجُ حَبْسُهُ لِيُقِرَّ أو يَحْلِفَ وَعِنْدَ أبي الْخَطَّابِ تُرَدُّ الْيَمِينُ على الْمُدَّعِي وقال قد صَوَّبَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ وقال ما هو بِبَعِيدٍ يَحْلِفُ وَيَأْخُذُ نَقَلَ أبو طَالِبٍ ليس له أَنْ يَرُدَّهَا ثُمَّ قال بَعْدَ ذلك وما هو بِبَعِيدٍ يُقَالُ له احْلِفْ وَخُذْ قال في الْفُرُوعِ يَجُوزُ رَدُّهَا وَذَكَرَهَا جَمَاعَةٌ فَقَالُوا وَعَنْهُ يَرُدُّ الْيَمِين على الْمُدَّعِي قال وَلَعَلَّ ظَاهِرَهُ يَجِبُ وَلِأَجْلِ هذا قال الشَّيْخُ يَعْنِي بِهِ الْمُصَنِّفَ وَاخْتَارَهُ أبو الْخَطَّابِ أَنَّهُ لَا يَحْكُمُ بِالنُّكُولِ وَلَكِنْ يَرُدُّ الْيَمِينَ على خَصْمِهِ وقال قد صَوَّبَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ وقال ما هو بِبَعِيدٍ يَحْلِفُ وَيَسْتَحِقُّ وَهِيَ رِوَايَةُ أبي طَالِبِ الْمَذْكُورَةِ وَظَاهِرُهَا جَوَازُ الرَّدِّ وَاخْتَارَ الْمُصَنِّفُ في الْعُمْدَةِ رَدَّهَا وَاخْتَارَهُ في الْهِدَايَةِ وزاد بِإِذْنِ النَّاكِلِ فيه وَاخْتَارَه ابن الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ في الطُّرُقِ الْحُكْمِيَّةِ وقال الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ رَحِمَهُ اللَّهُ مع عِلْمِ مُدَّعٍ وَحْدَهُ بالمدعى بِهِ لهم رَدُّهَا وإذا لم يَحْلِفْ لم يَأْخُذْ كَالدَّعْوَى على وَرَثَةِ مَيِّتٍ حَقًّا عليه يَتَعَلَّقُ بِتَرِكَتِهِ وَإِنْ كان الْمُدَّعَى عليه هو الْعَالِمُ بِالْمُدَّعَى بِهِ دُونَ المدعى مِثْلَ أَنْ يَدَّعِيَ الْوَرَثَةُ أو الْوَصِيُّ على غَرِيمٍ لِلْمَيِّتِ فَيُنْكِرُ فَلَا يَحْلِفُ المدعى قال وَأَمَّا إنْ كان المدعى يَدَّعِي الْعِلْمَ وَالْمُنْكِرُ يَدَّعِي الْعِلْمَ فَهُنَا يُتَوَجَّهُ الْقَوْلَانِ يَعْنِي الرِّوَايَتَيْنِ

فائدتان‏:‏

إحْدَاهُمَا‏:‏ إذَا رُدَّتْ الْيَمِينُ على الْمُدَّعِي فَهَلْ تَكُونُ يَمِينُهُ كَالْبَيِّنَةِ أَمْ كَإِقْرَارِ الْمُدَّعَى عليه فيه قَوْلَانِ قال ابن الْقِيَمِ في الطُّرُقِ الْحُكْمِيَّةِ أَظْهَرُهُمَا عِنْدَ أصحابنَا أنها كَإِقْرَارٍ فَعَلَى هذا لو أَقَامَ الْمُدَّعَى عليه بَيِّنَةً بِالْأَدَاءِ أو الْإِبْرَاءِ بَعْدَ حَلِفِ الْمُدَّعِي فَإِنْ قِيلَ يَمِينُهُ كَالْبَيِّنَةِ سُمِعَتْ لِلْمُدَّعَى عليه وَإِنْ قِيلَ هِيَ كَالْإِقْرَارِ لم تُسْمَعْ لِكَوْنِهِ مُكَذِّبًا لِلْبَيِّنَةِ بِالْإِقْرَارِ‏.‏

الثَّانِيَةُ‏:‏ إذْ قَضَى بِالنُّكُولِ فَهَلْ يَكُونُ كَالْإِقْرَارِ أو كَالْبَدَلِ فيه وَجْهَانِ قال أبو بَكْرٍ في الْجَامِعِ النُّكُولُ إقْرَارٌ وَقَالَهُ في التَّرْغِيبِ في الْقَسَامَةِ على ما يَأْتِي وَيَنْبَنِي عَلَيْهِمَا ما إذَا ادَّعَى نِكَاحَ امْرَأَةٍ وَاسْتَحْلَفْنَاهَا فَنَكَلَتْ فَهَلْ يقضي عليها بِالنُّكُولِ وَتُجْعَلُ زَوْجَتَهُ إذَا قُلْنَا هو إقْرَارٌ حُكِمَ عليها بِذَلِكَ وَإِنْ قُلْنَا بَذْلٌ لم يُحْكَمْ بِذَلِكَ لِأَنَّ الزَّوْجِيَّةَ لَا تُسْتَبَاحُ بِالْبَذْلِ وكذلك ‏[‏وكذا‏]‏ لو ادَّعَى رِقَّ مَجْهُولِ النَّسَبِ وَقُلْنَا يَسْتَحْلِفُ فَنَكَلَ عن الْيَمِينِ وَكَذَلِكَ لو ادَّعَى قَذْفَهُ وَاسْتَحْلَفْنَاهُ فَنَكَلَ فَهَلْ يُحَدُّ لِلْقَذْفِ يَنْبَنِي على ذلك ثُمَّ قال ابن الْقَيِّمِ في الطُّرُقِ الْحُكْمِيَّةِ وَالصَّحِيحُ أَنَّ النُّكُولَ يَقُومُ مَقَامَ الشَّاهِدِ وَالْبَيِّنَةِ لَا مَقَامَ الْإِقْرَارِ والبذل ‏[‏والبدل‏]‏ لِأَنَّ النَّاكِلَ قد صَرَّحَ بِالْإِنْكَارِ وَأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ الْمُدَّعَى بِهِ وهو يُصِرُّ على ذلك فَتَوَرَّعَ عن الْيَمِينِ فَكَيْفَ يُقَالُ أنه مُقِرٌّ مع إصْرَارِهِ على الْإِنْكَارِ وَيُجْعَلُ مُكَذِّبًا لِنَفْسِهِ وَأَيْضًا لو كان مقرى لم يُسْمَعْ منه نُكُولُهُ بِالْإِبْرَاءِ وَالْأَدَاءِ فإنه يَكُونُ مُكَذِّبًا لِنَفْسِهِ وَأَيْضًا فإن الْإِقْرَارَ إخْبَارٌ وَشَهَادَةٌ من الْمَرْءِ على نَفْسِهِ فَكَيْفَ يُجْعَلُ مقرى شَاهِدًا على نَفْسِهِ بِسُكُوتِهِ وَالْبَذْلُ إبَاحَةٌ وَتَبَرُّعٌ وهو لم يَقْصِدْ ذلك ولم يَخْطِرْ على قَلْبِهِ وقد يَكُونُ الْمُدَّعَى عليه مَرِيضًا مَرَضَ الْمَوْتِ فَلَوْ كان النُّكُولُ بَذْلًا وَإِبَاحَةً اُعْتُبِرَ خُرُوجُ الْمُدَّعَى بِهِ من الثُّلُثِ قال رَحِمَهُ اللَّهُ فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا إقْرَارَ وَلَا إبَاحَةَ بَلْ هو جَارٍ مَجْرَى الشَّاهِدِ وَالْبَيِّنَةِ انتهى‏.‏

قَوْلُهُ‏:‏ فيقول إنْ حَلَفْت وَإِلَّا قَضَيْت عَلَيْك ثَلَاثًا يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ ذلك له ثَلَاثًا على الصَّحِيحِ من الْمَذْهَبِ وَجَزَمَ بِهِ في الْهِدَايَةِ وَالْمُذَهَّبِ وَالْخُلَاصَةِ وَشَرْحِ ابن منجا وَالْوَجِيزِ وَالْمُنَوِّرِ وَمُنْتَخَبِ الآدمي وَتَذْكِرَةِ ابن عبْدُوسٍ وَغَيْرِهِمْ وَقَدَّمَهُ في الْمُحَرَّرِ وَالنَّظْمِ وَالْفُرُوعِ وَغَيْرِهِمْ وَقِيلَ يَقُولُهُ مَرَّةً قال في الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ ثَلَاثًا أو مَرَّةً وقال في الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى مَرَّةً وَقِيلَ ثَلَاثًا انتهى‏.‏

وَاَلَّذِي قَالَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ إذَا نَكَلَ لَزِمَهُ الْحَقُّ قوله فَإِنْ لم يَحْلِفْ قَضَى عليه إذَا سَأَلَهُ الْمُدَّعِي ذلك وهو الْمَذْهَبُ وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأصحاب وَجَزَمَ بِهِ في الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ وَصَحَّحَهُ في الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ وَقِيلَ يَحْكُمُ له قبل سُؤَالِهِ وَتَقَدَّمَ نَظِيرُ ذلك أَيْضًا‏.‏

تنبيه‏:‏

ظَاهِرُ قَوْلِهِ فَيُقَالُ لِلنَّاكِلِ لَك رَدُّ الْيَمِينِ على الْمُدَّعِي فَإِنْ رَدَّهَا حَلَفَ الْمُدَّعِي وَحَكَمَ له أَنَّهُ يُشْتَرَطُ إذْنُ النَّاكِلِ في رَدِّ الْيَمِينِ وهو قَوْلُ أبي الْخَطَّابِ كما تَقَدَّمَ عنه في الْهِدَايَةِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ على الْقَوْلِ بِالرَّدِّ إذْنُ النَّاكِلِ في الرَّدِّ وهو ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ وَقَدَّمَهُ في الْمُحَرَّرِ وَالرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِي وَالْفُرُوعِ وَغَيْرِهِمْ‏.‏

قَوْلُهُ‏:‏ وَإِنْ نَكَلَ أَيْضًا صَرَفَهُمَا فَإِنْ عَادَ أَحَدُهُمَا فَبَذَلَ الْيَمِينَ لم يَسْمَعْهَا في ذلك الْمَجْلِسِ حتى يَحْتَكِمَا في مَجْلِسٍ آخَرَ قال في الْمُحَرَّرِ وَمَنْ بَذَلَ مِنْهُمَا الْيَمِينَ بَعْدَ نُكُولِهِ لم تُسْمَعْ منه إلَّا في مَجْلِسٍ آخَرَ بِشَرْطِ عَدَمِ الْحُكْمِ وَكَذَا قال في الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ وَالرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِي وَالْوَجِيزِ وَغَيْرِهِمْ قال في الْفُرُوعِ وَالْأَشْهَرُ قبل الْحُكْمِ بِالنُّكُولِ وَقِيلَ تُسْمَعُ وَلَوْ بَعْدَ الْحُكْمِ وَيَحْتَمِلُهُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ قال ابن نَصْرِ اللَّهِ في حَوَاشِي الْفُرُوعِ وهو بَعِيدٌ ولم يَذْكُرْهُ في الرِّعَايَةِ انتهى‏.‏

وقال الْمُصَنِّفُ وَالشَّارِحُ إذَا نَكَلَ الْمُدَّعِي سُئِلَ عن سَبَبِ نُكُولِهِ فَإِنْ قال امْتَنَعْت لِأَنَّ لي بَيِّنَةٌ أُقِيمُهَا أو حِسَابًا أَنْظُرُ فيه فَهُوَ على حَقِّهِ من الْيَمِينِ وَلَا يُضَيِّقُ عليه في الْيَمِينِ بِخِلَافِ الْمُدَّعَى عليه وَإِنْ قال لَا أُرِيدُ أَنْ أَحْلِفَ فَهُوَ نَاكِلٌ وَقِيلَ يُمْهَلُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ في الْمَالِ ذَكَرَهُ في الرِّعَايَةِ‏.‏

فوائد‏:‏

مَتَى تَعَذَّرَ رَدُّ الْيَمِينِ فَهَلْ يقضى بِنُكُولِهِ أو يَحْلِفُ وَلِيٌّ أو إنْ بَاشَرَ ما ادَّعَاهُ أو لَا يَحْلِفُ حَاكِمٌ فيه أَوْجُهٌ وَأَطْلَقَهُنَّ في الْفُرُوعِ قَطَعَ في الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ بِأَنَّ الْأَبَ وَالْوَصِيَّ وَالْإِمَامَ وَالْأَمِينَ لَا يَحْلِفُونَ وقال في الْحَاوِي الصَّغِيرِ وَكُلُّ مَالٍ لَا تُرَدُّ فيه الْيَمِينُ يقضي فيه بِالنُّكُولِ كَالْإِمَامِ إذَا ادَّعَى لِبَيْتِ الْمَالِ أو وَكِيلِ الْفُقَرَاءِ وَنَحْوِ ذلك انتهى‏.‏

وَقَالَهُ في الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى وقال وَكَذَا الْأَبُ ووصية وَأَمِينُ الْحَاكِمِ إذَا ادَّعَوْا حَقًّا لِصَغِيرٍ أو مَجْنُونٍ وَنَاظِرِ الْوَقْفِ وَقَيِّمِ الْمَسْجِدِ وقال في الْكُبْرَى قَضَى بِالنُّكُولِ في الْأَصَحِّ وَقِيلَ على الْأَصَحِّ وَقِيلَ يُحْبَسُ حتى يُقِرَّ أو يَحْلِفَ وَقِيلَ بَلْ يَحْلِفُ الْمُدَّعِي منهم وَيَأْخُذُ ما ادَّعَاهُ وَقِيلَ إنْ كان قد بَاشَرَ ما ادَّعَاهُ حَلَفَ عليه وَإِلَّا فَلَا قُلْت لَا يَحْلِفُ إمَامٌ وَلَا حَاكِمٌ انتهى‏.‏

وَقَطَعَ الْمُصَنِّفُ أَنَّهُ يَحْلِفُ إذَا عَقَلَ وَبَلَغَ وَيَكْتُبُ الْحَاكِمُ مَحْضَرًا بِنُكُولِهِ فَإِنْ قُلْنَا يَحْلِفُ حَلَفَ لِنَفْيِهِ إنْ ادَّعَى عليه وُجُوبَ تَسْلِيمِهِ من مُوَلِّيهِ فَإِنْ أَبَى حَلَفَ المدعى وَأَخَذَهُ إنْ جَعَلَ النُّكُولَ مع يَمِينِ الْمُدَّعِي كَبَيِّنَةٍ لَا كَإِقْرَارِ خَصْمِهِ على ما تَقَدَّمَ وقال في التَّرْغِيبِ لَا خِلَافَ بَيْنَنَا أَنَّ ما لَا يُمْكِنُ رَدُّهَا يقضي بِنُكُولِهِ بِأَنْ يَكُونَ صَاحِبُ الدَّعْوَى غير مُعَيَّنٍ كَالْفُقَرَاءِ أو يَكُونُ الْإِمَامُ بِأَنْ يَدَّعِيَ لِبَيْتِ الْمَالِ دَيْنًا وَنَحْوَ ذلك وقال في الرِّعَايَةِ في صُورَةِ الْحَاكِمِ يُحْبَسُ حتى يُقِرَّ وَيَحْلِف وَقِيلَ يَحْكُمُ عليه وَقِيلَ يَحْلِفُ الْحَاكِمُ وقال في الِانْتِصَارِ نَزَّلَ أصحابنَا نُكُولَهُ مَنْزِلَةً بين مَنْزِلَتَيْنِ فَقَالُوا لَا يُقْضَى بِهِ في قَوْدٍ وَحَدٍّ وَحَكَمُوا بِهِ في حَقِّ مَرِيضٍ وَعَبْدٍ وَصَبِيٍّ مَأْذُونٍ لَهُمَا وقال في التَّرْغِيبِ في الْقَسَامَةِ من قُضِيَ عليه بِنُكُولِهِ بِالدِّيَةِ فَفِي مَالِهِ لِأَنَّهُ كَإِقْرَارِ وَبِهِ قال أبو بَكْرٍ في الْجَامِعِ لِأَنَّ النُّكُولَ إقْرَارٌ وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّ الْمُدَّعِيَ يَحْلِفُ ابْتِدَاءً مع اللَّوْثِ وَأَنَّ الدَّعْوَى في التُّهْمَةِ كَسَرِقَةٍ يُعَاقَبُ المدعي عليه الْفَاجِرُ وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ إطْلَاقُهُ وَيُحْبَسُ الْمَسْتُورُ لِيَبِينَ أَمْرُهُ وَلَوْ ثَلَاثًا على وَجْهَيْنِ نَقَلَ حَنْبَلٌ حتى يَتَبَيَّنَ أَمْرُهُ وَنَصَّ الْإِمَامُ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ وَمُحَقِّقُو أصحابهِ على حَبْسِهِ وقال إنَّ تَحْلِيفَ كل مدعي عليه وَإِرْسَالَهُ مَجَّانًا ليس مَذْهَبُ الْإِمَامِ وَاحْتَجَّ في مَكَان آخَرَ بِأَنَّ قَوْمًا اتَّهَمُوا نَاسًا في سَرِقَةٍ فَرَفَعُوهُمْ إلَى النُّعْمَانِ بن بَشِيرٍ رضي اللَّهُ عنهما فَحَبَسَهُمْ أَيَّامًا ثُمَّ أَطْلَقَهُمْ فَقَالُوا له خَلَّيْت سَبِيلَهُمْ بِغَيْرِ ضَرْبٍ وَلَا امْتِحَانٍ فقال إنْ شَتَمَ ضَرَبْتهمْ فَإِنْ ظَهَرَ ما لَكُمْ وَإِلَّا ضَرَبْتُكُمْ مثله فَقَالُوا هذا حُكْمُك فقال حُكْمُ اللَّهِ تَعَالَى وَحُكْمُ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم قال في الْفُرُوعِ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ قال بِهِ وقال بِهِ شَيْخُنَا الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وقال في الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ يَحْبِسُهُ وَالٍ قال وَظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ وَقَاضٍ أَيْضًا وَأَنَّهُ يَشْهَدُ له قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى‏:‏ ‏{‏وَيَدْرَأُ عنها الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاَللَّهِ إنَّهُ لَمِنْ الْكَاذِبِينَ‏}‏ حَمَلْنَا على الْحَبْسِ لِقُوَّةِ التُّهْمَةِ وَذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ رَحِمَهُ اللَّهُ الْأَوَّلَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ وَاخْتَارَ تَعْزِيرَ مُدَّعٍ بِسَرِقَةٍ وَنَحْوِهَا على من يُعْلَمْ بَرَاءَتُهُ وَاخْتَارَ أَنَّ خَبَرَ من ادَّعَى بِحَقٍّ بِأَنَّ فُلَانًا سَرَقَ كَذَا كَخَبَرِ إنْسِيٍّ مَجْهُولٍ فَيُفِيدُ تُهْمَةً كما تَقَدَّمَ وقال في الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ يضر به الْوَالِي مع قُوَّةِ التُّهْمَةِ تَعْزِيرًا فَإِنْ ضُرِبَ لِيُقِرَّ لم يَصِحَّ وَإِنْ ضُرِبَ لِيَصْدُقَ عن حَالِهِ فَأَقَرَّ تَحْتَ الضَّرْبِ قُطِعَ ضَرْبُهُ وَأُعِيدَ إقْرَارُهُ لِيُؤْخَذَ بِهِ وَيُكْرَهُ الِاكْتِفَاءُ بِالْأَوَّلِ قال في الْفُرُوعِ كَذَا قال قال الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ رَحِمَهُ اللَّهُ إذَا كان مَعْرُوفًا بِالْفُجُورِ الْمُنَاسِبِ لِلتُّهْمَةِ فقالت طَائِفَةٌ يَضْرِبُهُ الْوَالِي وَالْقَاضِي وَقَالَتْ طَائِفَةٌ يَضْرِبُهُ الْوَالِي عِنْدَ الْقَاضِي وَذَكَرَ ذلك طَوَائِفُ من أصحاب الْأَئِمَّةِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ رَحِمَهُمْ اللَّهُ‏.‏

قَوْلُهُ‏:‏ وَإِنْ قال الْمُدَّعِي لي بَيِّنَةٌ بَعْدَ قَوْلِهِ ما لي بَيِّنَةٌ لم تُسْمَعْ ذَكَرَهُ الْخِرَقِيُّ وهو الْمَذْهَبُ نَصَّ عليه وَجَزَمَ بِهِ في الْمُغْنِي وَالْكَافِي وَالتَّرْغِيبِ وَالْوَجِيزِ وَالْهِدَايَةِ وَالْمُذَهَّبِ وَالْخُلَاصَةِ وَغَيْرِهِمْ وَقَدَّمَهُ في الْمُحَرَّرِ وَالشَّرْحِ وَالرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ وَغَيْرِهِمْ وهو من مُفْرَدَاتِ الْمَذْهَبِ ويحتمل ‏[‏ويحصل‏]‏ أَنْ تُسْمَعَ وهو وَجْهٌ اخْتَارَهُ ابن عقِيلٍ وَغَيْرُهُ قال في الْفُرُوعِ وهو مُتَّجَهُ حَلِفِهِ أَوَّلًا وَجَزَمَ في التَّرْغِيبِ بِالْأَوَّلِ وقال وَكَذَا‏.‏

قَوْلُهُ‏:‏ كَذَبَ شُهُودِي وَأَوْلَى وَلَا تَبْطُلُ دَعْوَاهُ بِذَلِكَ في الْأَصَحِّ وَلَا تُرَدُّ بِذِكْرِ السَّبَبِ بَلْ بِذِكْرِ سَبَبِ الْمُدَّعِي غَيْرِهِ وقال في التَّرْغِيبِ إنْ ادَّعَى مِلْكًا مُطْلَقًا فَشَهِدَتْ بِهِ وَبِسَبَبِهِ وَقُلْنَا تَرَجَّحَ بِذِكْرِ السَّبَبِ لم تُفِدْهُ إلَّا أَنْ تُعَادَ بَعْدَ الدَّعْوَى‏.‏

فوائد‏:‏

إحْدَاهَا لو ادَّعَى شيئا فَشَهِدَتْ له الْبَيِّنَةُ بِغَيْرِهِ فَهُوَ مُكَذِّبٌ لهم قَالَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ رحمة اللَّهُ وأبو بَكْرٍ وَقَدَّمَهُ في الْفُرُوعِ وَاخْتَارَ في الْمُسْتَوْعِبِ تُقْبَلُ الْبَيِّنَةُ فَيَدَّعِيهِ ثُمَّ يُقِيمُهَا وفي الْمُسْتَوْعِبِ أَيْضًا وَالرِّعَايَةِ إنْ قال أَسْتَحِقُّهُ وما شَهِدْت بِهِ وَإِنَّمَا ادَّعَيْت بِأَحَدِهِمَا لأدعى بِالْآخِرِ وَقْتًا آخَرَ ثُمَّ شَهِدْت بِهِ قُبِلَتْ‏.‏

الثَّانِيَةُ‏:‏ لو ادَّعَى شيئا فَأَقَرَّ له بِغَيْرِهِ لَزِمَهُ إذَا صَدَّقَهُ الْمُقِرُّ له وَالدَّعْوَى بِحَالِهَا نَصَّ عليه‏.‏

الثَّالِثَةُ‏:‏ لو سَأَلَ مُلَازَمَتَهُ حتى يُقِيمَهَا أُجِيبَ في الْمَجْلِسِ على الْأَصَحِّ في الرِّوَايَتَيْنِ فَإِنْ لم يُحْضِرْهَا في الْمَجْلِسِ صَرَفَهُ وَقِيلَ يَنْظُرُ ثَلَاثًا وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ وَيُجَابُ مع قُرْبِهَا وَعَنْهُ وَبُعْدِهَا كَكَفِيلٍ فِيمَا ذَكَرَ في الْإِرْشَادِ وَالْمُبْهِجِ وَالتَّرْغِيبِ وَأَنَّهُ يَضْرِبُ له أَجَلًا مَتَى مَضَى فَلَا كَفَالَةَ وَنَصُّهُ لَا يُجَابُ إلَى كَفِيلٍ كَحَبْسِهِ وفي مُلَازَمَتِهِ حتى يَفْرُغَ له الْحَاكِمُ من شُغْلِهِ مع غيبه بِبَيِّنَةٍ وَبَعْدَهَا يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ قَالَهُ في الْفُرُوعِ قال ‏[‏قاله‏]‏ الْمَيْمُونِيُّ لم أَرَهُ يَذْهَبُ إلَى الْمُلَازَمَةِ إلَى أَنْ يُعَطِّلَهُ من عَمَلِهِ وَلَا يُمَكِّنُ أَحَدًا من عَنَتِ خَصْمِهِ‏.‏

قَوْلُهُ‏:‏ وَإِنْ قال لي بَيِّنَةٌ وَأُرِيدُ يَمِينَهُ فَإِنْ كانت غَائِبَةً يَعْنِي عن الْمَجْلِسِ فَلَهُ إحْلَافُهُ وَهَذَا الْمَذْهَبُ سَوَاءٌ كانت قَرِيبَةً أو بَعِيدَةً وَجَزَمَ بِهِ في الْهِدَايَةِ وَالْمُذَهَّبِ وَالْمُسْتَوْعِبِ وَالْخُلَاصَةِ وَالْكَافِي وَالْوَجِيزِ وَالْمُنَوِّرِ وَمُنْتَخَبِ الآدمي وَتَذْكِرَةِ ابن عبْدُوسٍ وَغَيْرِهِمْ وقدمه ‏[‏قدمه‏]‏ في الْمُحَرَّرِ وَالرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِي وَالْفُرُوعِ وَغَيْرِهِمْ وَقِيلَ الْقَرِيبَةُ كَالْحَاضِرَةِ في الْمَجْلِسِ قال في الْمُحَرَّرِ وَقِيلَ لَا يَمْلِكُهَا إلَّا إذَا كانت غَائِبَةً عن الْبَلَدِ وَقِيلَ ليس له إحْلَافُهُ مُطْلَقًا بَلْ يُقِيمُ الْبَيِّنَةَ فَقَطْ وَقَطَعُوا بِهِ في كُتُبِ الْخِلَافِ‏.‏

قَوْلُهُ‏:‏ وَإِنْ كانت حَاضِرَةً فَهَلْ له ذلك على وَجْهَيْنِ وَأَطْلَقَهُمَا في الْهِدَايَةِ وَالْمُذَهَّبِ وَالْخُلَاصَةِ وَشَرْحِ ابن منجا أَحَدُهُمَا له إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ أو تَحْلِيفُهُ إذَا كانت حَاضِرَةً في الْمَجْلِسِ وهوالمذهب نَصَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَالشَّارِحُ وَجَزَمَ بِهِ في الْوَجِيزِ وَالْمُنَوِّرِ وَمُنْتَخَبِ الإدمي وَغَيْرِهِمْ وَقَدَّمَهُ في الْمُحَرَّرِ وَالرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ وَالْفُرُوعِ وَغَيْرِهِمْ وَالْوَجْهُ الثَّانِي يَمْلِكُهُمَا فَيُحَلِّفُهُ وَيُقِيمُ الْبَيِّنَةَ بَعْدَهُ وَقِيلَ لَا يَمْلِكُ إلَّا إقَامَةَ الْبَيِّنَةِ فَقَطْ قال في الْفُرُوعِ قَطَعُوا بِهِ في كُتُبِ الْخِلَافِ كما تَقَدَّمَ‏.‏

فائدة‏:‏

لو سَأَلَ تَحْلِيفَهُ وَلَا يُقِيمُ الْبَيِّنَةَ فَحَلَفَ فَفِي جَوَازِ إقَامَتهَا بَعْدَ ذلك وَجْهَانِ قَالَهُ الْقَاضِي وَأَطْلَقَهُمَا في الْمُغْنِي وَالْكَافِي وَالشَّرْحِ وَشَرْحِ ابن منجا وَالرِّعَايَتَيْنِ وَالزَّرْكَشِيِّ وَالْفُرُوعِ وَغَيْرِهِمْ أَحَدُهُمَا ليس له اقامتها بَعْدَ تَحْلِيفِهِ صَحَّحَهُ النَّاظِمُ وَالثَّانِي له إقَامَتُهَا قَدَّمَه ابن رَزِينٍ في شَرْحِهِ‏.‏

قَوْلُهُ‏:‏ وَإِنْ سَكَتَ الْمُدَّعَى عليه فلم يُقِرَّ ولم يُنْكِرْ قال له الْقَاضِي إنْ أَجَبْت وَإِلَّا جَعَلْتُك نَاكِلًا وَقَضَيْت عَلَيْك وهو الْمَذْهَبُ جَزَمَ بِهِ في الْوَجِيزِ وَالْمُنَوِّرِ وَمُنْتَخَبِ الآدمي وَغَيْرِهِمْ وَقَدَّمَهُ في الْمُحَرَّرِ وَالنَّظْمِ وَالرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ وَالْفُرُوعِ وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ وَغَيْرِهِمْ وَاخْتَارَهُ أبو الْخَطَّابِ وَغَيْرِهِ وَقِيلَ يَحْبِسُهُ حتى يُجِيبَ اخْتَارَهُ الْقَاضِي في الْمُجَرَّدِ وَقَدَّمَهُ في الشَّرْحِ وَذَكَرَهُ في التَّرْغِيبِ عن الْأصحاب وَمُرَادُهُمْ بهذا الْوَجْهِ إذَا لم يَكُنْ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ فَإِنْ كان له بَيِّنَةٌ قَضَى بها وَجْهًا وَاحِدًا

فائدتان‏:‏

إحْدَاهُمَا‏:‏ مِثْلُ ذلك الْحُكْمِ لو قال لَا أَعْلَمُ قَدْرَ حَقِّهِ ذَكَرَهُ في عُيُونِ الْمَسَائِلِ وَالْمُنْتَخَبِ وَاقْتَصَرَ عليه في الْفُرُوعِ‏.‏

الثَّانِيَةُ‏:‏

قَوْلُهُ‏:‏ يقول له الْقَاضِي إنْ أَجَبْت وَإِلَّا أَجْعَلُك نَاكِلًا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ قَالَهُ الْمُصَنِّفُ وَالشَّارِحُ وابن حَمْدَانَ وَغَيْرِهِمْ‏.‏

قَوْلُهُ‏:‏ وَإِنْ قال لي حِسَابٌ أُرِيدُ أَنْ أَنْظُرَ فيه لم يَلْزَمْ الْمُدَّعِي إنْظَارَهُ هذا أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ جَزَمَ بِهِ في الْهِدَايَةِ وَالْمُذَهَّبِ وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ وَالْمُسْتَوْعِبِ وَالْخُلَاصَةِ وَالْوَجِيزِ وَشَرْحِ ابن منجا وَمُنْتَخَبِ الآدمي وَقَدَّمَهُ في الرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِي وَقِيلَ يَلْزَمُهُ إنْظَارُهُ ثَلَاثًا وهو الْمَذْهَبُ صَحَّحَهُ في المغني والشرح والنظم وقيل في الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ وَالنَّظْمِ قال في الْفُرُوعِ لَزِمَ إنْظَارُهُ في الْأَصَحِّ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَاخْتَارَهُ ابن عبْدُوسٍ في تَذْكِرَتِهِ وَجَزَمَ بِهِ في الْكَافِي وَالْمُنَوِّرِ وَقَدَّمَهُ في الْمُحَرَّرِ‏.‏

فائدة‏:‏

لو قال إنْ ادَّعَيْت أَلْفًا بِرَهْنِ كَذَا لي بِيَدِك أَجَبْت وأن ادَّعَيْت هذا ثَمَنُ كَذَا بِعْتنِيهِ ولم تُقْبِضْنِيهِ فَنَعَمْ وَإِلَّا فَلَا حَقَّ لَك عَلَيَّ فَهُوَ جَوَابٌ صَحِيحٌ قَالَهُ في الْمُحَرَّرِ وَالْفُرُوعِ وَالْمُنَوِّرِ وَغَيْرِهِمْ‏.‏

قَوْلُهُ‏:‏ وَإِنْ قال قد قَضَيْته أو قد أَبْرَأَنِي وَلِي بَيِّنَةٌ بِالْقَضَاءِ أو بِالْإِبْرَاءِ وَسَأَلَ الانظار انظر ثَلَاثًا وللمدعى مُلَازَمَتُهُ وهو الْمَذْهَبُ جَزَمَ بِهِ في الْكَافِي وَالْمُغْنِي وَالْمُحَرَّرِ وَالشَّرْحِ وَالْوَجِيزِ وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ وَقَدَّمَهُ في الْفُرُوعِ وَقِيلَ لَا يُنْظَرُ كَقَوْلِهِ لي بينه تَدْفَعُ دَعْوَاهُ‏.‏

تنبيه‏:‏

مَحَلُّ الْخِلَافِ إذَا لم يَكُنْ الْخَصْمُ أَنْكَرَ أَوَّلًا سَبَبَ الْحَقِّ أَمَّا إنْ كان أَنْكَرَ أَوَّلًا سَبَبَ الْحَقِّ ثُمَّ ثَبَتَ فَادَّعَى قَضَاءً أو إبْرَاءً سَابِقًا لم تُسْمَعْ منه وَإِنْ أتى بِبَيِّنَةٍ نَصَّ عليه وَنَقَلَه ابن مَنْصُورٍ وَقَدَّمَهُ في الْمُحَرَّرِ وَالنَّظْمِ وَالْفُرُوعِ وَقِيلَ تُسْمَعُ الْبَيِّنَةُ وَتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في أَوَاخِرِ بَابِ الْوَدِيعَةِ‏.‏

فائدة‏:‏

مِثْلُ ذلك في الْحُكْمِ لو ادَّعَى الْقَضَاءَ أو الْإِبْرَاءَ وَجَعَلْنَاهُ مقرى بِذَلِكَ قَالَهُ في الْمُحَرَّرِ وَالْفُرُوعِ وَغَيْرِهِمَا‏.‏

قَوْلُهُ‏:‏ فَإِنْ عَجَزَ يعنى عن إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ بِالْقَضَاءِ أو الْإِبْرَاءِ حلف ‏[‏حلفه‏]‏ المدعى على نَفْيِ ما ادَّعَاهُ وَاسْتَحَقَّ بِلَا نِزَاعٍ لَكِنَّ لو نَكَلَ المدعى حُكِمَ عليه وَإِنْ قِيلَ بِرَدِّ الْيَمِينِ فَلَهُ تَحْلِيفُ خَصْمِهِ فَإِنْ أَبَى حُكِمَ عليه‏.‏

فائدة‏:‏

لو ادَّعَى أَنَّهُ أَقَالَهُ في بَيْعٍ فَلَهُ تَحْلِيفُهُ وَلَوْ قال أَبْرَأَنِي من الدَّعْوَى فقال في التَّرْغِيبِ انْبَنَى على الصُّلْحِ على الْإِنْكَارِ وَالْمَذْهَبُ صِحَّتُهُ وَإِنْ قُلْنَا لَا يَصِحُّ لم تُسْمَعْ‏.‏

قَوْلُهُ‏:‏ وَإِنْ ادَّعَى عليه عَيْنًا في يَدِهِ فَأَقَرَّ بها لِغَيْرِهِ جُعِلَ الْخَصْمُ فيها وَهَلْ يَحْلِفُ الْمُدَّعَى عليه وهو الْمُقِرُّ على وَجْهَيْنِ وَأَطْلَقَهُمَا في الرِّعَايَتَيْنِ وَشَرْحِ ابن منجا وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ أَحَدِهِمَا لَا يَحْلِفُ وهو الْمَذْهَبُ صَحَّحَهُ في الْمُحَرَّرِ وَالْفُرُوعِ وَالنَّظْمِ وَجَزَمَ بِهِ في الْوَجِيزِ وَقَدَّمَهُ في الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ وَالْوَجْهُ الثَّانِي لايحلف فَعَلَى الْمَذْهَبِ إذَا نَكَلَ أُخِذَ منه بَدَلَهَا‏.‏

قَوْلُهُ‏:‏ فَإِنْ كان الْمُقِرُّ له حَاضِرًا مُكَلَّفًا سُئِلَ فَإِنْ ادَّعَاهَا لِنَفْسِهِ ولم تَكُنْ له بَيِّنَةٌ حَلَفَ وَأَخَذَهَا فإذا أَخَذَهَا فَأَقَامَ الْآخِرُ بَيِّنَةً أَخَذَهَا منه قال في الرَّوْضَةِ وَلِلْمُقِرِّ له قِيمَتُهَا على الْمُقِرِّ‏.‏

قَوْلُهُ‏:‏ وَإِنْ قال لَيْسَتْ لي وَلَا اعلم لِمَنْ هِيَ سُلِّمَتْ إلي المدعى في أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ وَإِنْ كَانَا اثْنَيْنِ اقْتَرَعَا عليها وهو الْمَذْهَبُ صَحَّحَهُ الْمُصَنِّفُ وَالشَّارِحُ وَالنَّاظِمُ وَصَاحِبُ التَّصْحِيحِ وَغَيْرُهُمْ وَجَزَمَ بِهِ في الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ وَقَدَّمَهُ في الْمُحَرَّرِ وَالنَّظْمِ وَالرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ وَالْفُرُوعِ وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ وَغَيْرِهِمْ وفي الْآخِرِ لَا تُسَلَّمُ إلَيْهِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ وَيَجْعَلُهَا الْحَاكِمُ عِنْدَ أَمِينٍ ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَقِيلَ تُقِرُّ بِيَدِ رَبِّ الْيَدِ وَذَكَرَهُ في الْمُحَرَّرِ وَالْمُذَهَّبِ وَضَعَّفَهُ في التَّرْغِيبِ ولم يَذْكُرْهُ في المغنى فَعَلَى الْوَجْهَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ يَحْلِفُ لِلْمُدَّعِي وَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ يَحْلِفُ إنْ قُلْنَا تُرَدُّ الْيَمِينُ جَزَمَ بِهِ في الْفُرُوعِ وقال الْمُصَنِّفُ وَالشَّارِحُ وَيَتَخَرَّجُ لنا وَجْهٌ أَنَّ المدعى يَحْلِفُ أنها له وَتُسَلَّمُ إلَيْهِ بِنَاءً على الْقَوْلِ بِرَدِّ الْيَمِينِ إذَا نَكَلَ الْمُدَّعَى عليه فَتَتَلَخَّصُ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ تُسَلَّمُ لِلْمُدَّعِي أو بِبَيِّنَةٍ أو تُقِرُّ بِيَدِ رَبِّ الْيَدِ أو يَأْخُذُهَا الْمُدَّعِي وَيَحْلِفُ إنْ قُلْنَا تُرَدُّ الْيَمِينُ

فائدتان‏:‏

إحْدَاهُمَا‏:‏ وَكَذَا الْحُكْمُ لو كَذَّبَهُ الْمُقِرُّ له وَجَهِلَ لِمَنْ هِيَ‏.‏

الثَّانِيَةُ‏:‏ لو عَادَ فَادَّعَاهَا لِنَفْسِهِ أو لِثَالِثٍ لم يُقْبَلْ على ظَاهِرِ ما في الْمُغْنِي وَغَيْرِهِ وهو ظَاهِرُ ما قَدَّمَهُ في الْفُرُوعِ وقال في الْمُحَرَّرِ وَغَيْرِهِ تُقْبَلُ على الْوَجْهِ الثَّالِثِ وهو الذي قال إنَّهُ الْمَذْهَبُ وَجَزَمَ بِهِ الزَّرْكَشِيُّ ثُمَّ إنْ عَادَ الْمُقِرُّ له أَوَّلًا إلَى دَعْوَاهُ لم تُقْبَلْ وَإِنْ عَادَ قبل ذلك فَوَجْهَانِ وَأَطْلَقَهُمَا في الْفُرُوعِ وَإِنْ أَقَرَّتْ بِرِقِّهَا لِشَخْصٍ وكان الْمُقِرُّ بِهِ عَبْدًا فَهُوَ كَمَالِ غَيْرِهِ وَعَلَى الذي قَبِلَهُ يُعْتَقَانِ وَذَكَرَ الأزجى في أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْقَاضِيَ قال تَبْقَى على مِلْكِ الْمُقِرِّ فَتَصِيرُ وَجْهًا خَامِسًا‏.‏

قَوْلُهُ‏:‏ وَإِنْ أَقَرَّ بها لِغَائِبٍ أو صبى أو مَجْنُونٍ سَقَطَتْ عنه الدَّعْوَى ثُمَّ إنْ كان للمدعى بَيِّنَةٌ سُلِّمْت إلَيْهِ وَهَلْ يَحْلِفُ على وَجْهَيْنِ وَذَكَرَهُمَا في الرِّعَايَتَيْنِ رِوَايَتَيْنِ وَأَطْلَقَهُمَا في شَرْحِ ابن منجا وَالرِّعَايَتَيْنِ وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ والحاوى الصَّغِيرِ أَحَدُهُمَا لايحلف وهو الْمَذْهَبُ صَحَّحَهُ في التَّصْحِيحِ وَالنَّظْمِ وَجَزَمَ بِهِ في الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ وَقَدَّمَهُ في الْمُحَرَّرِ وَالْفُرُوعِ وَغَيْرِهِمَا وَالثَّانِي يَحْلِفُ مع الْبَيِّنَةِ قال ابن رَزِينٍ في مُخْتَصَرِهِ وَيَحْلِفُ مَعَهَا على رأى وَقِيلَ إنْ جُعِلَ قَضَاءٌ على غَائِبٍ حَلَفَ وَإِلَّا فَلَا قَالَهُ في الرِّعَايَةِ‏.‏

قَوْلُهُ‏:‏ وَإِنْ لم يَكُنْ له بَيِّنَةٌ حَلَفَ الْمُدَّعَى عليه أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ تَسْلِيمُهَا إلَيْهِ وَأُقِرَّتْ في يَدِهِ وهو صَحِيحٌ لَكِنْ لو نَكَلَ غَرِمَ بَدَلَهَا فَإِنْ كان المدعى اثْنَيْنِ لَزِمَهُ لهما ‏[‏لها‏]‏ عِوَضَانِ‏.‏

قَوْلُهُ‏:‏ إلَّا أَنْ يُقِيمَ بَيِّنَةً أنها لِمَنْ سَمَّى فَلَا يَحْلِفُ وَتُسْمَعُ الْبَيِّنَةُ لِفَائِدَةِ زَوَالِ التُّهْمَةِ وَسُقُوطِ الْيَمِينِ عنه ويقضى بِالْمِلْكِ إنْ قَدَّمَتْ بَيِّنَةَ دَاخِلٍ وَلَوْ كان لِلْمُودِعِ وَالْمُسْتَأْجِرِ وَالْمُسْتَعِيرِ الْمُحَاكِمَةُ قَدَّمَهُ في الْفُرُوعِ قال الزركشى وَخَرَّجَ الْقَاضِي الْقَضَاءَ بِالْمِلْكِ بِنَاءً على أَنَّ لِلْمُودَعِ وَنَحْوِهِ الْمُخَاصَمَةَ فِيمَا في يَدِهِ وَقَدَّمَ الْمُصَنِّفُ أَنَّهُ لَا يَقْضِي بِالْمِلْكِ لِأَنَّهُ لم يَدَّعِهَا الْغَائِبُ وَلَا وَكِيلُهُ وَجَزَمَ بِهِ الزركشي‏.‏

تَنْبِيهَانِ‏:‏

أَحَدُهُمَا‏:‏ قال في الْفُرُوعِ وَتَقَدَّمَ أَنَّ الدَّعْوَى لِلْغَائِبِ لَا تَصِحُّ إلَّا تَبَعًا وَذَكَرُوا أَنَّ الْحَاكِمَ يقضى عنه وَيَبِيعُ مَالَهُ فَلَا بُدَّ من مَعْرِفَتِهِ أَنَّهُ لِلْغَائِبِ وَأَعْلَى طَرِيقَةً الْبَيِّنَةُ فَتَكُونُ من الْمُدَّعِي لِلْغَائِبِ تَبَعًا أو مُطْلَقًا لِلْحَاجَةِ إلَى إيفَاءِ الْحَاضِرِ وَبَرَاءَةِ ذِمَّةِ الْغَائِبِ‏.‏

الثَّانِي‏:‏ قَوْلُهُ‏:‏ وإن أَقَرَّ بها لِمَجْهُولٍ قِيلَ له إمَّا أَنْ تُعَرِّفَهُ أو نَجْعَلَك نَاكِلًا وَهَذَا بِلَا نِزَاعٍ لَكِنَّ لو عَادَ فأدعاها لِنَفْسِهِ فَقِيلَ تُسْمَعُ لِعَدَمِ صِحَّةِ قَوْلِهِ قال في الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى قُبِلَ‏.‏

قَوْلُهُ‏:‏ في الْأَشْهَرِ وَقِيلَ لَا تُسْمَعُ لِاعْتِرَافِهِ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُهَا صَحَّحَهُ في تَصْحِيحِ الْمُحَرَّرِ وَالنَّظْمِ في هذا الْبَابِ وَأَطْلَقَهُمَا في بَابِ الدَّعَاوَى وَأَطْلَقَهُمَا في الكافى وَالْمُحَرَّرِ وَالْفُرُوعِ وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ وَالزَّرْكَشِيِّ وقال في التَّرْغِيبِ إنْ أَصَرَّ حُكِمَ عليه بِنُكُولِهِ فَإِنْ قال بَعْدَ ذلك هِيَ لي لم يُقْبَلْ في الْأَصَحِّ قال وَكَذَا تَخْرُجُ إذَا أَكَذَبَهُ الْمُقِرُّ له ثُمَّ ادَّعَاهُ لِنَفْسِهِ وقال غَلِطْت وَيَدُهُ بَاقِيَةٌ‏.‏

تنبيه‏:‏

بَعْضُ الْأصحاب يَذْكُرُ هذه الْمَسَائِلَ في بَابِ الدعاوي وَبَعْضُهُمْ يَذْكُرُهَا هُنَا وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ هُنَاكَ ما يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ‏.‏

قَوْلُهُ‏:‏ وَلَا تَصِحُّ الدَّعْوَى إلَّا مُحَرَّرَةً تَحْرِيرًا يَعْلَمُ بِهِ الْمُدَّعِي هذا الْمَذْهَبُ وَعَلَيْهِ الْأصحاب إلَّا ما استثنى وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّ مَسْأَلَةَ الدَّعْوَى وَفُرُوعَهَا ضَعِيفَةٌ لِحَدِيثِ الْحَضْرَمِيِّ وَأَنَّ الثُّبُوتَ الْمَحْضَ يَصِحُّ بِلَا مُدَّعًى عليه وقال إذَا قِيلَ لَا تُسْمَعُ إلَّا مُحَرَّرَةً فَالْوَاجِبُ أَنَّ من ادَّعَى مُجْمَلًا اسْتَفْصَلَهُ الْحَاكِمُ وقال الْمُدَّعَى عليه قد يَكُونُ مُبْهَمًا كَدَعْوَى الْأَنْصَارِ قَتْلَ صَاحِبِهِمْ وَدَعْوَى الْمَسْرُوقِ منه على بَنِي أُبَيْرِقٍ ثُمَّ الْمَجْهُولُ قد يَكُونُ مُطْلَقًا وقد يَنْحَصِرُ في قَوْمٍ كَقَوْلِهَا نَكَحَنِي أَحَدُهُمَا وَقَوْلُهُ زَوِّجْنِي إحْدَاهُمَا‏:‏ انتهى‏.‏

وَالتَّفْرِيعُ على الْأَوَّلِ فَعَلَى الْمَذْهَبِ يُعْتَبَرُ التَّصْرِيحُ في الدَّعْوَى فَلَا يَكْفِي‏.‏

قَوْلُهُ‏:‏ لي عِنْدَ فُلَانٍ كَذَا حتى يَقُولَ وأنا الْآنَ مُطَالِبٌ له بِهِ ذَكَرَهُ في التَّرْغِيبِ وَالرِّعَايَةِ وَغَيْرِهِمَا وقال وَظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ يَكْفِي الظَّاهِرُ قُلْت وهو أَظْهَرُ

فائدتان‏:‏

إحْدَاهُمَا‏:‏ قال في الرِّعَايَةِ لو كان الْمُدَّعَى بِهِ مُتَمَيِّزًا مَشْهُورًا عِنْدَ الْخَصْمَيْنِ وَالْحَاكِمِ كَفَّتْ شُهْرَتُهُ عن تَحْدِيدِهِ وقال في الْفُرُوعِ وَتَكْفِي شُهْرَتُهُ عِنْدَهُمَا وَعِنْدَ الْحَاكِمِ عن تَحْدِيدِهِ لِحَدِيثِ الْحَضْرَمِيِّ وَالْكَنَدِيِّ قال وَظَاهِرُهُ عَمَلُهُ بِعِلْمِهِ أَنَّ مُوَرِّثَهُ مَاتَ وَلَا وَارِثَ له سِوَاهُ انتهى‏.‏

الثَّانِيَةُ‏:‏ لو قال غَصَبْت ثَوْبِي فَإِنْ كان بَاقِيًا فَلِي رَدُّهُ وَإِلَّا قِيمَتُهُ صَحَّ اصْطِلَاحًا وَقِيلَ يَدَّعِيهِ فَإِنْ خَفِيَ ادَّعَى قِيمَتَهُ وقال في التَّرْغِيبِ لو أَعْطَى دَلَّالًا ثَوْبًا قِيمَتُهُ عَشَرَةٌ لِيَبِيعَهُ بِعِشْرِينَ فَجَحَدَهُ فقال أدعى ثَوْبًا إنْ كان بَاعَهُ فَلِي عِشْرُونَ وَإِنْ كان بَاقِيًا فَلِي عَيْنُهُ وَإِنْ كان تَالِفًا فَلِي عَشَرَةٌ قال في الْفُرُوعِ فَقَدْ اصْطَلَحَ الْقُضَاةُ على قَبُولِ هذه الدَّعْوَى الْمُرَدِّدَةِ لِلْحَاجَةِ قال في الرِّعَايَةِ صَحَّ اصْطِلَاحًا وَقِيلَ بَلَى انتهى‏.‏

وَإِنْ ادَّعَى أَنَّ له الْآنَ لم تُسْمَعْ بَيِّنَةٌ أَنَّهُ كان له أَمْسِ أو في يَدِهِ في الْأَصَحِّ من الْوَجْهَيْنِ حتى يُبَيِّنَ سَبَبَ يَدِ الثَّانِي نحو غَاصِبِهِ بِخِلَافِ ما لو شَهِدْت أَنَّهُ كان مَلَكَهُ بِالْأَمْسِ اشْتَرَاهُ من رَبِّ الْيَدِ فإنه يُقْبَلُ وقال الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ رَحِمَهُ اللَّهُ إنْ قال وَلَا أَعْلَمُ له مُزِيلًا قُبِلَ كَعِلْمِ الْحَاكِمِ أَنَّهُ يُلَبِّسُ عليه وقال أَيْضًا لَا يُعْتَبَرُ في أَدَاءِ الشَّهَادَةِ‏.‏

قَوْلُهُ‏:‏ وَأَنَّ الدَّيْنَ بَاقٍ في ذِمَّةِ الْغَرِيمِ إلَى الْآنَ بَلْ يَحْكُمُ الْحَاكِمُ بِاسْتِصْحَابِ الْحَالِ إذَا ثَبَتَ عِنْدَهُ سَبْقُ الْحَقِّ إجْمَاعًا وقال أَيْضًا فِيمَنْ بيده عَقَارٌ فَادَّعَى رَجُلٌ بِمَثْبُوتٍ عِنْدَ الْحَاكِمِ أَنَّهُ كان لِجَدِّهِ إلَى مَوْتِهِ ثُمَّ لِوَرَثَتِهِ ولم يَثْبُتْ أَنَّهُ مُخْلِفٌ عن مَوْرُوثِهِ لَا يُنْزَعُ منه بِذَلِكَ لِأَنَّ أَصْلَيْنِ تَعَارَضَا وَأَسْبَابُ انْتِقَالِهِ أَكْثَرُ من الْإِرْثِ ولم تَجْرِ الْعَادَةُ بِسُكُوتِهِمْ الْمُدَّةَ الطَّوِيلَةَ وَلَوْ فَتَحَ هذا لَانْتَزَعَ كَثِيرٌ من عَقَارِ الناس بِهَذِهِ الطَّرِيقِ وقال فِيمَنْ بيده عَقَارٌ فَادَّعَى آخَرُ أَنَّهُ كان مِلْكًا لِأَبِيهِ فَهَلْ يُسْمَعُ من غَيْرِ بَيِّنَةٍ قال لَا يُسْمَعُ إلَّا بِحُجَّةٍ شَرْعِيَّةٍ أو إقْرَارِ من هو في يَدِهِ أو تَحْتَ حُكْمِهِ وقال في بَيِّنَةٍ شَهِدَتْ له بِمِلْكِهِ إلَى حِينِ وَقْفِهِ وَأَقَامَ الْوَارِثُ بَيِّنَةً أَنَّ مَوْرُوثَهُ اشْتَرَاهَا من الْوَاقِفِ قبل وَقْفِهِ قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ وَارِثٍ لِأَنَّ مَعَهَا مَزِيدَ عِلْمٍ لِتَقْدِيمِ من شَهِدَ بِأَنَّهُ وَرِثَهُ من أبيه وَآخَرُ أَنَّهُ بَاعَهُ انتهى‏.‏

قَوْلُهُ‏:‏ إلَّا في الْوَصِيَّةِ وَالْإِقْرَارِ فَإِنَّهَا تَجُوزُ بِالْمَجْهُولِ وَكَذَلِكَ في الْعَبْدِ الْمُطَلِّقِ في الْمَهْرِ إذَا قُلْنَا يَصِحُّ وَهَذَا الْمَذْهَبُ وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأصحاب وَجَزَمَ بِهِ في الْمُغْنِي وَالْمُحَرَّرِ وَالشَّرْحِ وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ وَالْوَجِيزِ وَغَيْرِهِمْ وَقَدَّمَهُ في الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ وقال في الرِّعَايَتَيْنِ كَوَصِيَّةٍ وَعَبْدِ مُطَلِّقٍ في مَهْرٍ أو نَحْوِهِ وَقِيلَ أو إقْرَارٍ وقال في الْهِدَايَةِ وَالْمُذَهَّبِ وَالْمُسْتَوْعِبِ وَلَا تَصِحُّ إلَّا مُحَرَّرَةً يَعْلَمُ بها المدعى إلَّا في الْوَصِيَّةِ خَاصَّةً فَإِنَّهَا تَصِحُّ من الْمَجْهُولِ وَقَالَهُ غَيْرُهُمْ وقال في عُيُونِ الْمَسَائِلِ يَصِحُّ الْإِقْرَارُ بِالْمَجْهُولِ لِئَلَّا يَسْقُطَ حَقُّ الْمُقِرِّ له وَلَا تَصِحُّ الدَّعْوَى لِأَنَّهَا حَقٌّ له فإذا رُدَّتْ عليه عَدَلَ إلَى مَعْلُومٍ وَاخْتَارَ في التَّرْغِيبِ أَنَّ دَعْوَى الْإِقْرَارِ بِالْمَعْلُومِ لَا تَصِحُّ لِأَنَّهُ ليس بِالْحَقِّ وَلَا مُوجِبُهُ فَكَيْفَ بِالْمَجْهُولِ وقال في التَّرْغِيبِ أَيْضًا لو ادَّعَى دِرْهَمًا وَشَهِدَ الشُّهُودُ على إقرار ه قُبِلَ وَلَا يدعى الْإِقْرَارَ لِمُوَافَقَتِهِ لَفْظَ الشُّهُودِ بَلْ لو ادَّعَى لم تُسْمَعْ وفي التَّرْغِيبِ في اللقطه لَا تُسْمَعُ وقال الْآمِدِيُّ لو ادَّعَتْ امْرَأَةٌ أَنَّ زَوْجَهَا أَقَرَّ أنها أُخْتُهُ من الرَّضَاعِ أو ابْنَتَهُ وَأَنْكَرَ الزَّوْجُ فَأَقَامَتْ بَيِّنَةً على إقْرَارِهِ بِذَلِكَ لم تُقْبَلْ لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ على الْإِقْرَارِ على الرَّضَاعِ قال الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى لَعَلَّ مَأْخَذَهُ أنها ادَّعَتْ بِالْإِقْرَارِ لَا بِالْمُقَرِّ بِهِ وَلَكِنْ هذه الشَّهَادَةُ تُسْمَعُ بِغَيْرِ دَعْوَى لِمَا فيها من حَقِّ اللَّهِ على أَنَّ الدَّعْوَى بِالْإِقْرَارِ فيها نَظَرٌ فإن الدَّعْوَى بها تَصْدِيقُ الْمُقِرِّ‏.‏

فوائد‏:‏

الْأُولَى‏:‏ من شَرْطِ صِحَّةِ الدَّعْوَى أَنْ تَكُونَ مُتَعَلِّقَةً بِالْحَالِ على الصَّحِيحِ من الْمَذْهَبِ وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأصحاب وَقَدَّمَهُ في الْفُرُوعِ وَقِيلَ تُسْمَعُ بِدَيْنٍ مُؤَجَّلٍ لِإِثْبَاتِهِ قال في التَّرْغِيبِ الصَّحِيحُ أنها تُسْمَعُ فَيَثْبُتُ أَصْلُ الْحَقِّ لِلُزُومِهِ في الْمُسْتَقْبَلِ كَدَعْوَى تَدْبِيرٍ وَأَنَّهُ يُحْتَمَلُ في قَوْلِهِ قَتَلَ أبى أَحَدُ هَؤُلَاءِ الْخَمْسَةِ أنها تُسْمَعُ لِلْحَاجَةِ لِوُقُوعِهِ كَثِيرًا وَيَحْلِفُ كُلٌّ منهم وَكَذَا دَعْوَى غَصْبٍ وَإِتْلَافٍ وَسَرِقَةٍ لَا إقْرَارٍ وَبَيْعٍ إذَا قال نَسِيت لِأَنَّهُ مُقَصِّرٌ وقال في الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى تُسْمَعُ الدَّعْوَى بِدَيْنٍ مُؤَجَّلٍ لِإِثْبَاتِهِ إذَا خَافَ سَفَرَ الشُّهُودِ إو الْمَدْيُونَ مُدَّةً بِغَيْرِ أَجَلٍ‏.‏

الثَّانِيَةُ‏:‏ يُشْتَرَطُ في الدَّعْوَى انْفِكَاكُهَا عَمَّا يُكَذِّبُهَا فَلَوْ ادَّعَى عليه أَنَّهُ قَتَلَ أَبَاهُ مُنْفَرِدًا ثُمَّ ادَّعَى على آخَرَ الْمُشَارَكَةَ فيه لم تُسْمَعْ‏.‏

الثَّانِيَةُ‏:‏ وَلَوْ أَقَرَّ الثَّانِي إلَّا أَنْ يَقُولَ غَلِطْت أو كَذَبْت في الْأُولَى‏:‏ فَالْأَظْهَرُ تُقْبَلُ قَالَهُ في التَّرْغِيبِ وَقَدَّمَهُ في الْفُرُوعِ لِإِمْكَانِهِ وَالْحَقُّ لَا يَعْدُوهُمَا وقال في الرِّعَايَةِ من أَقَرَّ لِزَيْدٍ بِشَيْءٍ ثُمَّ ادَّعَاهُ وَذَكَرَ تَلَقِّيه منه سُمِعَ وَإِلَّا فَلَا وَإِنْ أَخَذَ منه بَيِّنَةً ثُمَّ ادَّعَاهُ فَهَلْ يَلْزَمُ ذِكْرُ تَلَقِّيه يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ‏.‏

الثَّالِثَةُ‏:‏ لو قال كان بِيَدِك أو لَك أَمْسِ وهو مِلْكِي الْآنَ لَزِمَهُ سَبَبُ زَوَالِ يَدِهِ على أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ وَالْوَجْهُ الثاني ‏[‏الثالثة‏]‏ لَا يَلْزَمُهُ وَقِيلَ يَلْزَمُهُ في الثَّانِيَةِ دُونَ الْأُولَى‏:‏ قال في الْفُرُوعِ فَيُتَوَجَّهُ على الْوَجْهَيْنِ وَلَوْ أَقَامَ الْمُقِرُّ بَيِّنَةً أَنَّهُ له ولم يُبَيِّنْ سَبَبًا هل تُقْبَلُ وَتُقَدَّمُ الْكِفَايَةُ بِشُهْرَتِهِ عِنْدَ الْخَصْمَيْنِ أو الْحَاكِمِ قَرِيبًا‏.‏

الرَّابِعَةُ‏:‏ لو أَحْضَرَ وَرَقَةً فيها دَعْوَى مُحَرَّرَةٌ وقال أدعى بِمَا فيها مع حُضُورِ خَصْمِهِ لم تُسْمَعْ قَالَهُ في الرِّعَايَةِ وقال في الْفُرُوعِ لَا يَكْفِي‏.‏

قَوْلُهُ‏:‏ عن دَعْوَى في وَرَقَةٍ أدعى بِمَا فيها الْخَامِسَةُ تُسْمَعُ دَعْوَى اسْتِيلَادٍ وكتابه وَتَدْبِيرٍ على الصَّحِيحِ من الْمَذْهَبِ وَقِيلَ تُسْمَعُ في التَّدْبِيرِ إنْ جُعِلَ عِتْقًا بِصِفَةٍ وقال في الْفُصُولِ دَعْوَاهُ سَبَبًا قد يُوجِبُ مَالًا كَضَرْبِ عَبْدِهِ ظُلْمًا يَحْتَمِلُ أَنْ لَا تُسْمَعَ حتى يَجِبَ الْمَالُ وقال في التَّرْغِيبِ لَا تُسْمَعُ الدَّعْوَى مُسْتَلْزِمَةً لَا كَبَيْعِ خِيَارٍ وَنَحْوِهِ وَأَنَّهُ لو ادَّعَى بَيْعًا أو هِبَةً لم تُسْمَعْ إلَّا أَنْ يَقُولَ وَيَلْزَمُهُ التَّسْلِيمُ إلَيَّ لِاحْتِمَالِ كَوْنِهِ قبل اللُّزُومِ وَلَوْ قال بَيْعًا لَازِمًا أو هِبَةً مَقْبُوضَةً فَوَجْهَانِ لِعَدَمِ تَعَرُّضِهِ لِلتَّسْلِيمِ‏.‏

قَوْلُهُ‏:‏ وَإِنْ كان الْمُدَّعَى عَيْنًا حَاضِرَةً عَيَّنَهَا وَإِنْ كانت غَائِبَةً ذَكَرَ صِفَاتِهَا إنْ كانت تَنْضَبِطُ بها وَالْأَوْلَى ذِكْرُ قِيمَتِهَا وَجَزَمَ بِهِ الشَّارِحُ وابن مُنَجَّا وَالْفُرُوعُ وَغَيْرُهُمْ‏.‏

قَوْلُهُ‏:‏ وَإِنْ كانت تَالِفَةً من ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ أو في الذِّمَّةِ ذَكَرَ قَدْرَهَا وَجِنْسَهَا وَصِفَتَهَا فَيَذْكُرُ هُنَا ما يَذْكُرُهُ في صِفَةِ السَّلَمِ وأن ذَكَرَ قِيمَتَهَا كان أَوْلَى يعنى الْأَوْلَى أَنْ يَذْكُرَ قِيمَتَهَا مع ذِكْرِ صِفَةِ السَّلَمِ قَالَهُ الْأصحاب لِأَنَّهُ أَضْبَطُ وَكَذَا إنْ كان غير مثلى على الصَّحِيحِ من الْمَذْهَبِ قَدَّمَهُ في الْفُرُوعِ وهو ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ وقال في التَّرْغِيبِ يَكْفِي ذِكْرُ قِيمَةِ غَيْرِ المثلى‏.‏

فائدة‏:‏

قَوْلُهُ‏:‏ وَإِنْ لم تَنْضَبِطْ بِالصِّفَاتِ فَلَا بُدَّ من ذِكْرِ قِيمَتِهَا كَالْجَوَاهِرِ وَنَحْوِهَا بِلَا نِزَاعٍ لَكِنْ يَكْفِي ذِكْرُ قَدْرِ نَقْدِ الْبَلَدِ على الصَّحِيحِ من الْمَذْهَبِ قَدَّمَهُ في الْمُحَرَّرِ وَالنَّظْمِ وَالرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ وَالْفُرُوعِ وَغَيْرِهِمْ وَقِيلَ وَيَصِفُهُ أَيْضًا‏.‏

قَوْلُهُ‏:‏ وَإِنْ ادَّعَى نِكَاحًا فَلَا بُدَّ من ذِكْرِ الْمَرْأَةِ بِعَيْنِهَا إنْ حَضَرَتْ وَإِلَّا ذَكَرَ اسْمَهَا وَنَسَبَهَا وَذَكَرَ شُرُوطَ النِّكَاحِ وَأَنَّهُ تَزَوَّجَهَا بِوَلِيٍّ مُرْشِدٍ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ وَبِرِضَاهَا في الصَّحِيحِ من الْمَذْهَبِ وهو الْمَذْهَبُ كما قال يَعْنِي يُشْتَرَطُ في صِحَّةِ الدَّعْوَى بِالنِّكَاحِ ذِكْرُ شُرُوطِهِ وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأصحاب وَجَزَمَ بِهِ في الْوَجِيزِ وَالْمُغْنِي وَالْمُحَرَّرِ وَغَيْرِهِمْ وَصَحَّحَهُ في الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ فقال يُعْتَبَرُ ذِكْرُ شُرُوطِهِ في الْأَصَحِّ وَاخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ وَالشَّارِحُ وَغَيْرُهُمَا وَقَدَّمَهُ في الرِّعَايَةِ وَغَيْرِهِ وقال ‏[‏وقاله‏]‏ في التَّرْغِيبِ يُعْتَبَرُ في النِّكَاحِ وَصْفُهُ بِالصِّحَّةِ انتهى‏.‏

وَقِيلَ لَا يُعْتَبَرُ ذِكْرُ شُرُوطِهِ فَعَلَى الْمَذْهَبِ لو ادَّعَى اسْتِدَامَةَ الزَّوْجِيَّةِ ولم يَدَّعِ الْعَقْدَ فَهَلْ يُشْتَرَطُ ذِكْرُ شُرُوطِهِ في صِحَّةِ الدَّعْوَى أَمْ لَا فيه وَجْهَانِ وَأَطْلَقَهُمَا في الْكَافِي وَالْمُغْنِي وَالشَّرْحِ وَالْفُرُوعِ أَحَدُهُمَا لَا يُشْتَرَطُ وهو الصَّحِيحُ صَحَّحَهُ في الْبُلْغَةِ وَالرِّعَايَتَيْنِ وَإِلَيْهِ مَيْلُ الْمُصَنِّفِ وَالشَّارِحِ وهو ظَاهِرُ كَلَامِهِ في الْوَجِيزِ وَالثَّانِي يُشْتَرَطُ

فائدتان‏:‏

إحْدَاهُمَا‏:‏ قال الْمُصَنِّفُ وَالشَّارِحُ لو كانت الْمَرْأَةُ أَمَةً وَالزَّوْجُ حُرًّا فَقِيَاسُ ما ذَكَرْنَا أَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى ذِكْرِ عَدَمِ الطُّولِ وَخَوْفِ الْعَنَتِ‏.‏

الثَّانِيَةُ‏:‏ لو ادَّعَى زَوْجِيَّةَ امْرَأَةٍ فَأَقَرَّتْ فَهَلْ يُسْمَعُ إقْرَارُهَا وهو ظَاهِرُ كَلَامِ الخرقى وَصَحَّحَهُ الْمَجْدُ أو لَا يُسْمَعُ وَإِنْ ادَّعَى زَوْجِيَّتَهَا وَاحِدٌ قُبِلَ وَإِنْ ادَّعَاهَا اثْنَانِ لم يُقْبَلْ قَطَعَ بِهِ الْمُصَنِّفُ في المغنى فيه ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ‏.‏

قَوْلُهُ‏:‏ وَإِنْ ادَّعَى بَيْعًا أو عَقْدًا سِوَاهُ فَهَلْ يُشْتَرَطُ ذِكْرُ شُرُوطِهِ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ وَكَذَا في التَّرْغِيبِ يعنى إذَا اشْتَرَطْنَا ذِكْرَ ذلك في النِّكَاحِ وَأَطْلَقَهُمَا ابن منجا في شَرْحِهِ وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى أَحَدُهُمَا يُشْتَرَطُ ذِكْرُ شُرُوطِهِ وهو الْمَذْهَبُ قال في الْفُرُوعِ اُعْتُبِرَ ذِكْرُ شُرُوطِهِ في الْأَصَحِّ قال في الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى ذِكْرُ شُرُوطِ صِحَّتِهِ في الْأَصَحِّ وَجَزَمَ بِهِ في الْوَجِيزِ وَقَدَّمَهُ في الْمُحَرَّرِ وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ وَالنَّظْمِ وَالْوَجْهُ الثَّانِي لَا يُشْتَرَطُ اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ وَالشَّارِحُ وَقِيلَ يُشْتَرَطُ ذِكْرُهُ في ملك ‏[‏مالك‏]‏ الْإِمَاءِ وَالنِّكَاحِ وَلَا يُشْتَرَطُ ذِكْرُهُ في غَيْرِهِ‏.‏

قَوْلُهُ‏:‏ وَإِنْ ادَّعَتْ الْمَرْأَةُ نِكَاحًا على رَجُلٍ وَادَّعَتْ معه نَفَقَةً أو مَهْرًا سُمِعَتْ دَعْوَاهَا بِلَا نِزَاعٍ وَإِنْ لم تَدَّعِ سِوَى النِّكَاحِ فَهَلْ تُسْمَعُ دَعْوَاهَا على وَجْهَيْنِ وَأَطْلَقَهُمَا في الْكَافِي والمغنى وَالْمُحَرَّرِ وَالشَّرْحِ وَالرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ وَشَرْحِ ابن منجا وَالْفُرُوعِ وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ وَغَيْرِهِمْ أَحَدُهُمَا لَا تُسْمَعُ وهو الْمَذْهَبُ اخْتَارَهُ أبو الْخَطَّابِ وَصَحَّحَهُ في التَّصْحِيحِ وَجَزَمَ بِهِ في الْوَجِيزِ وَقَدَّمَهُ في النَّظْمِ وَالْوَجْهُ الثَّانِي تُسْمَعُ جَزَمَ بِهِ الْقَاضِي فَعَلَيْهِ هِيَ في الدَّعْوَى كَالزَّوْجِ

فائدتان‏:‏

إحْدَاهُمَا‏:‏ لو نَوَى بِجُحُودِهِ الطَّلَاقَ لم تَطْلُقْ على الصَّحِيحِ من الْمَذْهَبِ خِلَافًا لِلْمُصَنِّفِ في المغنى وَاخْتَارَهُ في التَّرْغِيبِ وقال الْمَسْأَلَةُ مَبْنِيَّةٌ على رِوَايَةِ صِحَّةِ إقْرَارِهَا بِهِ إذَا ادَّعَاهُ وَاحِدٌ قَالَهُ في الْفُرُوعِ قُلْت قد تَقَدَّمَ في كِتَابِ الطَّلَاقِ في قَوْلِهِ ليس لي امْرَأَةٌ أو لَيْسَتْ لي بِامْرَأَةٍ رِوَايَةٌ أَنَّهُ لَغْوٌ قال في الْفُرُوعِ وَالْأَصَحُّ كِنَايَةٌ وقال في الْمُحَرَّرِ هُنَاكَ إذَا نَوَى الطَّلَاقَ بِذَلِكَ وَقَعَ وَعَنْهُ لَا يَقَعُ شَيْءٌ فَالْجُحُودُ هُنَا لِعَقْدِ النِّكَاحِ لَا لِكَوْنِهَا امْرَأَتَهُ‏.‏

الثَّانِيَةُ‏:‏ لو عَلِمَ أنها لَيْسَتْ امْرَأَتَهُ وَأَقَامَتْ بَيِّنَةً أنها امْرَأَتُهُ فَهَلْ يُمَكَّنُ منها ظَاهِرًا فيه وَجْهَانِ وَأَطْلَاقُهُمَا في المغنى وَالشَّرْحِ وَالْفُرُوعِ قُلْت الذي يُقْطَعُ بِهِ أَنَّهُ لَا يُمَكَّنُ منها وَكَيْفَ يُمَكَّنُ منها وهو يَعْلَمُ من نَفْسِهِ وَيَتَحَقَّقُ أنها لَيْسَتْ له بِزَوْجَةٍ حتى وَلَوْ حَكَمَ له بِهِ حَاكِمٌ لِأَنَّ حكمة لَا يُحِلُّ حَرَامًا‏.‏

قَوْلُهُ‏:‏ وَإِنْ ادَّعَى قَتْلَ موروثة ذَكَرَ الْقَاتِلَ وَأَنَّهُ انْفَرَدَ بِهِ أو شَارَكَ غَيْرَهُ وَأَنَّهُ قَتَلَهُ عَمْدًا أو خَطَأً أو شِبْهَ عَمْدٍ وَيَصِفُهُ وَهَذَا بِلَا نِزَاعٍ وَإِنْ لم يذكر الْحَيَاةَ في ذلك فَوَجْهَانِ وَأَطْلَقَهُمَا في الْفُرُوعِ وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى قُلْت الْأَوْلَى عَدَمُ اشْتِرَاطِ ذِكْرِ الْحَيَاةِ

فائدتان‏:‏

إحْدَاهُمَا‏:‏ قَوْلُهُ‏:‏ وَإِنْ ادَّعَى الْإِرْثَ ذَكَرَ سَبَبَهُ بِلَا نِزَاعٍ وَلَوْ ادَّعَى دَيْنًا على أبيه ذَكَرَ مَوْتَ أبيه وَحَرَّرَ الدَّيْنَ وَالتَّرِكَةَ على الصَّحِيحِ من الْمَذْهَبِ اخْتَارَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ وهو ظَاهِرُ ما قَدَّمَهُ في الْفُرُوعِ وَاخْتَارَ الْمُصَنِّفُ أَنَّهُ يَكْفِي أَيْضًا أَنْ يَقُولَ إنَّهُ وَصَلَ إلَيْهِ من تَرِكَةِ أبيه ما يَفِي بِدَيْنِهِ‏.‏

الثَّانِيَةُ‏:‏

قَوْلُهُ‏:‏ وَإِنْ ادَّعَى شيئا مُحَلًّى قَوَّمَهُ بِغَيْرِ جِنْسِ حِلْيَتِهِ فَإِنْ كان مُحَلًّى بِذَهَبٍ وَفِضَّةٍ قَوَّمَهُ بِمَا شَاءَ مِنْهُمَا لِلْحَاجَةِ بِلَا نِزَاعٍ وَلَوْ ادَّعَى دَيْنًا أو عَيْنًا لم يُشْتَرَطْ ذِكْرُ سَبَبِهِ وَجْهًا وَاحِدًا لِكَثْرَةِ سَبَبِهِ وقد يَخْفَى على الْمُدَّعِي‏.‏

قَوْلُهُ‏:‏ وَتُعْتَبَرُ في الْبَيِّنَةِ الْعَدَالَةُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا في اخْتِيَارِ أبي بَكْرٍ وَالْقَاضِي وهو الْمَذْهَبُ قال في الْفُرُوعِ تُعْتَبَرُ عَدَالَةُ الْبَيِّنَةِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا أَطْلَقَهُ الْإِمَامُ وَالْأصحاب قال الزَّرْكَشِيُّ هذا الْمَذْهَبُ عِنْدَ أَكْثَرِ الْأصحاب الْقَاضِي وَأصحابهُ وَأَبِي مُحَمَّدٍ والخرقى فِيمَا قَالَهُ أبو الْبَرَكَاتِ انتهى‏.‏

قُلْت وَحَكَاهُ في الْهِدَايَةِ عن الخرقى وَجَزَمَ بِهِ في الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ وَقَدَّمَهُ في الْمُحَرَّرِ وَغَيْرِهِ قال في الْمُحَرَّرِ وَاخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ وَأَخَذَهُ من قَوْلِهِ وإذا شَهِدَ عِنْدَهُ من لَا يَعْرِفُهُ سَأَلَ عنه وفي الْوَاضِحِ وَالْمُوجَزِ كَبَيِّنَةِ حَدٍّ وَقَوَدٍ قال ابن مُنَجَّا في شَرْحِهِ الْعَدَالَةُ الْمُعْتَبَرَةُ في شُهُودِ الزنى هِيَ الْعَدَالَةُ الْمُعْتَبَرَةُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا وَجْهًا وَاحِدًا وَإِنْ اخْتَلَفَ في ذلك في الْأَمْوَالِ لِتَأَكُّدِ الزنى انتهى‏.‏

وَعَنْهُ تُقْبَلُ شَهَادَةُ كل مُسْلِمٍ لم تَظْهَرْ منه رِيبَةٌ اخْتَارَهَا الخرقى قَالَهُ الْمُصَنِّفُ في هذا الْكِتَابِ هُنَا وَأَخَذَهَا من قَوْلِهِ وَالْعَدْلُ من لم تَظْهَرْ منه رِيبَةٌ وَكَذَا قال الْقَاضِي وَغَيْرُهُ قال الزَّرْكَشِيُّ وَلَيْسَ بِالْبَيِّنِ لِمَا تَقَدَّمَ له من أَنَّهُ إذَا شَهِدَ عِنْدَهُ من لَا يَعْرِفُ حاله سَأَلَ عنه فَدَلَّ على أَنَّ كَلَامَهُ هُنَا فِيمَنْ عَرَفَ حاله انتهى‏.‏

وَاخْتَارَ هذه الرِّوَايَةَ أبو بَكْرٍ وَصَاحِبُ الرَّوْضَةِ قَالَهُ في الْفُرُوعِ فَعَلَيْهَا إنَّ جَهِلَ إسْلَامَهُ رَجَعَ إلَى قَوْلِهِ وفي جَهْلِ حُرِّيَّتِهِ حَيْثُ اعْتَبَرْنَاهَا وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا لَا يَرْجِعُ إلَيْهِ وهو الْمَذْهَبُ صَحَّحَهُ في تَصْحِيحِ الْمُحَرَّرِ وقال جَزَمَ بِهِ في الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ وَأَوْرَدَهُ في النَّظْمِ مَذْهَبًا وَالثَّانِي يَرْجِعُ إلَيْهِ وَأَطْلَقَهُمَا في الْمُحَرَّرِ وَالرِّعَايَتَيْنِ وَالْفُرُوعِ وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ وَإِنْ جَهِلَ عَدَالَتَهُ لم يَسْأَلْ عنه إلَّا أَنْ يُجَرِّحَهُ الْخَصْمُ وقال في الِانْتِصَارِ يُقْبَلُ من الْغَرِيبِ‏.‏

قَوْلُهُ‏:‏ أنا حُرٌّ عَدْلٌ لِلْحَاجَةِ كما قَبِلْنَا قَوْلَ الْمَرْأَةِ إنَّهَا لَيْسَتْ مُزَوَّجَةً وَلَا مُعْتَدَّةً‏.‏

فائدة‏:‏

جَلِيلَةٌ وَهِيَ أَنَّ الْمُسْلِمَ هل الْأَصْلُ فيه الْعَدَالَةُ أو الْفِسْقُ اُخْتُلِفَ فيها في زَمَنِنَا فَأَحْبَبْت أَنْ أَنْقُلَ ما اطَّلَعْت عليه فيها من كُتُبِ الْأصحاب فَأَقُولُ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ قال الْمُصَنِّفُ في الْمُغْنِي عِنْدَ قَوْلِ الخرقى وإذا شَهِدَ عِنْدَهُ من لَا يَعْرِفُهُ سَأَلَ عنه وَتَابَعَهُ الشَّارِحُ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَيُعْتَبَرُ في الْبَيِّنَةِ الْعَدَالَةُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا لِمَا نَصَرَا أَنَّ الْعَدَالَةَ تُعْتَبَرُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا وَحَكَيَا الْقَوْلَ بِأَنَّهُ لَا تُعْتَبَرُ الْعَدَالَةُ إلَّا ظَاهِرًا وَعَلَّلَاهُ بِأَنْ قَالَا ظَاهِرُ حَالِ الْمُسْلِمِينَ الْعَدَالَةُ وَاحْتَجَّا له بِشَهَادَةِ الْأَعْرَابِيِّ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ وَقَبُولِهَا وَبِقَوْلِ عُمَرَ رضي اللَّهُ عنه الْمُسْلِمُونَ عُدُولٌ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ وَلَمَّا نَصَرَا الْأَوَّلَ قَالَا الْعَدَالَةُ شَرْطٌ فَوَجَبَ الْعِلْمُ بها كَالْإِسْلَامِ وَذَكَرَا الْأَدِلَّةَ وَقَالَا وَأَمَّا قَوْلُ عُمَرَ رضي اللَّهُ تعالى عنه فَالْمُرَادُ بِهِ ظَاهِرُ الْعَدَالَةِ وَقَالَا هذا بَحْثٌ يَدُلُّ على أَنَّهُ لَا يكتفي بِدُونِهِ فَظَاهِرُ كَلَامِهِمَا أَنَّهُمَا سَلَّمَا أَنَّهُ ظَاهِرُ الْعَدَالَةِ وَلَكِنْ تُعْتَبَرُ مَعْرِفَتُهَا بَاطِنًا وَقَالَا في الْكَلَامِ على أَنَّهُ لَا يُسْمَعُ الْجَرْحُ إلَّا مُفَسَّرًا لِأَنَّ الْجَرْحَ يُنْقَلُ عن الْأَصْلِ فإن الْأَصْلَ في الْمُسْلِمِينَ العدلة ‏[‏العدالة‏]‏ وَالْجَرْحُ يُنْقَلُ عنها فَصَرَّحَا هُنَا بِأَنَّ الْأَصْلَ في الْمُسْلِمِينَ الْعَدَالَةُ وقال ابن مُنَجَّا في شَرْحِهِ لَمَّا نُصِرَ أَنَّهُ تُعْتَبَرُ الْعَدَالَةُ ظاهر ‏[‏ظاهرا‏]‏ أو بَاطِنًا وَأَمَّا دَعْوَى أَنَّ ظَاهِرَ حَالِ الْمُسْلِمِينَ الْعَدَالَةُ فَمَمْنُوعَةٌ بَلْ الظَّاهِرُ عَكْسُ ذلك فَصَرَّحَ أَنَّ الْأَصْلَ في ظَاهِرِ حَالِ الْمُسْلِمِ عَكْسُ الْعَدَالَةِ وقال في قَوْلِهِ وَلَا نَسْمَعُ الْجَرْحَ إلَّا مُفَسَّرًا وَالْفَرْقُ بين التَّعْدِيلِ وَبَيْنَ الْجَرْحِ أَنَّ التَّعْدِيلَ إذَا قال هو عَدْلٌ يُوَافِقُ الظَّاهِرَ فَحَكَمَ بِأَنَّهُ عَدْلٌ في الظَّاهِرِ فَخَالَفَ ما قال أَوَّلًا وقال ابن رَزِينٍ في شَرْحِهِ في أَوَّلِ كِتَابِ النِّكَاحِ وَتَصِحُّ الشَّهَادَةُ من مَسْتُورِي الْحَالِ رِوَايَةً وَاحِدَةً لِأَنَّ الْأَصْلَ الْعَدَالَةُ وقال الطُّوفِيُّ في مُخْتَصَرِهِ في الْأُصُولِ في أَوَاخِرِ التَّقْلِيدِ وَالْعَدَالَةُ أَصْلِيَّةٌ في كل مُسْلِمٍ وَتَابَعَ ذلك في شَرْحِهِ على ذلك فَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ الْأَصْلَ الْعَدَالَةُ وقال في الرَّوْضَةِ في هذا الْمَكَانِ لِأَنَّ الظَّاهِرَ من حَالِ الْعَالِمِ العدلة ‏[‏العدالة‏]‏ وقال الزَّرْكَشِيُّ عِنْدَ قَوْلِ الخرقى وإذا شَهِدَ عِنْدَهُ من لَا يَعْرِفُهُ سَأَلَ عنه وَمُنْشَأُ الْخِلَافِ أَنَّ الْعَدَالَةَ هل هِيَ شَرْطٌ لِقَبُولِ الشَّهَادَةِ وَالشَّرْطُ لَا بُدَّ من تَحَقُّقِ وُجُودِهِ وَإِذَنْ لَا يُقْبَلُ مَسْتُورُ الْحَالِ لِعَدَمِ تَحَقُّقِ الشَّرْطِ فيه أو الْفِسْقُ مَانِعٌ فَيُقْبَلُ مَسْتُورُ الْحَالِ إذْ الْأَصْلُ عَدَمُ الْفِسْقِ ثُمَّ قال بَعْدَ ذلك بِأَسْطُرٍ فَإِنْ قِيلَ بِأَنَّ الْأَصْلَ في الْمُسْلِمِينَ الْعَدَالَةُ قِيلَ لَا نُسَلِّمُ هذا إذْ الْعَدَالَةُ أَمْرٌ زَائِدٌ على الْإِسْلَامِ وَلَوْ سُلِّمَ هذا فَمُعَارَضٌ بِأَنَّ الْغَالِبَ وَلَا سِيَّمَا في زَمَنِنَا هذا الْخُرُوجُ عنها وقد يَلْزَمُ أَنَّ الْفِسْقَ مَانِعٌ وَيُقَالُ الْمَانِعُ لَا بُدَّ من تَحَقُّقِ ظَنِّ عَدَمِهِ كالصبي ‏[‏كالصبا‏]‏ وَالْكُفْرِ وقال الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ رَحِمَهُ اللَّهُ من قال إنَّ الْأَصْلَ في الْإِنْسَانِ الْعَدَالَةُ فَقَدْ أَخْطَأَ وَإِنَّمَا الْأَصْلُ فيه الْجَهْلُ وَالظُّلْمُ قال اللَّهُ تَعَالَى‏:‏ ‏{‏وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إنَّهُ كان ظَلُومًا جَهُولًا‏}‏ وقال ابن الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ في أَوَاخِرِ بَدَائِعِ الْفَوَائِدِ إذَا شُكَّ في الشَّاهِدِ هل هو عَدْلٌ أَمْ لَا لم يُحْكَمْ بِشَهَادَتِهِ إذْ الْغَالِبُ على الناس عَدَمُ الْعَدَالَةِ وَقَوْلُ من قال الْأَصْلُ في الناس الْعَدَالَةُ كَلَامٌ مُسْتَدْرَكٌ بَلْ الْعَدَالَةُ حَادِثَةٌ تَتَجَدَّدُ وَالْأَصْلُ عَدَمُهَا فإن خِلَافَ الْعَدَالَةِ مستندة جَهْلُ الْإِنْسَانِ وَظُلْمُهُ وَالْإِنْسَانُ جَهُولٌ ظَلُومٌ فَالْمُؤْمِنُ يَكْمُلُ بِالْعِلْمِ وَالْعَدَالَةِ وَهُمَا جِمَاعُ الْخَيْرِ وَغَيْرُهُ يَبْقَى على الْأَصْلِ وقال بَعْضُهُمْ الْعَدَالَةُ وَالْفِسْقُ مَبْنِيَّانِ على قَبُولِ شَهَادَتِهِ فان قُلْنَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ مَسْتُورِي الْحَالِ فَالْأَصْلُ فيه الْعَدَالَةُ وَإِنْ قُلْنَا لَا تُقْبَلُ فَالْأَصْلُ فيه الْفِسْقُ قُلْت الذي يَظْهَرُ أَنَّ الْمُسْلِمَ ليس الْأَصْلُ فيه الْفِسْقُ لِأَنَّ الْفِسْقَ قَطْعًا يَطْرَأُ وَالْعَدَالَةُ أَيْضًا ظَاهِرًا وَبَاطِنًا تَطْرَأُ لَكِنَّ الظَّنَّ في الْمُسْلِمِ الْعَدَالَةَ أَوْلَى من الظَّنِّ بِهِ الْفِسْقَ وَمِمَّا يُسْتَأْنَسُ بِهِ على الْقَوْلِ بِأَنَّ الْأَصْلَ في الْمُسْلِمِ الْعَدَالَةُ‏.‏

قَوْلُهُ‏:‏ عليه أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ ما من مَوْلُودٍ يُولَدُ إلَّا على الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أو يُنَصِّرَانِهِ أو يُمَجِّسَانِهِ‏.‏

قَوْلُهُ‏:‏ وإذا عَلِمَ الْحَاكِمُ عَدَالَتَهُمَا عَمِلَ بِعِلْمِهِ هَكَذَا عِبَارَةُ غَالِبِ الْأصحاب قال في الْفُرُوعِ وفي عِبَارَةِ غَيْرِ وَاحِدٍ وَيَحْكُمُ بِعِلْمِهِ في عَدَالَةِ الشَّاهِدِ وَجَرْحِهِ لِلتَّسَلْسُلِ قال في عُيُونِ الْمَسَائِلِ وَلِأَنَّهُ يُشَارِكُهُ فيه غَيْرُهُ فَلَا تُهْمَةَ وقال هو وَالْقَاضِي وَغَيْرُهُمَا هذا ليس بِحُكْمٍ لِأَنَّهُ يُعَدَّلُ وهو يجرح ‏[‏ويجرح‏]‏ غَيْرُهُ وَيُجَرَّحُ هو وَيُعَدَّلُ غَيْرُهُ وَلَوْ كان حُكْمًا لم يَكُنْ لِغَيْرِهِ نَقْضُهُ قال في التَّرْغِيبِ إنَّمَا الْحُكْمُ بِالشَّهَادَةِ لَا بِهِمَا إذَا عَلِمْت ذلك فَعَمَلُ الْحَاكِمِ بِعِلْمِهِ في الشُّهُودِ وَحُكْمُهُ بِعِلْمِهِ في الْعَدَالَةِ وَالْجَرْحِ هو الْمَذْهَبُ وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأصحاب وَجَزَمَ بِهِ في الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ وَقَدَّمَهُ في الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ وَقِيلَ يَعْمَلُ في جَرْحِهِ بِعِلْمِهِ فَقَطْ وَعَنْهُ لَا يَعْمَلُ بِعِلْمِهِ فِيهِمَا كَالشَّاهِدِ على أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ فيه قال الزَّرْكَشِيُّ وَحَكَى بن حَمْدَانَ في رِعَايَتِهِ قَوْلًا بِالْمَنْعِ وهو مَرْدُودٌ إنَّ صَحَّ ما حَكَاهُ الْقُرْطُبِيُّ فإنه حَكَى اتِّفَاقَ الْكُلِّ على الْجَوَازِ انتهى‏.‏

فَائِدَتَانِ إحْدَاهُمَا‏:‏ لَا يَجُوزُ الِاعْتِرَاضُ عليه لِتَرْكِهِ تَسْمِيَةَ الشُّهُودِ ذَكَرَهُ الْقَاضِي وعيره ‏[‏وغيره‏]‏ في مَسْأَلَةِ الْمُرْسَلِ وابن عَقِيلٍ وَقَدَّمَهُ في الْفُرُوعِ وَذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّ له طَلَبُ تَسْمِيَةِ الْبَيِّنَةِ لِيَتَمَكَّنَ من الْقَدْحِ بِالِاتِّفَاقِ قال في الْفُرُوعِ وَيَتَوَجَّهُ مِثْلُهُ لو قال حَكَمْت بِكَذَا ولم يذكر مُسْتَنَدَهُ‏.‏

الثَّانِيَةُ‏:‏ قال في الرِّعَايَةِ لو شَهِدَ أُحُدُ الشَّاهِدَيْنِ بِبَعْضِ الدَّعْوَى قال شَهِدَ عِنْدِي بِمَا وَضَعَ بِهِ خَطَّهُ فيه أو عَادَةُ حُكَّامِ بَلَدِهِ وان كان الشَّاهِدُ عَدْلًا كَتَبَ تَحْتَ خَطِّهِ شَهِدَ عِنْدِي بِذَلِكَ وَإِنْ قَبِلَهُ كَتَبَ شَهِدَ بِذَلِكَ عِنْدِي وان قَبِلَهُ غَيْرُهُ أو اخبره بِذَلِكَ كَتَبَ وهو مَقْبُولٌ وان لم يَكُنْ مَقْبُولًا كَتَبَ شَهِدَ بِذَلِكَ وقال لِلْمُدَّعِي زِدْنِي شُهُودًا أو زدك ‏[‏زك‏]‏ شَاهِدَيْك وَقِيلَ إنْ طَلَبَ خَصْمُهُ التَّزْكِيَةَ وَإِلَّا فَلَا انتهى‏.‏

قَوْلُهُ‏:‏ إلَّا أَنْ يَرْتَابَ بِهِمَا فَيُفَرِّقُهُمَا وَيَسْأَلَ كُلَّ وَاحِدٍ كَيْفَ تَحَمَّلْت الشَّهَادَةَ وَمَتَى وفي أَيِّ مَوْضِعٍ وَهَلْ كُنْت وَحْدَك أو أنت وَصَاحِبَك فَإِنْ اخْتَلَفَا لم يَقْبَلْهُمَا وَإِنْ اتَّفَقَا وَعَظَهُمَا وَخَوَّفَهُمَا فَإِنْ ثَبَتَا حَكَمَ بِهِمَا إذَا سَأَلَهُ المدعى يَلْزَمُ الْحَاكِمَ سُؤَالُ الشُّهُودِ وَالْبَحْثُ عن صفه تَحَمُّلِهِمَا وَغَيْرُهُ إذَا ارْتَابَ فِيهِمَا على الصَّحِيحِ من الْمَذْهَبِ وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأصحاب وَجَزَمَ بِهِ في الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ وَقَدَّمَهُ في الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْقَاضِي في الْخِلَافِ وُجُوبُ التَّوَقُّفِ حتى يَتَبَيَّنَ وَجْهُ الطَّعْنِ وقال في التَّرْغِيبِ لو ادَّعَى جَرْحَ الْبَيِّنَةِ فَلَيْسَ له تَحْلِيفُ المدعى في الْأَصَحِّ وقال في الرِّعَايَةِ إنْ اخْتَلَفَا تَوَقَّفَ فِيهِمَا وَقِيلَ تَسْقُطُ شَهَادَتُهُمَا‏.‏

قَوْلُهُ‏:‏ وَإِنْ جَرَحَهُمَا الْمَشْهُودُ عليه كُلِّفَ إقَامَةَ الْبَيِّنَةِ بِالْجَرْحِ فَإِنْ سَأَلَ الْإِنْظَارَ أُنْظِرَ ثَلَاثًا على الصَّحِيحِ من الْمَذْهَبِ قال في الرِّعَايَتَيْنِ يُمْهَلُ الْجَارِحُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ في الْأَصَحِّ إنْ طَلَبَهُ وَجَزَمَ بِهِ كَثِيرٌ من الْأصحاب وَقِيلَ لَا يُمْهَلُ‏.‏

قَوْلُهُ‏:‏ وَلَا يُسْمَعُ الْجَرْحُ إلَّا مُفَسَّرًا بِمَا يَقْدَحُ في الْعَدَالَةِ إمَّا أَنْ يَرَاهُ أو يَسْتَفِيضَ عنه فَلَا يَكْفِي مُطْلَقُ الْجَرْحِ وَهَذَا الْمَذْهَبُ قَالَهُ في الْفُرُوعِ وَالزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُمَا وَجَزَمَ بِهِ في الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ وَقَدَّمَهُ في الْمُحَرَّرِ وَغَيْرِهِ وَقِيلَ يُقْبَلُ الْجَرْحُ من غَيْرِ تَبْيِينِ سَبَبِهِ وَعَنْهُ يكفى أَنْ يَشْهَدَ أَنَّهُ فَاسِقٌ وَلَيْسَ بِعَدْلٍ كَالتَّعْدِيلِ في أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ فيه وَقِيلَ إنْ اتَّحَدَ مَذْهَبُ الْجَارِحِ وَالْحَاكِمِ أو عَرَفَ الْجَارِحُ أَسْبَابَ الْجَرْحِ قبل إجْمَالِهِ وَإِلَّا فَلَا قال الزَّرْكَشِيُّ وهو حَسَنٌ وَقِيلَ يَكْفِي‏.‏

قَوْلُهُ‏:‏ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ‏.‏

بِهِ وَنَحْوُهُ ذَكَرَهُمَا في الرِّعَايَةِ‏.‏

تنبيه‏:‏

قَوْلُهُ أو يَسْتَفِيضَ عنه‏.‏

اعْلَمْ أَنَّ له أَنْ يَشْهَدَ بِجَرْحِهِ بِمَا يَقْدَحُ في الْعَدَالَةِ بِالِاسْتِفَاضَةِ عنه ذلك على الصَّحِيحِ من الْمَذْهَبِ وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأصحاب وَجَزَمَ بِهِ في الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ وَقَدَّمَهُ في الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ وَقِيلَ ليس له ذلك كَالتَّزْكِيَةِ في أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ فيها وفي التَّزْكِيَةِ وَجْهٌ اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ رحمة اللَّهُ وقال الْمُسْلِمُونَ يَشْهَدُونَ في مِثْلِ عُمَرَ ابن عبد الْعَزِيزِ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ رضي اللَّهُ تَعَالَى عنهما بِمَا لَا يَعْلَمُونَهُ إلَّا بِالِاسْتِفَاضَةِ وقال لَا نَعْلَمُ في الْجَرْحِ بِالِاسْتِفَاضَةِ نِزَاعًا بين الناس وقال في التَّرْغِيبِ لَا يَجُوزُ الْجَرْحُ بِالتَّسَامُعِ نعم لو زَكَّى جَازَ التَّوَقُّفُ بِتَسَامُعِ الْفِسْقِ

فائدتان‏:‏

إحْدَاهُمَا‏:‏ قال في الْمُحَرَّرِ الْجَرْحُ الْمُبَيَّنُ أَنْ يَذْكُرَ ما يَقْدَحُ في الْعَدَالَةِ عن رُؤْيَةٍ أو اسْتِفَاضَةٍ وَالْمُطْلَقُ أَنْ يَقُولَ هو فَاسِقٌ أو ليس بِعَدْلٍ قال الزَّرْكَشِيُّ هذا هو الْمَشْهُورُ وقال الْقَاضِي في خِلَافِهِ هذا هو الْمُبَيَّنُ وَالْمُطْلَقُ أَنْ يَقُولَ اللَّهُ أَعْلَمُ وَنَحْوُهُ‏.‏

الثَّانِيَةُ‏:‏ يُعْرَضُ الْجَارِحُ بالزنى فَإِنْ صَرَّحَ ولم يَأْتِ بِتَمَامِ أَرْبَعَةِ شُهُودٍ حُدَّ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ رحمة اللَّهُ تعالى‏.‏

تنبيه‏:‏

قَوْلُهُ وَإِنْ جَهِلَ حاله طَالَبَ الْمُدَّعِي بِتَزْكِيَتِهِ بِنَاءً على اعْتِبَارِ الْعَدَالَةِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا وهو الْمَذْهَبُ كما تَقَدَّمَ‏.‏

فائدة‏:‏

التَّزْكِيَةُ حَقٌّ لِلشَّرْعِ يَطْلُبُهَا الْحَاكِمُ وَإِنْ سَكَتَ عنها الْخَصْمُ هذا الصَّحِيحُ من الْمَذْهَبِ وَقِيلَ بَلْ هِيَ حَقٌّ لِلْخَصْمِ فَلَوْ أَقَرَّ بها حُكِمَ عليه بِدُونِهَا وَعَلَى الْأَوَّلِ لَا بُدَّ منها وَيَأْتِي بِأَعَمَّ من هذا قَرِيبًا‏.‏

قَوْلُهُ‏:‏ وَيَكْفِي في التَّزْكِيَةِ شَاهِدَانِ يَشْهَدَانِ أَنَّهُ عَدْلٌ رِضًى‏.‏

قَوْلُهُ‏:‏ يَشْهَدَانِ أَنَّهُ عَدْلٌ رِضًى يُشْتَرَطُ في قَبُولِ الْمُزَكِّيَيْنِ مَعْرِفَةُ الْحَاكِمِ خِبْرَتَهُمَا الْبَاطِنَةَ بِصُحْبَةٍ وَمُعَامَلَةٍ وَنَحْوِهِمَا على الصَّحِيحِ من الْمَذْهَبِ قَطَعَ بِهِ في الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى وَقَدَّمَهُ في الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ وَقِيلَ يُقْبَلَانِ مع جَهْلِ الْحَاكِمِ خِبْرَتَهُمَا الْبَاطِنَةَ وقال في الرِّعَايَةِ وَغَيْرِهَا وَلَا يُتَّهَمُ بِعَصَبِيَّةٍ أو غَيْرِهَا‏.‏

قَوْلُهُ‏:‏ يَشْهَدَانِ أَنَّهُ عَدْلٌ رِضًى وَكَذَا لو شَهِدَا أَنَّهُ عَدْلٌ مَقْبُولُ الشَّهَادَةِ بِلَا نِزَاعٍ وَيَكْفِي‏.‏

قَوْلُهُ‏:‏مَا عَدْلٌ على الصَّحِيحِ من الْمَذْهَبِ قَدَّمَهُ في الْفُرُوعِ قال الزَّرْكَشِيُّ ظَاهِرُ كَلَامِ أبي مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيِّ وَظَاهِرُ كَلَامِ أبي الْبَرَكَاتِ الْمَنْعُ وقال في التَّرْغِيبِ هل يَكْفِي‏.‏

قَوْلُهُ‏:‏مَا عَدْلٌ فيه وَجْهَانِ وَأَطْلَقَهُمَا في الرِّعَايَةِ‏.‏

فوائد‏:‏

الْأُولَى‏:‏ لَا يَكْفِي‏.‏

قَوْلُهُ‏:‏مَا لَا نَعْلَمُ إلَّا خَيْرًا‏.‏

الثَّانِيَةُ‏:‏ قال جَمَاعَةٌ من الْأصحاب لَا يَلْزَمُ الْمُزَكِّي الْحُضُورُ لِلتَّزْكِيَةِ وَجَزَمَ بِهِ في الرِّعَايَةِ وَغَيْرِهِ وقال في الْفُرُوعِ وَيُتَوَجَّهُ وَجْهٌ‏.‏

الثَّالِثَةُ‏:‏ لَا تَجُوزُ التَّزْكِيَةُ إلَّا لِمَنْ له خِبْرَةٌ بَاطِنَةٌ قَطَعَ بِهِ الْأصحاب وزاد في التَّرْغِيبِ وَمَعْرِفَةِ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ‏.‏

الرَّابِعَةُ‏:‏ هل تَعْدِيلُ المشهود ‏[‏الشهود‏]‏ عليه وحدة تَعْدِيلٌ في حَقِّهِ وَتَصْدِيقُ الشُّهُودِ عليه تَعْدِيلٌ وَهَلْ تَصِحُّ التَّزْكِيَةُ في وَاقِعَةٍ واحده فيه وَجْهَانِ وَأَطْلَقَهُمَا في الْفُرُوعِ وَالرِّعَايَةِ قال الْإِمَامُ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ لَا يُعْجِبُنِي أَنْ يُعَدَّلَ إنَّ الناس يَتَغَيَّرُونَ وقال قِيلَ لِشُرَيْحٍ قد أَحْدَثْت في قَضَائِك فقال إنَّهُمْ أَحْدَثُوا فَأَحْدَثْنَا قال في الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى وَإِنْ أَقَرَّ الْخَصْمُ بِالْعَدَالَةِ فقال هُمَا عَدْلَانِ فِيمَا شَهِدَا بِهِ عَلَيَّ أو صَادِقَانِ حُكِمَ عليه بِلَا تَزْكِيَةٍ وَقِيلَ لَا وقال هل تَصْدِيقُ الشُّهُودِ تَعْدِيلٌ لهم فيه وَجْهَانِ وقال في الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ وَالتَّزْكِيَةُ حَقٌّ لِلَّهِ فَتُطْلَبُ وَإِنْ سَكَتَ الْخَصْمُ فَإِنْ أَقَرَّ بِالْعَدَالَةِ حُكِمَ عليه وَقِيلَ لَا يُحْكَمُ وَأَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ وَالشَّارِحُ فِيمَا إذَا عَدَّلَ الْمَشْهُودُ عليه الشَّاهِدَ الْوَجْهَيْنِ وَأَطْلَقَ في الرِّعَايَةِ في صِحَّةِ التَّزْكِيَةِ في وَاقِعَةٍ وَاحِدَةٍ الْوَجْهَيْنِ وقال وَقِيلَ إنْ تَبَعَّضَتْ جَازَ وَإِلَّا فَلَا تَزْكِيَةَ‏.‏

تنبيه‏:‏

قَوْلُهُ وَإِنْ عَدَّلَهُ اثْنَانِ وَجَرَّحَهُ اثْنَانِ فَالْجَرْحُ أَوْلَى بِلَا نِزَاعٍ وإذا قُلْنَا يُقْبَلُ جَرْحُ وَاحِدٍ فَجَرَّحَهُ وَاحِدٌ وَزَكَّاهُ اثْنَانِ فَالتَّزْكِيَةُ أَوْلَى على اصح الْوَجْهَيْنِ قَالَهُ في الْفُرُوعِ وَجَزَمَ به في المحرر وجزم بِهِ في الْمُحَرَّرِ وَالرِّعَايَتَيْنِ وَالْمُنَوِّرِ والزركشى وَغَيْرِهِمْ وَقِيلَ الْجَرْحُ أَوْلَى وهو أَوْلَى وقال الزركشى وَلَوْ عَدَّلَهُ ثَلَاثَةٌ وَجَرَّحَهُ اثْنَانِ فَوَجْهَانِ فَإِنْ بَيَّنَا السَّبَبَ فَالْجَرْحُ أَوْلَى وَإِنْ لم يُبَيِّنَا السَّبَبَ فَالتَّعْدِيلُ أَوْلَى‏.‏

قَوْلُهُ‏:‏ وَإِنْ سَأَلَ المدعى حَبْسَ الْمَشْهُودِ عليه حتى يزكى شُهُودَهُ فَهَلْ يُحْبَسُ على وَجْهَيْنِ وَأَطْلَقَهُمَا في المغنى وَالشَّرْحِ وَشَرْحِ ابن منجا أَحَدُهُمَا يُجَابُ وَيُحْبَسُ وهو الْمَذْهَبُ صَحَّحَهُ في التَّصْحِيحِ وَجَزَمَ بِهِ في الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ وَقَدَّمَهُ في الْمُحَرَّرِ وَالنَّظْمِ وَالرِّعَايَتَيْنِ والحاوى الصَّغِيرِ وَالْفُرُوعِ وَغَيْرِهِمْ قال في الْهِدَايَةِ وَالْمُذَهَّبُ اُحْتُمِلَ أَنْ يُحْبَسَ وَاقْتَصَرَ عليه قال في الْخُلَاصَةِ وفي حَبْسِهِ احْتِمَالٌ وَاقْتَصَرَ عليه وَالْوَجْهُ الثَّانِي لَا يُحْبَسُ وَقِيلَ لَا يُحْبَسُ إلَّا في الْمَالِ ذَكَرَهُ في الرِّعَايَةِ

فائدتان‏:‏

إحْدَاهُمَا‏:‏ مُدَّةُ حَبْسِهِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ على الصَّحِيحِ من الْمَذْهَبِ جَزَمَ بِهِ في الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ وَقَدَّمَهُ في الْمُحَرَّرِ وَالنَّظْمِ وَالْفُرُوعِ وَغَيْرِهِمْ وَقِيلَ يُحْبَسُ إلَى أَنْ يُزَكِّيَ شُهُودَهُ وَقَدَّمَهُ في الرِّعَايَةِ وَقِيلَ الْقَوْلُ باطلاق ذلك ظَاهِرُ الْفَسَادِ وهو كما قال وَقَطَعَ جماعه من الْأصحاب منهم الْمُصَنِّفُ وَالشَّارِحُ بِأَنَّهُ يُحَالُ في قِنٍّ أو امْرَأَةٍ ادَّعَى عِتْقًا أو طَلَاقًا بَيْنَهُمَا بِشَاهِدَيْنِ وَفِيهِ بواحد ‏[‏لواحد‏]‏ في قِنٍّ وَجْهَانِ‏.‏

الثَّانِيَةُ‏:‏ مِثْلُ ذلك في الْحُكْمِ لو سَأَلَ كَفِيلًا بِهِ أو تَعْدِيلَ عَيْنٍ مُدَّعَاةٍ قبل التَّزْكِيَةِ قَالَهُ في الْمُحَرَّرِ وَالرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِي وَالْفُرُوعِ وَغَيْرِهِمْ‏.‏

قَوْلُهُ‏:‏ وَإِنْ أَقَامَ شَاهِدًا وَسَأَلَ حَبْسَهُ حتى يُقِيمَ الْآخِرُ حَبَسَهُ إنْ كان في الْمَالِ وهو الْمَذْهَبُ جَزَمَ بِهِ في الْوَجِيزِ وَالْهِدَايَةِ وَالْمُذَهَّبِ وَالْخُلَاصَةِ وَغَيْرِهِمْ وَقَدَّمَهُ في الْمُحَرَّرِ وَالنَّظْمِ وَالرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ وَالْفُرُوعِ وَغَيْرِهِمْ وَقِيلَ لَا يُحْبَسُ‏.‏

قَوْلُهُ‏:‏ وَإِنْ كان في غَيْرِهِ فَعَلَى وَجْهَيْنِ وَأَطْلَقَهُمَا في الْهِدَايَةِ وَالْمُذَهَّبِ وَالْمُسْتَوْعِبِ وَالْخُلَاصَةِ وَشَرْحِ ابن منجا أَحَدُهُمَا لَا يُحْبَسُ وهو الْمَذْهَبُ وَقَدَّمَهُ في الشَّرْحِ وَالْفُرُوعِ وَصَحَّحَهُ في التَّصْحِيحِ وَالْوَجْهُ الثَّانِي يُحْبَسُ وهو ظَاهِرُ ما جَزَمَ بِهِ في الْوَجِيزِ وَقَدَّمَهُ في الْمُحَرَّرِ وَالرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِي وَالنَّظْمِ‏.‏

قَوْلُهُ‏:‏ وَلَا يُقْبَلُ في التَّرْجَمَةِ وَالْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ وَالتَّعْرِيفِ وَالرِّسَالَةِ إلَّا قَوْلُ عَدْلَيْنِ هذا الْمَذْهَبُ بِلَا رَيْبٍ قَالَهُ في الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأصحاب وَقَطَعَ بِهِ ألخرقى وَصَاحِبُ الْوَجِيزِ وَمُنْتَخَبِ الآدمي وَغَيْرُهُمْ وَقَدَّمَهُ في الْهِدَايَةِ وَالْمُذَهَّبِ وَالْمُسْتَوْعِبِ وَالْخُلَاصَةِ وَالْكَافِي وَالْمُغْنِي وَالْمُحَرَّرِ وَالشَّرْحِ وَالنَّظْمِ وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ وَالْفُرُوعِ وَغَيْرُهُمْ من الْأصحاب وَعَنْهُ يُقْبَلُ قَوْلُ وَاحِدٍ اخْتَارَهُ أبو بَكْرٍ وَأَطْلَقَهُمَا في الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى فَعَلَى الْمَذْهَبِ يَكُونُ ذلك شَهَادَةً تَفْتَقِرُ إلَى الْعَدَدِ والعدلة ‏[‏والعدالة‏]‏ وَيُعْتَبَرُ فيها من الشُّرُوطِ ما يُعْتَبَرُ في الشَّهَادَةِ على الْإِقْرَارِ بِذَلِكَ الْحَقِّ فَإِنْ كان مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ اُعْتُبِرَ فيه الْحُرِّيَّةُ ولم يَكْفِ إلَّا شَاهِدَانِ ذَكَرَانِ وَإِنْ كان مَالًا كَفَى فيه رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ ولم تُعْتَبَرْ الْحُرِّيَّةُ وَإِنْ كان في حَدِّ زنى ‏[‏زنا‏]‏ فالاصح أَرْبَعَةٌ وَقِيلَ يَكْفِي اثْنَانِ بِنَاءً على الرِّوَايَتَيْنِ في الشَّهَادَةِ على الْإِقْرَارِ بالزنى على ما تَقَدَّمَ وَيُعْتَبَرُ فيه لَفْظُ الشَّهَادَةِ وَعَلَى الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ يَصِحُّ بِدُونِ لَفْظِ الشَّهَادَةِ وَلَوْ كان امْرَأَةً أو وَالِدًا أو وَلَدًا أو أَعْمَى لِمَنْ خَبَّرَهُ بَعْدَ عَمَاهُ وَيُقْبَلُ من الْعَبْدِ أَيْضًا وَيَكْتَفِي بِالرُّقْعَةِ مع الرَّسُولِ وَلَا بُدَّ من عَدَالَتِهِ وَعَلَى الْمَذْهَبِ تَجِبُ الْمُشَافَهَةُ قال الْقَاضِي تَعْدِيلُ الْمَرْأَةِ هل هو مَقْبُولٌ مبنى على أَصْلٍ وهو هل الْجَرْحُ وَالتَّعْدِيلُ شَهَادَةٌ أو خَبَرٌ على قَوْلَيْنِ فَإِنْ قُلْنَا هو خَبَرٌ قُبِلَ تَعْدِيلُهُنَّ وَإِنْ قُلْنَا بِقَوْلِ الخرقى وَأَنَّهُ شَهَادَةٌ فَهَلْ يُقْبَلُ تَعْدِيلُهُنَّ مبنى على أَصْلٍ آخَرَ وهو هل تُقْبَلُ شهادتين ‏[‏شهادتهن‏]‏ فِيمَا لَا يُقْصَدُ بِهِ الْمَالُ وَيَطَّلِعُ عليه الرِّجَالُ كَالنِّكَاحِ وَفِيهِ رِوَايَتَانِ إحْدَاهُمَا‏:‏ تُقْبَلُ فَيُقْبَلُ تَعْدِيلُهُنَّ‏.‏

الثَّانِيَةُ‏:‏ لَا تُقْبَلُ وَهَذَا الصَّحِيحُ فَلَا يُقْبَلُ تَعْدِيلُهُنَّ انتهى‏.‏

فوائد‏:‏

الْأُولَى‏:‏ من رَتَّبَهُمْ الْحَاكِمُ يَسْأَلُونَ سِرًّا عن الشُّهُودِ لِتَزْكِيَةٍ أو جَرْحٍ فَقِيلَ يُعْتَبَرُ شُرُوطُ الشَّهَادَةِ فِيهِمْ قَدَّمَهُ في الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ فَقَالَا وَيُقْبَلُ قَوْلُ أصحاب الْمَسَائِلِ قال في الْكَافِي وَيَجِبُ أَنْ يَكُونُوا عُدُولًا وَلَا يَسْأَلُونَ عَدُوًّا وَلَا صَدِيقًا وَهَذَا ظَاهِرُ ما جَزَمَ بِهِ في الْمُسْتَوْعِبِ وَقِيلَ تُشْتَرَطُ شُرُوطُ الشَّهَادَةِ في الْمَسْئُولِينَ لَا فِيمَنْ رَتَّبَهُمْ الْحَاكِمُ وَأَطْلَقَهُمَا في الْمُحَرَّرِ وَالرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِي وَالْفُرُوعِ وَالزَّرْكَشِيِّ وقال في التَّرْغِيبِ وَعَلَى قَوْلِنَا التَّزْكِيَةُ لَيْسَتْ شَهَادَةً لَا يُعْتَبَرُ لَفْظُ الشَّهَادَةِ وَالْعَدَدُ في الْجَمِيعِ‏.‏

الثَّانِيَةُ‏:‏ من سَأَلَهُ حَاكِمٌ عن تَزْكِيَةِ من شَهِدَ عِنْدَهُ أخبره وَإِلَّا لم يَجِبْ‏.‏

الثَّالِثَةُ‏:‏ من نُصِّبَ لِلْحُكْمِ بِجَرْحٍ أو تَعْدِيلٍ وَسَمَاعِ بَيِّنَةٍ قَنَعَ الْحَاكِمُ بِقَوْلِهِ وَحْدَهُ إذَا قَامَتْ الْبَيِّنَةُ عِنْدَهُ‏.‏

الرَّابِعَةُ‏:‏ قال في الْمَطْلَعِ الْمُرَادُ بِالتَّعْرِيفِ تَعْرِيفُ الْحَاكِمِ لَا تَعْرِيفُ الشَّاهِدِ الْمَشْهُودَ عليه قال الْإِمَامُ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ أنا أَشْهَدُ أَنَّ هذه فُلَانَةُ وَيَشْهَدُ على شَهَادَتِهِ قال وَالْفَرْقُ بين الشُّهُودِ وَالْحَاكِمِ من وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ حَاجَةَ الْحَاكِمِ إلَى ذلك أَكْثَرُ من الشُّهُودِ وَالثَّانِي أَنَّ الْحَاكِمَ يَحْكُمُ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ وَالشَّاهِدُ لَا يَجُوزُ له أَنْ يَشْهَدَ غَالِبًا إلَّا على الْعِلْمِ انتهى‏.‏

وقال في الْفُرُوعِ في كِتَابِ الشَّهَادَاتِ وَمَنْ جَهِلَ رَجُلًا حَاضِرًا شَهِدَ في حَضْرَتِهِ لِمَعْرِفَةِ عَيْنِهِ وَإِنْ كان غَائِبًا فَعَرَّفَهُ بِهِ من يَسْكُنُ إلَيْهِ وَعَنْهُ اثْنَانِ وَعَنْهُ جَمَاعَةٌ شَهِدَ وَإِلَّا فَلَا وَعَنْهُ الْمَنْعُ وَحَمَلَهَا الْقَاضِي على الِاسْتِحْبَابِ وَالْمَرْأَةُ كَالرَّجُلِ وَعَنْهُ إنْ عَرَفَهَا كما يَعْرِفُ نَفْسَهُ وَعَنْهُ أو نَظَرَ إلَيْهَا شَهِدَ وَإِلَّا فَلَا وَنَقَلَ حَنْبَلٌ يَشْهَدُ بِإِذْنِ زَوْجٍ وَعَلَّلَهُ بِأَنَّهُ أَمْلَكُ بِعِصْمَتِهَا وَقَطَعَ بِهِ في الْمُبْهِجِ لِلْخَبَرِ وَعَلَّلَهُ بعضهم ‏[‏بعضهما‏]‏ بِأَنَّ النَّظَرَ حَقُّهُ قال في الْفُرُوعِ وهو سَهْوٌ وَيَأْتِي ذلك أَيْضًا في كِتَابِ الشَّهَادَاتِ وقال الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ رَحِمَهُ اللَّهُ التَّعْرِيفُ يَتَضَمَّنُ تَعْرِيفَ عَيْنِ الْمَشْهُودِ عليه وَالْمَشْهُودِ له وَالْمَشْهُودِ بِهِ إذَا وَقَعَتْ على الْأَسْمَاءِ وَتَعْرِيفَ الْمَحْكُومِ له وَالْمَحْكُومِ عليه وَالْمَحْكُومِ بِهِ وَتَعْرِيفَ الْمُثْبِتِ عليه وَالْمُثْبَتِ له وَنَفْسَ الْمُثْبَتِ في كِتَابِ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي وَالتَّعْرِيفُ مِثْلُ التَّرْجَمَةِ سَوَاءٌ فإنه بَيَانٌ مُسَمَّى هذا الِاسْمِ كما أَنَّ التَّرْجَمَةَ كَذَلِكَ لِأَنَّ التَّعْرِيفَ قد يَكُونُ في أَسْمَاءِ الْأَعْلَامِ وَالتَّرْجَمَةُ في أَسْمَاءِ الْأَجْنَاسِ وَهَذَا التَّفْسِيرُ لَا يَخْتَصُّ بِشَخْصٍ دُونَ شَخْصٍ انتهى‏.‏

ذَكَرَهُ في شَرْحِ الْمُحَرَّرِ عِنْدَ قَوْلِهِ وَلَا يُقْبَلُ في التَّرْجَمَةِ وَغَيْرِهَا إلَّا عَدْلَانِ‏.‏

قَوْلُهُ‏:‏ وَمَنْ ثَبَتَتْ عَدَالَتُهُ مَرَّةً فَهَلْ يَحْتَاجُ إلَى تَجْدِيدِ الْبَحْثِ عن عَدَالَتِهِ مَرَّةً أُخْرَى على وَجْهَيْنِ يَعْنِي مع تَطَاوُلِ الْمُدَّةِ وَهُمَا رِوَايَتَانِ قال في الرِّعَايَةِ فيه وَجْهَانِ وَقِيلَ رِوَايَتَانِ وَأَطْلَقَهُمَا في الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ وَشَرْحِ ابن منجا وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى إحْدَاهُمَا‏:‏ يَحْتَاجُ إلَى تحديد ‏[‏تجديد‏]‏ البحث عن عَدَالَتِهِ مع تَطَاوُلِ الْمُدَّةِ وَيَجِبُ وهو الْمَذْهَبُ قال في الْمُحَرَّرِ وهو الْمَنْصُوصُ قال في الْفُرُوعِ لَزِمَ الْبَحْثُ عنها على الْأَصَحِّ مع طُولِ الْمُدَّةِ وَجَزَمَ بِهِ في الْوَجِيزِ وَمُنْتَخَبِ الآدمي وَالْوَجْهُ الثَّانِي لَا يَجِبُ بَلْ يُسْتَحَبُّ صَحَّحَهُ في التَّصْحِيحِ وَالنَّظْمِ وَقَدَّمَهُ في الْمُحَرَّرِ وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ‏.‏

قَوْلُهُ‏:‏ وَإِنْ ادَّعَى على غَائِبٍ أو مُسْتَتِرٍ في الْبَلَدِ أو مَيِّتٍ أو صَبِيٍّ أو مَجْنُونٍ وَلَهُ بَيِّنَةٌ سَمِعَهَا الْحَاكِمُ وَحَكَمَ بها وهو الْمَذْهَبُ وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأصحاب وَلَيْسَ تَقَدُّمُ الْإِنْكَارِ هُنَا شَرْطًا وَلَوْ فُرِضَ إقْرَارُهُ فَهُوَ مُقِرٌّ بِهِ لِثُبُوتِهِ بِالْبَيِّنَةِ قال في التَّرْغِيبِ وَغَيْرِهِ لَا تَفْتَقِرُ الْبَيِّنَةُ إلَى جُحُودٍ إذْ الْغَيْبَةُ كَالسُّكُوتِ وَالْبَيِّنَةُ تُسْمَعُ على سَاكِتٍ وَكَذَا جَعَلَ في عُيُونِ الْمَسَائِلِ وَغَيْرِهَا هذه الْمَسْأَلَةَ أَصْلًا على الْخَصْمِ وَعَنْهُ لَا يُحْكَمُ على غَائِبٍ كَحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فَيَقْضِي في السَّرِقَةِ بِالْغُرْمِ فَقَطْ اخْتَارَه ابن أبي مُوسَى قَالَهُ في الْكَافِي وَعَنْهُ لَا يُحْكَمُ على الْغَائِبِ تَبَعًا كَشَرِيكٍ حَاضِرٍ‏.‏

تَنْبِيهَاتٌ‏:‏

الْأَوَّلُ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ إذَا حَكَمَ له أَنْ يعطى الْعَيْنَ الْمُدَّعَاةَ مُطْلَقًا وهو ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ وَقَدَّمَهُ في المغنى وَالشَّرْحِ وَالنَّظْمِ قال الزَّرْكَشِيُّ هذا أَشْهَرُ الْوَجْهَيْنِ وَقِيلَ يُعْطِي بِكَفِيلٍ وما هو بِبَعِيدٍ وَأَطْلَقَهُمَا في الْحَاوِي وَالرِّعَايَتَيْنِ الثَّانِي مُرَادُهُ بِالْمُسْتَتِرِ هُنَا الْمُمْتَنِعُ من الْحُضُورِ على ما يَأْتِي بَعْدَ ذلك قَرِيبًا الثَّالِثُ الْغَيْبَةُ هُنَا مَسَافَةُ الْقَصْرِ على الصَّحِيحِ من الْمَذْهَبِ وَقِيلَ مَسِيرَةُ يَوْمٍ أَيْضًا وَقِيلَ أو فَوْقَ نِصْفِ يَوْمٍ قَالَهُ في الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى الرَّابِعُ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ صِحَّةُ الدَّعْوَى على الْغَائِبِ في جَمِيعِ الْحُقُوقِ وهو ظَاهِرُ كَلَامِ الخرقى وَأَبِي الْخَطَّابِ وَالْمَجْدِ وَغَيْرِهِمْ وقال ابن الْبَنَّا وَالْمُصَنِّفُ وابن حَمْدَانَ وَغَيْرُهُمْ إنَّمَا يَقْضِي على الْغَائِبِ في حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ لَا في حُقُوقِ اللَّهِ كَالزِّنَا وَالسَّرِقَةِ نعم في السَّرِقَةِ يَقْضِي بِالْمَالِ فَقَطْ وفي حَدِّ الْقَذْفِ وَجْهَانِ بِنَاءٌ على أَنَّهُ حَقٌّ لِلَّهِ أو لِآدَمِيٍّ على ما تَقَدَّمَ في أَوَّلِ بَابِ الْقَذْفِ‏.‏

قَوْلُهُ‏:‏ وَهَلْ يَحْلِفُ الْمُدَّعِي أَنَّهُ لم يَبْرَأْ إلَيْهِ منه وَلَا من شَيْءٍ منه على رِوَايَتَيْنِ وَأَطْلَقَهُمَا في الْهِدَايَةِ وَالْمُذَهَّبِ وَالْمُسْتَوْعِبِ وَشَرْحِ ابن منجا وَالْهَادِي وَغَيْرِهِمْ إحْدَاهُمَا‏:‏ لَا يَحْلِفُ وهو الْمَذْهَبُ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأصحاب قال في الْفُرُوعِ اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ قال الْمُصَنِّفُ وَالشَّارِحُ لم يَسْتَحْلِفْ في أَشْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ وَقَالَا هِيَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ وَصَحَّحَهُ في التَّصْحِيحِ وَالنَّظْمِ وَجَزَمَ بِهِ نَاظِمُ الْمُفْرَدَاتِ وهو من مُفْرَدَاتِ الْمَذْهَبِ وَقَدَّمَهُ في الْكَافِي وَالْفُرُوعِ وَخِلَافُ أبي الْخَطَّابِ وَنَصَرَهُ قال الزَّرْكَشِيُّ هِيَ اخْتِيَارُ أبي الْخَطَّابِ وَالشَّرِيفِ وَالشِّيرَازِيِّ وَغَيْرِهِمْ وَالرِّوَايَةُ‏.‏

الثَّانِيَةُ‏:‏ يَسْتَحْلِفُهُ على بَقَاءِ حَقِّهِ قال في الْخُلَاصَةِ حَلَّفَهُ مع بَيِّنَتِهِ على الْأَصَحِّ قال في الرِّعَايَتَيْنِ وَحَلَفَ مَعَهَا على الْأَصَحِّ على بَقَاءِ حَقِّهِ وَجَزَمَ بِهِ في الْوَجِيزِ وَالْمُنَوِّرِ وهو ظَاهِرُ كَلَامِهِ في مُنْتَخَبِ الآدمي وَاخْتَارَهُ ابن عبْدُوسٍ في تَذْكِرَتِهِ وَقَدَّمَهُ في الْمُحَرَّرِ وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ وَمَالَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ ذَكَرَهُ عنه الشَّارِحُ في بَابِ الدعاوي عِنْدَ قَوْلِهِ وَإِنْ كان لِأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ حُكِمَ له بها فَعَلَى الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ لَا يَتَعَرَّضُ في يَمِينِهِ لِصِدْقِ الْبَيِّنَةِ على الصَّحِيحِ من الْمَذْهَبِ وهو ظَاهِرُ كَلَامِ أَكْثَرِ الْأصحاب وَقَدَّمَهُ في الْفُرُوعِ وقال في التَّرْغِيبِ لَا يَتَعَرَّضُ في يَمِينِهِ لِصِدْقِ الْبَيِّنَةِ إنْ كانت كَامِلَةً وَيَجِبُ تَعَرُّضُهُ إذَا قام شَاهِدًا وَحَلَفَ معه‏.‏

فوائد‏:‏

الْأُولَى‏:‏ لَا يَمِينَ مع بَيِّنَةٍ كَامِلَةٍ كَمُقِرٍّ له إلَّا هُنَا وَعَنْهُ بَلَى فَعَلَهُ عَلِيُّ بن أبي طَالِبٍ رضي اللَّهُ عنه وَعَنْهُ يَحْلِفُ مع رِيبَةٍ في الْبَيِّنَةِ وَتَقَدَّمَ في بَابِ الْحَجْرِ أَنَّهُ إذَا شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ بِنَفَادِ مَالِهِ أَنَّهُ يَحْلِفُ مَعَهَا على الصَّحِيحِ من الْمَذْهَبِ وإذا شَهِدَتْ بِإِعْسَارِهِ أَنَّهُ لَا يَحْلِفُ مَعَهَا على الصَّحِيحِ من الْمَذْهَبِ وَلَنَا وَجْهٌ أَنَّهُ يَحْلِفُ مَعَهَا أَيْضًا‏.‏

الثَّانِيَةُ‏:‏ قال في الْمُحَرَّرِ وَيَخْتَصُّ الْيَمِينُ بِالْمُدَّعَى عليه دُونَ الْمُدَّعِي إلَّا في الْقَسَامَةِ وَدَعَاوَى الْأُمَنَاءِ الْمَقْبُولَةِ وَحَيْثُ يَحْكُمُ بِالْيَمِينِ مع الشَّاهِدِ أو نَقُولُ بِرَدِّهَا وَقَالَهُ في الرِّعَايَةِ وَغَيْرِهِ وَقَالَهُ كَثِيرٌ من الْأصحاب مُفَرَّقًا في أَمَاكِنِهِ وَتَقَدَّمَ بَعْضُ ذلك وقال الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ رَحِمَهُ اللَّهُ أَمَّا دَعَاوَى الْأُمَنَاءِ الْمَقْبُولَةُ فَغَيْرُ مُسْتَثْنَاةٍ فَيَحْلِفُونَ وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ أُمَنَاءُ لَا ضَمَانَ عليهم إلَّا بِتَفْرِيطٍ أو عُدْوَانٍ فإذا ادَّعَى عليهم ذلك فَأَنْكَرُوهُ فَهُمْ مُدَّعًى عليهم وَالْيَمِينُ على الْمُدَّعَى عليهم انتهى‏.‏

قُلْت صَرَّحَ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ في بَابِ الْوَكَالَةِ أَنَّهُ لو ادَّعَى الْوَكِيلُ الْهَلَاكَ وَنَفَى التَّفْرِيطَ قُبِلَ‏.‏

قَوْلُهُ‏:‏ مع يَمِينِهِ وَكَذَا في الْمُضَارَبَةِ والوديعة ‏[‏الوديعة‏]‏ وَغَيْرِهِمَا‏.‏

الثَّالِثَةُ‏:‏

قَوْلُهُ‏:‏ ثُمَّ إذَا قَدِمَ الْغَائِبُ أو بَلَغَ الصَّبِيُّ يَعْنِي رَشِيدًا أو أَفَاقَ الْمَجْنُونُ فَهُوَ على حُجَّتِهِ وهو صَحِيحٌ لَكِنْ لو جَرَحَ الْبَيِّنَةَ بِأَمْرٍ بَعْدَ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ أو مُطْلَقًا لم تُقْبَلْ لِجَوَازِ كَوْنِهِ بَعْدَ الْحُكْمِ فَلَا يَقْدَحُ فيه وَإِلَّا قُبِلَ‏.‏

قَوْلُهُ‏:‏ وَإِنْ كان الْخَصْمُ في الْبَلَدِ غَائِبًا عن الْمَجْلِسِ لم تُسْمَعْ الْبَيِّنَةُ حتى يَحْضُرَ وَلَا تُسْمَعُ أَيْضًا الدَّعْوَى وهو الْمَذْهَبُ جَزَمَ بِهِ في الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ وَشَرْحِ ابن منجا وَالْوَجِيزِ وَقَدَّمَهُ في الْمُحَرَّرِ وَالنَّظْمِ وَالرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ وَالْفُرُوعِ وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ وَغَيْرِهِمْ وَقِيلَ يُسْمَعَانِ وَيُحْكَمُ عليه وَأَطْلَقَهُمَا في الْهِدَايَةِ وَالْمُذَهَّبِ وَالْخُلَاصَةِ في سَمَاعِ الْبَيِّنَةِ وَنَقَلَ أبو طَالِبٍ يُسْمَعَانِ وَلَا يُحْكَمُ عليه حتى يَحْضُرَ قال في الْمُحَرَّرِ وهو الْأَصَحُّ وَاخْتَارَهُ النَّاظِمُ وَجَزَمَ بِهِ في الْمُنَوِّرِ وَأَطْلَقَهُنَّ الزَّرْكَشِيُّ‏.‏

قَوْلُهُ‏:‏ فَإِنْ امْتَنَعَ من الْحُضُورِ سُمِعَتْ الْبَيِّنَةُ وَحُكِمَ بها في إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وهو الْمَذْهَبُ اخْتَارَهُ ابو الْخَطَّابِ وَالشَّرِيفُ أبو جَعْفَرٍ وَقَدَّمَهُ في الْفُرُوعِ وهو ظَاهِرُ ما جَزَمَ بِهِ في الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ وَالْأُخْرَى لَا يسمع ‏[‏تسمع‏]‏ حتى يَحْضُرَ صَحَّحَهُ في التَّصْحِيحِ وَجَزَمَ بِهِ في الْوَجِيزِ وَالْمُنَوِّرِ وَأَطْلَقَهُمَا ابن منجا في شَرْحِهِ فَعَلَى الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ إنْ أَبَى من الْحُضُورِ بَعَثَ إلَى صَاحِبِ الشُّرْطَةِ لِيُحْضِرَهُ فَإِنْ تَكَرَّرَ منه الِاسْتِتَارُ أَقْعَدَ على بَابِهِ من يُضَيِّقُ عليه في دُخُولِهِ وَخُرُوجِهِ حتى يَحْضُرَ كما قال الْمُصَنِّفُ وَصَاحِبُ الْفُرُوعِ وَغَيْرُهُمَا وَلَيْسَ له دُخُولُ بَيْتِهِ على الصَّحِيحُ من الْمَذْهَبِ قَدَّمَهُ في الْفُرُوعِ وقال في التَّبْصِرَةِ إنَّ صَحَّ عِنْدَ الْحَاكِمِ أَنَّهُ في مَنْزِلِهِ أَمَرَ بِالْهُجُومِ عليه وَإِخْرَاجِهِ فَعَلَى الْأَوَّلِ إنْ أَصَرَّ على الِاسْتِتَارِ حَكَمَ عليه على الصَّحِيحِ من الْمَذْهَبِ نَصَّ عليه قال في الْمُحَرَّرِ فَإِنْ أَصَرَّ على التَّغَيُّبِ سُمِعَتْ الْبَيِّنَةُ وَحُكِمَ بها عليه قَوْلًا وَاحِدًا وَقَالَهُ غَيْرُهُ من الْأصحاب وَقَدَّمَهُ في الْفُرُوعِ وهو مُرَادُ الْمُصَنِّفِ بِقَوْلِهِ قبل ذلك بِيَسِيرٍ وان ادَّعَى على مُسْتَتِرٍ وَلَهُ بَيِّنَةٌ سَمِعَهَا الْحَاكِمُ وَحَكَمَ بها قال في الْفُرُوعِ وَنَصُّهُ يَحْكُمُ عليه بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَجَزَمَ بِهِ في التَّرْغِيبِ وَغَيْرِهِ وَظَاهِرُ نَقْلِ الْأَثْرَمِ يُحْكَمُ عليه إذَا خَرَجَ قال لِأَنَّهُ صَارَ في حُرْمَةٍ كَمَنْ لَجَأَ إلَى الْحَرَمِ انتهى‏.‏

وَحَكَى الزَّرْكَشِيُّ كلامة في الْمُحَرَّرِ وقال وفي الْمُقْنِعِ إذَا امْتَنَعَ من الْحُضُورِ هل تُسْمَعُ الْبَيِّنَةُ وَيُحْكَمُ بها عليه على رِوَايَتَيْنِ مع أَنَّهُ قَطَعَ بِجَوَازِ الْحُكْمِ على الْغَائِبِ وَفِيهِ نَظَرٌ فَكَلَامُهُ مُخَالِفٌ لِكَلَامِ أبي الْبَرَكَاتِ فَعَلَى الْمَذْهَبِ ان وَجَدَ له مَالًا وَفَّاهُ الْحَاكِمُ منه وَإِلَّا قال لِلْمُدَّعِي ان عَرَفْت له مَالًا وَثَبَتَ عِنْدِي وَفَّيْتُك منه‏.‏

قَوْلُهُ‏:‏ وان ادَّعَى ان اباه مَاتَ عنه وَعَنْ اخ له غَائِبٍ وَلَهُ مَالٌ في يَدِ فُلَانٍ أو دَيْنٌ عليه فَأَقَرَّ الْمُدَّعَى عليه أو ثَبَتَتْ بِبَيِّنَةٍ سَلَّمَ إلَى الْمُدَّعِي نَصِيبَهُ وَأَخَذَ الْحَاكِمُ نَصِيبَ الْغَائِبِ فَحَفِظَهُ له‏.‏

اعْلَمْ ان الْحُكْمَ لِلْغَائِبِ مُمْتَنِعٌ قال في التَّرْغِيبِ لِامْتِنَاعِ سَمَاعِ الْبَيِّنَةِ له وَالْكِتَابَةِ له إلَى قَاضٍ آخَرَ لِيَحْكُمَ له بكتابة بِخِلَافِ الْحُكْمِ عليه اذا عَلِمْت ذلك فَيُتَصَوَّرُ الْحُكْمُ له على سَبِيلِ التَّبَعِيَّةِ كما مَثَّلَ الْمُصَنِّفُ هُنَا وَكَذَا لو كان الْأَخُ الاخر غير رَشِيدٍ فإذا حَكَمَ في هذه الْمَسْأَلَةِ واشباهها واخذ الْحَاضِرُ حِصَّتَهُ فَالْحَاكِمُ يَأْخُذُ نَصِيبَ الْغَائِبِ وَنَصِيبُ غَيْرُ الرَّشِيدِ يَحْفَظُهُ له على الصَّحِيحِ من الْمَذْهَبِ قال الشَّارِحُ هذا أَوْلَى وَجَزَمَ بِهِ في الْوَجِيزِ وَالْمُنَوِّرِ وَمُنْتَخَبِ الآدمي وَتَذْكِرَةِ ابن عبْدُوسٍ وَغَيْرِهِمْ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ إذَا كان الْمَالُ دَيْنًا ان يَتْرُكَ نَصِيبَ الْغَائِبِ في ذِمَّةِ الْغَرِيمِ حتى يَقْدَمَ الْغَائِبُ وَيَرْشُدَ السَّفِيهُ وهو وَجْهٌ لِبَعْضِ الْأصحاب قُلْت وَيُحْتَمَلُ انه يَتْرُكُ اذا كان مَلِيئًا‏.‏

فائدة‏:‏

تُعَادُ الْبَيِّنَةُ في الْإِرْثِ قَدَّمَهُ في الْفُرُوعِ وَذَكَرَهُ في الرِّعَايَةِ وزاد وَلَوْ أَقَامَ الْوَارِثُ الْبَيِّنَةَ نَقَلَهُ عنه في الْفُرُوعِ ولم أَرَ هذه الزِّيَادَةَ في الرِّعَايَتَيْنِ وَبَقِيَّةُ الْوَرَثَةِ غَيْرُ رَشِيدٍ اُنْتُزِعَ الْمَالُ من الْمُدَّعَى عليه لَهُمَا بِخِلَافِ الْغَائِبِ في اصح الْوَجْهَيْنِ وفي الْآخِرِ يُنْتَزَعُ ايضا وقال في الْمُغْنِي ان ادَّعَى احد الْوَكِيلَيْنِ الْوَكَالَةَ والاخر غَائِبٌ وَثَمَّ بَيِّنَةٌ حُكِمَ لَهُمَا فان حَضَرَ لم تَعُدْ الْبَيِّنَةُ كَالْحُكْمِ بِوَقْفٍ ثَبَتَ لِمَنْ لم يُخْلَقْ تَبَعًا لِمُسْتَحِقِّهِ الْآنَ وَتَقَدَّمَ ان سُؤَالَ بَعْضِ الْغُرَمَاءِ الْحَجْرَ كَسُؤَالِ الْكُلِّ قال في الْفُرُوعِ فَيُتَوَجَّهُ ان يُفِيدَ ان الْقَضِيَّةَ الْوَاحِدَةَ الْمُشْتَمِلَةَ على عَدَدٍ أو اعيان كَوَلَدِ الابوين في الْمُشْرِكَةِ ان الْحُكْمَ على وَاحِدٍ اوله يَعُمُّهُ وَغَيْرَهُ وَذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ رَحِمَهُ اللَّهُ الْمَسْأَلَةَ واخذها من دَعْوَى مَوْتِ مَوْرُوثِهِ وَحُكْمُهُ بان هذا يَسْتَحِقُّ هذا أو لِأَنَّ من وُقِفَ بِشَرْطٍ شَامِلٍ يَعُمُّ وَهَلْ حُكْمُهُ لِطَبَقَةٍ حُكْمٌ لِلثَّانِيَةِ وَالشَّرْطُ وَاحِدٌ رُدِّدَ النَّظَرُ على وَجْهَيْنِ ثُمَّ من ابداء ما يَجُوزُ ان يَمْنَعَ الاول من الْحُكْمِ عليه لو عَلِمَهُ فلثان ‏[‏فللثاني‏]‏ الدَّفْعُ بِهِ وَهَلْ هو نَقْضٌ للاول كَحُكْمٍ معني ‏[‏مغيا‏]‏ بِغَايَةٍ ام هو فَسْخٌ‏.‏

قَوْلُهُ‏:‏ وان ادَّعَى انسان ان الْحَاكِمَ حَكَمَ له بِحَقٍّ فَصَدَّقَهُ قُبِلَ قَوْلُ الْحَاكِمِ وَحْدَهُ اذا قال الْحَاكِمُ الْمَنْصُوبُ حَكَمْت لِفُلَانٍ على فُلَانٍ بِكَذَا وَنَحْوُهُ وَلَيْسَ اباه وَلَا ابْنَهُ قُبِلَ‏.‏

قَوْلُهُ‏:‏ على الصَّحِيحِ من الْمَذْهَبِ وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأصحاب وَقَطَعُوا بِهِ وَنَصَّ عليه الامام احمد رَحِمَهُ اللَّهُ وَسَوَاءٌ ذَكَرَ مُسْتَنَدَهُ أو لَا وَقِيلَ لَا يُقْبَلُ‏.‏

قَوْلُهُ‏:‏ وقال الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ رَحِمَهُ اللَّهُ‏.‏

قَوْلُهُ‏:‏مْ في كِتَابِ الْقَاضِي اخباره بِمَا ثَبَتَ بِمَنْزِلَةِ شُهُودِ الْفَرْعِ يُوجِبُ ان لَا يُقْبَلَ‏.‏

قَوْلُهُ‏:‏ في الثُّبُوتِ الْمُجَرَّدِ إذْ لو قُبِلَ خَبَرُهُ لَقُبِلَ كِتَابُهُ واولى قال وَيَجِبُ ان يُقَالَ إنْ قال ثَبَتَ عِنْدِي فَهُوَ كَقَوْلِهِ حَكَمْت في الاخبار وَالْكِتَابِ وان قال شهد ‏[‏شهدت‏]‏ أو اقر عِنْدِي فُلَانٌ فَكَالشَّاهِدَيْنِ سَوَاءٌ انتهى‏.‏

وَتَقَدَّمَ ما اذا اخبر بَعْدَ عَزْلِهِ انه كان حَكَمَ لِفُلَانٍ بِكَذَا في وِلَايَتِهِ في اخر بَابِ ادب الْقَاضِي وَهُنَاكَ بَعْضُ فُرُوعٍ تَتَعَلَّقُ بهذا‏.‏

قَوْلُهُ‏:‏ وان لم يذكر الْحَاكِمُ ذلك فَشَهِدَ عَدْلَانِ انه حَكَمَ له بِهِ قُبِلَ شَهَادَتُهُمَا وامضى الْقَضَاءَ وهو الْمَذْهَبُ وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأصحاب وَقَطَعُوا بِهِ منهم صَاحِبُ الْوَجِيزِ وَغَيْرُهُ وَقَدَّمَهُ في الْفُرُوعِ وَذَكَرَ ابن عقِيلٍ ان الْحَاكِمَ اذا شَهِدَ عِنْدَهُ اثْنَانِ انه حَكَمَ لِفُلَانٍ انه لَا يَقْبَلُهُمَا‏.‏

تنبيه‏:‏

مُرَادُ الأصحاب على الاول اذا لم يَتَيَقَّنْ صَوَابَ نَفْسِهِ فان تَيَقَّنَ صَوَابَ نَفْسِهِ لم يَقْبَلْهُمَا ولم يُمْضِهِ قَالَهُ في الْفُرُوعِ وقال لانهم احْتَجُّوا بِقِصَّةِ ذِي الْيَدَيْنِ وَذَكَرُوا هُنَاكَ لو تَيَقَّنَ صَوَابَ نَفْسِهِ لم يَقْبَلْهُمَا وَاحْتَجُّوا ايضا بِقَوْلِ الاصل الْمُحَدِّثِ الرَّاوِي عنه لَا ادري وَذَكَرُوا هُنَاكَ لو كَذَّبَهُ لم يَقْدَحْ في عَدَالَتِهِ ولم يَعْمَلْ بِهِ وَدَلَّ ان قَوْل ابن عَقِيلٍ هُنَا قِيَاسُ الرِّوَايَةِ الْمَذْكُورَةِ في الدَّلِيلَيْنِ‏.‏

قَوْلُهُ‏:‏ وَكَذَلِكَ ان شَهِدَ ان فُلَانًا وَفُلَانًا شَهِدَا عِنْدَك بِكَذَا وَكَذَا قَبِلَ شَهَادَتِهِمَا بِلَا نِزَاعٍ وان لم يَشْهَدْ بِهِ أُحُدٌ لَكِنْ وَجَدَهُ في قِمْطَرِهِ في صَحِيفَةٍ تَحْتَ خَتْمِهِ بِخَطِّهِ فَهَلْ يُنْفِذُهُ على رِوَايَتَيْنِ وأطلقهما في الشَّرْحِ وَشَرْحِ ابن منجا وَالْهِدَايَةِ وَالْمُذْهَبِ وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ وَالْمُسْتَوْعِبِ وَالْخُلَاصَةِ احداهما ليس له تَنْفِيذُهُ وهو الْمَذْهَبُ ذَكَرَهُ الْقَاضِي وأصحابه وَذَكَرَ في التَّرْغِيبِ انه الاشهر كَخَطِّ ابيه بِحُكْمٍ أو شَهَادَةٍ لم يَشْهَدْ ولم يَحْكُمْ بها إجْمَاعًا وَقَدَّمَهُ في الْفُرُوعِ وَالْحَاوِي وَالرِّعَايَتَيْنِ وَالرِّوَايَةُ‏.‏

الثَّانِيَةُ‏:‏ يُنْفِذُهُ وَعَنْهُ يُنْفِذُهُ سَوَاءٌ كان في قِمْطَرِهِ أو لَا اخْتَارَهُ في التَّرْغِيبِ وَجَزَمَ بِهِ في الْوَجِيزِ وَمُنْتَخَبِ الادمي الْبَغْدَادِيِّ وَالْمُنَوِّرِ وَقَدَّمَهُ في الْمُحَرَّرِ وَالنَّظْمِ قُلْت وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ‏.‏

قَوْلُهُ‏:‏ وَكَذَلِكَ الشَّاهِدُ اذا رَأَى خطة في كِتَابٍ بِشَهَادَةٍ ولم يَذْكُرْهَا فَهَلْ له ان يَشْهَدَ على رِوَايَتَيْنِ وأطلقهما في الْهِدَايَةِ وَالْمُذَهَّبِ وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ وَالْمُسْتَوْعِبِ وَالْخُلَاصَةِ احداهما ليس له ان يَشْهَدَ وهو الصَّحِيحُ من الْمَذْهَبِ وَذَكَرَهُ الْقَاضِي وأصحابه الْمَذْهَبُ وَذَكَرَ في التَّرْغِيبِ انه الاشهر وَقَدَّمَهُ في الْفُرُوعِ وَالْحَاوِي وَالرِّعَايَتَيْنِ وَالرِّوَايَةُ‏.‏

الثَّانِيَةُ‏:‏ له ان يَشْهَدَ اذا حَرَّرَهُ والا فَلَا وَعَنْهُ له ان يَشْهَدَ مُطْلَقًا اخْتَارَهُ في التَّرْغِيبِ وَجَزَمَ بِهِ في الْوَجِيزِ وَمُنْتَخَبِ الادمي وَالْمُنَوِّرِ وَقَدَّمَهُ في الْمُحَرَّرِ وَالنَّظْمِ‏.‏

فائدة‏:‏

من عَلِمَ الْحَاكِمُ منه انه لَا يُفَرِّقُ بين ان يُذَكَّرَ أو يَعْتَمِدَ على مَعْرِفَةِ الْخَطِّ يَتَجَوَّزُ بِذَلِكَ لم يَجُزْ قَبُولُ شَهَادَتِهِ وَلَهُمَا حُكْمُ الْمُغَفَّلِ أو الْمُمَخْرَقِ وان لم يَتَحَقَّقْ لم يَجُزْ ان يَسْأَلَهُ عنه وَلَا يَجِبُ ان يُخْبِرَهُ بِالصِّفَةِ ذَكَرَه ابن الزَّاغُونِيِّ وَقَدَّمَهُ في الْفُرُوعِ وقال ابو الْخَطَّابِ لَا يَلْزَمُ الْحَاكِمَ سُؤَالُهُمَا عن ذلك وَلَا يَلْزَمُهُمَا جَوَابُهُ وقال أبو الْوَفَاءِ اذا عَلِمَ تَجَوُّزَهُمَا فَهُمَا كَمُغَفَّلٍ ولم يَجُزْ قَبُولُهُمَا‏.‏

قَوْلُهُ‏:‏ وَمَنْ كان له على انسان حَقٌّ ولم يُمْكِنْهُ اخذه بِالْحَاكِمِ وَقَدَّرَ له على مَالٍ لم يَجُزْ له ان ياخذ قَدْرَ حَقِّهِ نَصَّ عليه وَاخْتَارَهُ عَامَّةُ شُيُوخِنَا وهو الْمَذْهَبُ نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ عن الامام احمد رَحِمَهُ اللَّهُ قال الْمُصَنِّفُ وَالشَّارِحُ هذا الْمَشْهُورُ في الْمَذْهَبِ قال الزَّرْكَشِيُّ هذا الْمَذْهَبُ الْمَنْصُوصُ الْمَشْهُورُ وَجَزَمَ بِهِ في الْوَجِيزِ والخرقى وَغَيْرِهِمَا وَقَدَّمَهُ في الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ من الْمُحَدِّثِينَ إلَى جَوَازِ ذلك وَحَكَاهُ ابن عقِيلٍ عن الْمُحَدِّثِينَ من الأصحاب وهو رِوَايَةٌ عن الامام احمد رَحِمَهُ اللَّهُ وَخَرَّجَهُ ابو الْخَطَّابِ وَتَبِعَهُ جَمَاعَةٌ من الأصحاب من قَوْلِ الامام احمد رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في الْمُرْتَهِنِ يَرْكَبُ وَيَحْلِبُ بِقَدْرِ ما يُنْفِقُ عليه وَالْمَرْأَةُ تَأْخُذُ مُؤْنَتَهَا وَالْبَائِعُ لِلسِّلْعَةِ يَأْخُذُهَا من مَالِ الْمُفْلِسِ بِغَيْرِ رِضَاهُ وَخَرَّجَهُ في الْمُحَرَّرِ وَغَيْرِهِ من تَنْفِيذِ الْوَصِيِّ الْوَصِيَّةَ مِمَّا في يَدِهِ اذا كَتَمَ الْوَرَثَةُ بَعْضَ التَّرِكَةِ قال الزَّرْكَشِيُّ وهو اظهر في التَّخْرِيجِ فَعَلَى هذا ان قَدَرَ على حَبْسِ حَقِّهِ اخذ بِقَدْرِهِ والا قَوَّمَهُ واخذ بِقَدْرِهِ مُتَحَرِّيًا لِلْعَدْلِ في ذلك لِحَدِيثِ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم لِهِنْدٍ زَوْجِ ابي سُفْيَانَ رضي اللَّهُ عنهما خُذِي ما يَكْفِيك وَوَلَدَك بِالْمَعْرُوفِ وَلِقَوْلِهِ عليه افضل الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ الرَّهْنُ مَرْكُوبٌ وَمَحْلُوبٌ وَجَزَمَ بِهِ في الْهِدَايَةِ وَالْمُحَرَّرِ وَغَيْرِهِمَا وَذَكَرَ في الْوَاضِحِ انه لَا يَأْخُذُ إلَّا من جِنْسِ حَقِّهِ وَهُمَا احْتِمَالَانِ في الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ مُطْلَقَانِ قال في الْقَوَاعِدِ الاصولية وَخَرَّجَ بَعْضُ أصحابنا الْجَوَازَ رِوَايَةً عن الامام احمد رَحِمَهُ اللَّهُ من جَوَازِ اخذ الزَّوْجَةِ من مَالِ زَوْجِهَا نَفَقَتَهَا وَنَفَقَةَ وَلَدِهَا بِالْمَعْرُوفِ وقد نَصَّ الامام احمد رَحِمَهُ اللَّهُ على التَّفْرِيقِ بَيْنَهُمَا فَلَا يَصِحُّ التَّخْرِيجُ وَأَشَارَ إلَى الْفَرْقِ بِأَنَّ الْمَرْأَةَ تَأْخُذُ من بَيْتِ زَوْجِهَا يَعْنِي ان لها يَدًا وَسُلْطَانًا على ذلك وَسَبَبُ النَّفَقَةِ ثَابِتٌ وهو الزَّوْجِيَّةُ فَلَا تُنْسَبُ بِالْأَخْذِ إلَى خِيَانَةٍ وَكَذَلِكَ اباح في رِوَايَةٍ عنه اخذ الضَّيْفِ من مَالِ من نَزَلَ بِهِ ولم يُقْرَ بِقَدْرِ قِرَاهُ وَمَتَى ظَهَرَ السَّبَبُ لم يُنْسَبْ الْآخِذُ إلَى خِيَانَةٍ وَعَكَسَ ذلك بَعْضُ الأصحاب وقال اذا ظَهَرَ السَّبَبُ لم يَجُزْ الاخذ بِغَيْرِ اذن لامكان اقامة الْبَيِّنَةِ عليه بِخِلَافِ ما إذَا خَفِيَ وقد ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ وَالشَّارِحُ في ذلك اربع فُرُوقٍ‏.‏

فائدة‏:‏

قال الْقَاضِي ابو يَعْلَى في قَوْلِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم لِهِنْدٍ خُذِي ما يَكْفِيك وَوَلَدَك بِالْمَعْرُوفِ هو حُكْمٌ لَا فُتْيَا وَاخْتَلَفَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ فيه فتاره قَطَعَ بِأَنَّهُ حُكْمٌ وَتَارَةً قَطَعَ بِأَنَّهُ فُتْيَا قال الزَّرْكَشِيُّ وَالصَّوَابُ انه فُتْيَا‏.‏

تَنْبِيهَاتٌ‏:‏

أَحَدُهَا حَيْثُ جَوَّزْنَا الاخذ بِغَيْرِ اذن فَيَكُونُ في الْبَاطِنِ قَالَهُ في الْمُحَرَّرِ وَالْفُرُوعِ وَغَيْرِهِمَا وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا جَوَازُ الاخذ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا والاصول التي خَرَّجَ عليها ابو الْخَطَّابِ وَالْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُمَا من حديث هِنْدٍ وَحَلْبِ الرَّهْنِ وَرُكُوبِهِ تَشْهَدُ لِذَلِكَ وألأصول التي خَرَّجَ عليها صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ تَقْتَضِي ما قَالَهُ الثَّانِي مَفْهُومُ قَوْلِهِ ولم يُمْكِنْهُ اخذه بِالْحَاكِمِ انه اذا قَدَرَ على اخذه بِالْحَاكِمِ لم يَجُزْ له اخذ قَدْرِ حَقِّهِ اذا قَدَرَ عليه وهو صَحِيحٌ وهو الْمَذْهَبُ وَعَنْهُ في الضَّيْفِ يَأْخُذُ وان قَدَرَ على اخذه بِالْحَاكِمِ وَظَاهِرُ الْوَاضِحِ يَأْخُذُ الضَّيْفُ وَغَيْرُهُ وان قَدَرَ على اخذه بِالْحَاكِمِ قال في الْفُرُوعِ وهو ظَاهِرُ ما خَرَّجَهُ ابو الْخَطَّابِ في نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ وَالرَّهْنُ مَرْكُوبٌ وَمَحْلُوبٌ وَأَخَذَ سِلْعَتَهُ من الْمُفْلِسِ وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ رَحِمَهُ اللَّهُ جَوَازَ الاخذ وَلَوْ قَدَرَ على اخذه بِالْحَاكِمِ في الْحَقِّ الثَّابِتِ بِإِقْرَارٍ أو بَيِّنَةٍ أو كان سَبَبُ الْحَقِّ ظَاهِرًا قال في الْفُرُوعِ وهو ظَاهِرُ كَلَامِ بن شِهَابٍ وَغَيْرِهِ‏.‏

الثَّالِثَةُ‏:‏ مَحَلُّ الْخِلَافِ في هذه الْمَسْأَلَةِ إذَا لم يَكُنْ الْحَقُّ الذي في ذِمَّتِهِ قد أَخَذَهُ قَهْرًا فَأَمَّا إنْ كان قد غَصَبَ مَالَهُ فَيَجُوزُ له الْأَخْذُ بِقَدْرِ حَقِّهِ ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ رَحِمَهُ اللَّهُ وَغَيْرُهُ وقال ليس هذا من هذا الْبَابِ وقال في الْفُنُونِ من شَهِدَتْ له بَيِّنَةٌ بِمَالٍ لَا عِنْدَ حَاكِمٍ اخذه وَقِيلَ لَا كَقَوَدٍ في الْأَصَحِّ وَمَحَلُّ الْخِلَافِ ايضا اذا كان عَيْنُ مَالِهِ قد تَعَذَّرَ اخذه فَأَمَّا ان قَدَرَ على عَيْنِ مَالِهِ اخذه قَهْرًا زَادَ في التَّرْغِيبِ ما لم يُفِضْ إلَى فِتْنَةٍ قال وَلَوْ كان لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا على الاخر دَيْنٌ من غَيْرِ جِنْسِهِ فَجَحَدَ احدهما فَلَيْسَ للاخر ان يَجْحَدَ وَجْهًا وَاحِدًا لانه كَبَيْعِ دَيْنٍ بِدَيْنٍ لَا يَجُوزُ وَلَوْ رَضِيَا انتهى‏.‏

فائدة‏:‏

لو كان له دَيْنٌ على شَخْصٍ فَجَحَدَهُ جَازَ له اخذ قَدْرِ حَقِّهِ وَلَوْ من غَيْرِ جِنْسِهِ على الصَّحِيحِ من الْمَذْهَبِ وهو من الْمُفْرَدَاتِ قال نَاظِمُهَا‏:‏

وَمَعْ مُجَرَّدِ الدَّيْنِ لَا بِالظَّفَرْ *** يُؤْخَذُ من جِنْسِهِ في الأشهر

قَوْلُهُ‏:‏ وَحُكْمُ الْحَاكِمِ لَا يُزِيلُ الشَّيْءَ عن صِفَتِهِ في الْبَاطِنِ وهو الْمَذْهَبُ وَعَلَيْهِ الأصحاب وَذَكَرَ ابن أبي موسى رِوَايَةً عنه انه يُزِيلُ الْعُقُودَ وَالْفُسُوخَ وَذَكَرَهَا ابو الْخَطَّابِ قال في الْفُرُوعِ وَحَكَى عنه بِحِيلَةٍ في عَقْدٍ وَفَسْخٍ مُطْلَقًا وأطلقهما في الْوَسِيلَةِ قال الامام احمد رَحِمَهُ اللَّهُ الاهل اكثر من الْمَالِ وقال في الْفُنُونِ ان حَنْبَلِيًّا نَصَرَهَا فَاعْتَبَرَهَا بِاللِّعَانِ وَعَنْهُ يُرْسِلُهُ في مُخْتَلَفٍ فيه قبل الْحُكْمِ قَطَعَ بِهِ في الْوَاضِحِ وَغَيْرِهِ قال في الْمُحَرَّرِ حُكْمُ الْحَاكِمِ لَا يُحِيلُ الشَّيْءَ عن وَصْفِهِ في الْبَاطِنِ الا في امر مُخْتَلَفٍ فيه قبل الْحُكْمِ فانه على رِوَايَتَيْنِ قال في الرِّعَايَتَيْنِ بَعْدَ أَنْ حَكَى الرِّوَايَتَيْنِ في الاول وَقِيلَ هُمَا في امر مُخْتَلَفٍ فيه قبل الْحُكْمِ فَعَلَى هذه الرِّوَايَةِ لو حَكَمَ حَنَفِيٌّ لِحَنْبَلِيٍّ أو لِشَافِعِيٍّ بِشُفْعَةِ جِوَارٍ فَوَجْهَانِ وأطلقهما في الْفُرُوعِ وَمَنْ حَكَمَ لِمُجْتَهِدٍ أو عليه بِمَا يُخَالِفُ اجْتِهَادَهُ عَمِلَ بَاطِنًا بِالْحُكْمِ ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَقِيلَ بِاجْتِهَادِهِ وان بَاعَ حَنْبَلِيٌّ مَتْرُوكَ التَّسْمِيَةِ فَحَكَمَ بِصِحَّتِهِ شَافِعِيٌّ نَفَذَ عِنْدَ أصحابنا خِلَافًا لابي الْخَطَّابِ قال ابن نَصْرِ اللَّهِ في حَوَاشِيهِ قَوْلُ ابي الْخَطَّابِ اظهر اذ كَيْفَ يَحْكُمُ له بِمَا لَا يَسْتَحِلُّهُ فإنه ان كان مُجْتَهِدًا لَزِمَهُ الْعَمَلُ بِاجْتِهَادِهِ وان كان مُقَلِّدًا لَزِمَهُ الْعَمَلُ بِقَوْلِ من قَلَّدَهُ فَكَيْفَ يَلْزَمُهُ شَيْءٌ وَلَا يَلْزَمُهُ فَيَجْتَمِعُ الضِّدَّانِ الا ان يُرَادَ وَيَلْزَمُهُ الِانْقِيَادُ لِلْحُكْمِ ظَاهِرًا وَالْعَمَلُ بِضِدِّهِ بَاطِنًا كَالْمَرْأَةِ التي تَعْتَقِدُ انها مُحَرَّمَةٌ على زَوْجِهَا وهو يُنْكِرُ ذلك لَكِنْ في جَوَازِ اقدام الْحَاكِمِ على الْحُكْمِ بِذَلِكَ لمن يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَهُ نَظَرٌ لانه الزام له بِفِعْلِ مُحَرَّمٍ لَا سِيَّمَا على قَوْلِ من يقول كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ انتهى‏.‏

فوائد‏:‏

الاولى قال في الِانْتِصَارِ مَتَى عَلِمَ الْبَيِّنَةَ كَاذِبَةً لم يَنْفُذْ وان بَاعَ مَالَهُ في دَيْنٍ ثَبَتَ ببينة ‏[‏بينة‏]‏ زُورٍ فَفِي نُفُوذِهِ مَنْعٌ وَتَسْلِيمٌ قال الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ رَحِمَهُ اللَّهُ هل يُبَاحُ له بِالْحُكْمِ ما اعْتَقَدَ تَحْرِيمَهُ قبل الْحُكْمِ فيه رِوَايَتَانِ وفي حِلِّ ما اخذه وَغَيْرُهُ بِتَأْوِيلٍ أو مع جَهْلِهِ رِوَايَتَانِ وان رَجَعَ الْمُتَأَوِّلُ فَاعْتَقَدَ التَّحْرِيمَ رِوَايَتَانِ بِنَاءً على ثُبُوتِ الْحُكْمِ قبل بُلُوغِ الْخِطَابِ قال واصحهما حِلُّهُ كَالْحَرْبِيِّ بَعْدَ اسلامه واولى وَجَعَلَ من ذلك وَضْعُ طَاهِرٍ في اعْتِقَادِهِ في مَائِعٍ لِغَيْرِهِ قال في الْفُرُوعِ وَفِيهِ نَظَرٌ وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ ان اسلم بِدَارِ الْحَرْبِ وَعَامَلَ بربي ‏[‏بربا‏]‏ جَاهِلًا رَدَّهُ وقال في الِانْتِصَارِ وَيُحَدُّ لِزِنًا‏.‏

الثَّانِيَةُ‏:‏ من حُكِمَ له بِبَيِّنَةِ زُورٍ بِزَوْجِيَّةِ امْرَأَةٍ حَلَّتْ له حُكْمًا فَإِنْ وطىء مع الْعِلْمِ فكزنى ‏[‏فكزنا‏]‏ على الصَّحِيحِ من الْمَذْهَبِ وَقِيلَ لَا حَدَّ وَيَصِحُّ نِكَاحُهَا لِغَيْرِهِ خِلَافًا لِلْمُصَنِّفِ وان حُكِمَ بِطَلَاقِهَا ثَلَاثًا بِشُهُودِ زُورٍ فَهِيَ زَوْجَتُهُ بَاطِنًا وَيُكْرَهُ له اجْتِمَاعُهُ بها ظَاهِرًا خَوْفًا من مَكْرُوهٍ يَنَالُهُ وَلَا يَصِحُّ نِكَاحُهَا غَيْرَهُ مِمَّنْ يَعْلَمُ الْحَالَ ذَكَرَهُ الأصحاب وَنَقَلَهُ احمد بن الْحَسَنِ قال الْمُصَنِّفُ في الْمُغْنِي ان انْفَسَخَ بَاطِنًا جَازَ وَكَذَا قال في عُيُونِ الْمَسَائِلِ على الرِّوَايَةِ الثَّالِثَةِ تَحِلُّ لِلزَّوْجِ الثَّانِي وَتَحْرُمُ على الاول بهذا الْحُكْمِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا‏.‏

الثَّالِثَةُ‏:‏ لو رَدَّ الْحَاكِمُ شَهَادَةَ وَاحِدٍ بِرَمَضَانَ لم يُؤَثِّرْ كَمِلْكٍ مُطْلَقٍ واولى لانه لَا مَدْخَلَ لِحُكْمِهِ في عِبَادَةٍ وَوَقْتٍ وانما هو فَتْوَى فَلَا يُقَالُ حُكِمَ بِكَذِبِهِ أو بِأَنَّهُ لم يَرَهُ وَلَوْ سَلَّمَ ان له مَدْخَلًا فَهُوَ مَحْكُومٌ بِهِ في حَقِّهِ من رَمَضَانَ فلم يُغَيِّرْهُ حُكْمٌ ولم تُؤَثِّرْ شُبْهَةٌ لان الْحُكْمَ يُغَيَّرُ اذا اعْتَقَدَ الْمَحْكُومُ عليه انه حُكْمٌ وَهَذَا يَعْتَقِدُ خَطَأَهُ كَمُنْكِرَةِ نِكَاحِ مُدَّعٍ تَيَقُّنَهُ فَشَهِدَ له فَاسِقَانِ فَرُدَّا ذكره في الِانْتِصَارِ وقال الْمُصَنِّفُ في الْمُغْنِي رَدُّهُ ليس بِحُكْمٍ هُنَا لِتَوَقُّفِهِ في الْعَدَالَةِ وَلِهَذَا لو ثَبَتَ حُكْمٌ قال الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ رَحِمَهُ اللَّهُ امور الدِّينِ وَالْعِبَادَاتِ الْمُشْتَرَكَةِ بين الْمُسْلِمِينَ لَا يَحْكُمُ فيها الا اللَّهُ وَرَسُولُهُ اجماعا وَذَكَرَهُ الْقَرَافِيُّ قال في الْفُرُوعِ فَدَلَّ ان اثبات سَبَبِ الْحُكْمِ كَرُؤْيَةِ الْهِلَالِ وَالزَّوَالُ ليس بِحُكْمٍ فَمَنْ لم يَرَهُ سَبَبًا لم يَلْزَمْهُ شَيْءٌ وَعَلَى ما ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ رَحِمَهُ اللَّهُ وَغَيْرُهُ في رُؤْيَةِ الْهِلَالِ أَنَّهُ حُكْمٌ وقال الْقَاضِي في الْخِلَافِ يَجُوزُ أَنْ يَخْتَصَّ الْوَاحِدُ بِرُؤْيَةٍ كَالْبَعْضِ‏.‏

الرَّابِعَةُ‏:‏ لو رُفِعَ إلَيْهِ حُكْمٌ في مُخْتَلَفٍ فيه لَا يَلْزَمُهُ نَقْضُهُ لِيُنْفِذَهُ لَزِمَهُ تَنْفِيذُهُ على الصَّحِيحِ من الْمَذْهَبِ قال في الْفُرُوعِ لَزِمَهُ في الْأَصَحِّ وَجَزَمَ بِهِ في الْمُحَرَّرِ وَالنَّظْمِ وَالرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِي وَالْمُنَوِّرِ وَتَذْكِرَةِ ابن عبْدُوسٍ وَغَيْرِهِمْ قال في الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى لَزِمَهُ ذلك قُلْت مع عَدَمِ نَصِّ مُعَارَضَةٍ وَقِيلَ لَا يَلْزَمُهُ وَقِيلَ يَحْرُمُ تَنْفِيذُهُ إنْ لم يَرَهُ وَكَذَا الْحُكْمُ لو كان نَفْسُ الْحُكْمِ مُخْتَلَفًا فيه كَحُكْمِهِ بِعِلْمِهِ وَنُكُولِهِ وَشَاهِدٍ وَيَمِينٍ على الصَّحِيحِ من الْمَذْهَبِ قَدَّمَهُ في الْفُرُوعِ وقال في الْمُحَرَّرِ فَإِنْ كان الْمُخْتَلِفُ فيه نَفْسُ الْحُكْمِ لم يَلْزَمْهُ تَنْفِيذُهُ إلَّا أَنْ يَحْكُمَ بِهِ حَاكِمٌ آخَرُ قَبْلَهُ وَجَزَمَ بِهِ في النَّظْمِ وَالرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ وَالْمُنَوِّرِ وَغَيْرِهِمْ قال ابن نَصْرِ اللَّهِ في حَوَاشِي الْفُرُوعِ الْحُكْمُ بِالنُّكُولِ وَالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ هو الْمَذْهَبُ فَكَيْفَ لَا يَلْزَمُهُ تَنْفِيذُهُ على قَوْلِ الْمُحَرَّرِ إذْ لو كان أَصْلُ الدَّعْوَى عِنْدَهُ لَزِمَهُ الْحُكْمُ بها وَإِنَّمَا يَتَوَجَّهُ ذلك وهو عَدَمُ لُزُومِ التَّنْفِيذِ لِحُكْمٍ مُخْتَلِفٍ فيه إذَا كان الْحَاكِمُ الذي رَفَعَ إلَيْهِ الْحُكْمَ الْمُخْتَلَفَ فيه لَا يَرَى صِحَّةَ الْحُكْمِ كَالْحُكْمِ بِعِلْمِهِ لان التَّنْفِيذَ يَتَضَمَّنُ الْحُكْمَ بِصِحَّةِ الْحُكْمِ الْمُنَفَّذِ اذا كان لَا يَرَى صِحَّتَهُ لم يَلْزَمْهُ الْحُكْمُ بِصِحَّتِهِ انتهى‏.‏

وقال الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ رَحِمَهُ اللَّهُ اذا صَادَفَ حُكْمَهُ مُخْتَلَفًا فيه لم يَعْلَمْهُ ولم يَحْكُمْ فيه جَازَ نَقْضُهُ‏.‏

الْخَامِسَةُ‏:‏ قال شَارِحُ الْمُحَرَّرِ هُنَا نَفْسُ الْحُكْمِ في شَيْءٍ لَا يَكُونُ حُكْمًا بِصِحَّةِ الْحُكْمِ فيه لَكِنْ لو نَفَذَهُ حَاكِمٌ آخَرُ لَزِمَهُ انفاذه لان الْحُكْمَ الْمُخْتَلَفَ فيه صَارَ مَحْكُومًا بِهِ فَلَزِمَ تَنْفِيذُهُ كَغَيْرِهِ قال شَيْخُنَا الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ بن قُنْدُسٍ الْبَعْلِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ قد فُهِمَ من كَلَامِ الشَّارِحِ ان التَّنْفِيذَ حُكْمٌ لانه قال لو نَفَّذَهُ حَاكِمٌ اخر لَزِمَهُ تَنْفِيذُهُ لان الْحُكْمَ الْمُخْتَلَفَ فيه صَارَ مَحْكُومًا بِهِ وَإِنَّمَا صَارَ مَحْكُومًا بِهِ بِالتَّنْفِيذِ لانه لم يَحْكُمْ بِهِ وانما نَفَّذَهُ فَجَعَلَ التَّنْفِيذَ حُكْمًا وَكَذَلِكَ فَسَّرَ التَّنْفِيذَ بِالْحُكْمِ في شَرْحِ الْمُقْنِعِ الْكَبِيرِ فإنه قال عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فَهَلْ يُنَفِّذُهُ على رِوَايَتَيْنِ احداهما يُنَفِّذُهُ وَعَلَّلَهُ بانه حُكْمُ حَاكِمٍ لم يَعْلَمْهُ فلم يَجُزْ انفاذه الا بِبَيِّنَةٍ وَالرِّوَايَةُ‏.‏

الثَّانِيَةُ‏:‏ يَحْكُمُ بِهِ فَفَسَّرَ رِوَايَةَ التَّنْفِيذِ بِالْحُكْمِ لَكِنْ قال في مَسْأَلَةِ ما اذا ادَّعَى ان الْحَاكِمَ حَكَمَ له بِحَقٍّ فذكر الْحَاكِمُ حُكْمَهُ امضاه والزم خَصْمَهُ بِمَا حَكَمَ بِهِ عليه وَلَيْسَ هذا حُكْمًا بِالْعِلْمِ وانما هو امضاء لِحُكْمِهِ السَّابِقِ فَصَرَّحَ انه ليس حُكْمًا مع ان رِوَايَةَ التَّنْفِيذِ الْمُتَقَدِّمَةِ التي فَسَّرَهَا بِالْحُكْمِ انما هِيَ امضاء لِحُكْمِهِ الذي وَجَدَهُ في قِمْطَرِهِ فَهُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ وقد ذَكَرُوا في السِّجِلِّ انه لانفاذ ما ثَبَتَ عِنْدَهُ وَالْحُكْمِ بِهِ وانما يُكْتَبُ وان الْقَاضِيَ امضاه وَحَكَمَ بِهِ على ما هو الْوَاجِبُ في مِثْلِهِ وَنَفَّذَهُ واشهد الْقَاضِي فُلَانٌ على انفاذه وَحُكْمِهِ وامضائه من حَضَرَهُ من الشُّهُودِ فَذَكَرُوا الانفاذ وَالْحُكْمَ والامضاء وَذَكَرُوا انه يُكْتَبُ على كل نُسْخَةٍ من النُّسْخَتَيْنِ انها حُجَّةٌ فِيمَا انفذه فيها فَدَلَّ على ان الانفاذ حُكْمٌ لانهم اكْتَفَوْا بِهِ عن الْحُكْمِ والامضاء وَالْمُرَادُ الْكُلُّ انتهى‏.‏

كَلَامُ شَيْخِنَا وقال ابن نَصْرِ اللَّهِ في حَوَاشِي الْفُرُوعِ لم يَتَعَرَّضْ الأصحاب لِلتَّنْفِيذِ هل هو حُكْمٌ ام لَا وَالظَّاهِرُ انه ليس بِحُكْمٍ لان الْحُكْمَ بِالْمَحْكُومِ بِهِ تَحْصِيلٌ لِلْحَاصِلِ وهو مُحَالٌ وانما هو عَمَلٌ بِالْحُكْمِ وامضاء له كَتَنْفِيذِ الْوَصِيَّةِ واجازة له فَكَأَنَّهُ يُجِيزُ هذا الْمَحْكُومَ بِهِ بِعَيْنِهِ لِحُرْمَةِ الْحُكْمِ وان كان ذلك الْمَحْكُومُ بِهِ من جِنْسٍ غَيْرِ جَائِزٍ عِنْدَهُ انتهى‏.‏

وقال في مَوْضِعٍ آخَرَ لان التَّنْفِيذَ يَتَضَمَّنُ الْحُكْمَ بِصِحَّةِ الْحُكْمِ الْمُنَفَّذِ انتهى‏.‏

وَتَقَدَّمَ في اخر الْبَابِ الذي قَبْلَهُ هل الثُّبُوتُ حُكْمٌ أَمْ لَا‏.‏

السَّادِسَةُ‏:‏ لو رَفَعَ إلَيْهِ خَصْمَانِ عَقْدًا فَاسِدًا عِنْدَهُ فَقَطْ واقرا بِأَنَّ نَافِذَ الْحُكْمِ حَكَمَ بِصِحَّتِهِ فَلَهُ الزامهما ذلك وَرَدُّهُ وَالْحُكْمُ بِمَذْهَبِهِ ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَاقْتَصَرَ عليه في الْمُحَرَّرِ وَالْفُرُوعِ وَغَيْرِهِمَا وقال الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ رَحِمَهُ اللَّهُ قد يُقَالُ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ انه كَالْبَيِّنَةِ ثُمَّ ذَكَرَ انه كَالْبَيِّنَةِ ان عَيَّنَا الْحَاكِمَ‏.‏

السَّابِعَةُ‏:‏ لو قَلَّدَ في صِحَّةِ نِكَاحٍ لم يُفَارِقْ بِتَغَيُّرِ اجْتِهَادِهِ كَحُكْمٍ على الصَّحِيحِ من الْمَذْهَبِ وَقِيلَ بَلَى كَمُجْتَهِدٍ نَكَحَ ثُمَّ رَأَى بُطْلَانَهُ في اصح الْوَجْهَيْنِ فيه وَقِيلَ ما لم يَحْكُمْ بِهِ حَاكِمٌ وَلَا يَلْزَمُهُ اعلامه بِتَغَيُّرِهِ في اصح الْوَجْهَيْنِ الثَّامِنَةُ لو بَانَ خَطَؤُهُ في اتلاف بِمُخَالَفَةِ دَلِيلٍ قَاطِعٍ ضَمِنَ لَا مُسْتَفْتِيه وفي تَضْمِينِ مُفْتٍ ليس اهلا وَجْهَانِ وأطلقهما في الْفُرُوعِ وَاخْتَارَ بن حَمْدَانَ في كِتَابِهِ ادب الْمُفْتِي وَالْمُسْتَفْتِي انه لَا ضَمَانَ عليه قال ابن الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ في اعلام الْمُوَقِّعِينَ في الْجُزْءِ الاخير ولم اعرف هذا الْقَوْلَ لِأَحَدٍ قبل ابن حَمْدَانَ ثُمَّ قال قُلْت خَطَأُ الْمُفْتِي كخطأ ‏[‏خطأ‏]‏ الْحَاكِمِ أو الشَّاهِدِ التَّاسِعَةُ لو بَانَ بَعْدَ الْحُكْمِ كُفْرُ الشُّهُودِ أو فِسْقُهُمْ لَزِمَهُ نَقْضُهُ وَيَرْجِعُ بِالْمَالِ أو بَدَلَهُ وَبَدَلَ قَوَدٍ مستوفى على الْمَحْكُومِ له وان كان الْحُكْمُ لِلَّهِ باتلاف حِسِّيٍّ أو بِمَا سَرَى إلَيْهِ ضَمِنَهُ مُزَكُّونَ على الصَّحِيحِ من الْمَذْهَبِ قَدَّمَهُ في الْمُحَرَّرِ وَالْفُرُوعِ وَالنَّظْمِ وَالرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِي وَغَيْرِهِمْ وقال الْقَاضِي وَصَاحِبُ الْمُسْتَوْعِبِ يَضْمَنُهُ الْحَاكِمُ لِعَدَمِ مُزَكٍّ وَفِسْقِهِ وَقِيلَ يَضْمَنُ أَيَّهمَا شَاءَ واقراره ‏[‏وإقرار‏]‏ على مُزَكٍّ وَعِنْدَ ابي الْخَطَّابِ يَضْمَنُهُ الشُّهُودُ وَذَكَرَ ابن الزاغوني انه لَا يَجُوزُ له نَقْضُ حُكْمِهِ بِفِسْقِهِمَا إلَّا بِثُبُوتِهِ بِبَيِّنَةٍ الا ان يَكُونَ حُكْمٌ بعلمه ‏[‏يعلمه‏]‏ في عَدَالَتِهِمَا أو بِظَاهِرِ عدلة ‏[‏عدالة‏]‏ الاسلام وَيُمْنَعُ ذلك في الْمَسْأَلَتَيْنِ في احدى الرِّوَايَتَيْنِ وان جَازَ في الثَّانِيَةِ احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ فَإِنْ وَافَقَهُ الْمَشْهُودُ له على ما ذُكِرَ رَدَّ مَالًا اخذه وَنَقَضَ الْحُكْمَ بِنَفْسِهِ دُونَ الْحَاكِمِ وان خَالَفَهُ فيه غَرِمَ الْحَاكِمُ وَأَجَابَ ابو الْخَطَّابِ اذا بَانَ له فِسْقُهُمَا وَقْتَ الشَّهَادَةِ وانهما كَانَا كَاذِبَيْنِ نُقِضَ الْحُكْمُ الاول ولم يَجُزْ له تَنْفِيذُهُ واجاب ابو الْوَفَاءِ لَا يُقْبَلُ‏.‏

قَوْلُهُ‏:‏ بَعْدَ الْحُكْمِ وَعَنْهُ لَا يُنْقَضُ لِفِسْقِهِمْ وَذَكَرَ ابن رزين في شَرْحِهِ انه الاظهر فَلَا ضَمَانَ وفي الْمُسْتَوْعِبِ وَغَيْرِهِ يَضْمَنُ الشُّهُودُ انتهى‏.‏

وان بَانُوا عَبِيدًا أو وَالِدًا أو وَلَدًا أو عَدُوًّا فَإِنْ كان الْحَاكِمُ الذي حَكَمَ بِهِ يَرَى الْحُكْمَ بِهِ لم يُنْقَضْ حُكْمُهُ وان كان لَا يَرَى الْحُكْمَ بِهِ نَقَضَهُ وَلَا يَنْفُذُ لان الْحَاكِمَ يَعْتَقِدُ بُطْلَانَهُ قَالَهُ في الْفُرُوعِ وقال ابن نَصْرِ اللَّهِ في حَوَاشِيهِ اذا حَكَمَ بِشَهَادَةِ شَاهِدٍ ثُمَّ ارْتَابَ في شَهَادَتِهِ لم يَجُزْ له الرُّجُوعُ في حُكْمِهِ وقال في مَوْضِعٍ آخَرَ تَحَرَّرَ فِيمَا اذا كان لَا يَرَى الْحُكْمَ بِهِ ثَلَاثَةُ اقوال لُزُومُ النَّقْضِ وَجَوَازُهُ وَعَدَمُ جَوَازِ نَقْضِهِ كما هو مُقْتَضَى ما في الارشاد انتهى‏.‏

وقال في الْمُحَرَّرِ من حَكَمَ بِقَوَدٍ أو حَدٍّ بِبَيِّنَةٍ ثُمَّ بَانُوا عَبِيدًا فَلَهُ نَقْضُهُ اذا كان لَا يَرَى قَبُولَهُمْ فيه قال وَكَذَا مُخْتَلَفٌ فيه صَادِقٌ ما حَكَمَ فيه وَجَهْلُهُ وَتَقَدَّمَ كَلَامُهُ في الْإِرْشَادِ أَنَّهُ إذَا حَكَمَ في مُخْتَلَفٍ فيه بِمَا لَا يَرَاهُ مع عِلْمِهِ لَا يُنْقَضُ فَعَلَى الاول ان شَكَّ في رَأْيِ الْحَاكِمِ فَقَدْ تَقَدَّمَ اذا شَكَّ هل عَلِمَ الْحَاكِمُ بِالْمُعَارِضِ كَمَنْ حَكَمَ بِبَيِّنَةِ خَارِجٍ وَجَهِلَ عِلْمَهُ بِبَيِّنَةِ دَاخِلٍ لم يُنْقَضْ قال في الْفُرُوعِ وقد عُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ وَمِمَّا ذَكَرُوا في نَقْضِ حُكْمِ الْحَاكِمِ انه لَا يُعْتَبَرُ في نَقْضِ حُكْمِ الْحَاكِمِ عِلْمُ الْحَاكِمِ بِالْخِلَافِ خِلَافًا لِمَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى وان قال عَلِمْت وَقْتَ الْحُكْمِ انهما فَسَقَةٌ أو زُورٌ واكرهني السُّلْطَانُ على الْحُكْمِ بِهِمَا فقال ابن الزَّاغُونِيِّ ان اضاف فِسْقَهُمَا إلَى عِلْمِهِ لم يَجُزْ له نَقْضُهُ وان اضافه إلَى غَيْرِ عِلْمِهِ افْتَقَرَ إلَى بَيِّنَةٍ بالاكراه وَيُحْتَمَلُ لَا وقال ابو الْخَطَّابِ وابو الْوَفَاءِ ان قال كُنْت عَالِمًا بِفِسْقِهِمَا يُقْبَلُ‏.‏

قَوْلُهُ‏:‏ وقال في الْفُرُوعِ كَذَا وَجَدْته‏.‏

بَابُ‏:‏ حُكْمِ كِتَابِ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي

قَوْلُهُ‏:‏ يُقْبَلُ كِتَابُ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي في الْمَالِ وما يُقْصَدُ بِهِ الْمَالُ كَالْقَرْضِ وَالْغَصْبِ وَالْبَيْعِ والاجارة وَالرَّهْنِ وَالصُّلْحِ وَالْوَصِيَّةِ له وَالْجِنَايَةِ الْمُوجِبَةِ لِلْمَالِ بِلَا نِزَاعٍ‏.‏

قَوْلُهُ‏:‏ وَلَا يُقْبَلُ في حَدِّ اللَّهِ تَعَالَى وهو الْمَذْهَبُ وَعَلَيْهِ الأصحاب وَقَطَعُوا بِهِ وَذَكَرُوا في الرِّعَايَةِ رِوَايَةً يُقْبَلُ‏.‏

قَوْلُهُ‏:‏ وَهَلْ يُقْبَلُ فِيمَا عَدَا ذلك مِثْلُ الْقِصَاصِ وَالنِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ وَالْخُلْعِ وَالْعِتْقِ وَالنَّسَبِ وَالْكِتَابَةِ وَالتَّوْكِيلِ وَالْوَصِيَّةِ إلَيْهِ على رِوَايَتَيْنِ قال في الْهِدَايَةِ يُخَرَّجُ على رِوَايَتَيْنِ وقال في الْخُلَاصَةِ فيه وَجْهَانِ وأطلقهما في الْهِدَايَةِ وَالْمُذْهَبِ وَالْمُسْتَوْعِبِ وَالْخُلَاصَةِ وَشَرْحِ ابن منجا احدهما يُقْبَلُ وهو الْمَذْهَبُ وهو ظَاهِرُ كَلَامِ الخرقى قال الزَّرْكَشِيُّ يَحْتَمِلُهُ كَلَامُ الخرقى وَجَزَمَ بِهِ في الْوَجِيزِ وَقَدَّمَهُ في الْمُحَرَّرِ وَالنَّظْمِ وَالرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ وَالْفُرُوعِ نَقَلَ جَمَاعَةٌ عن الامام احمد رَحِمَهُ اللَّهُ يُقْبَلُ حتى في قَوَدٍ وَنَصَرَهُ الْقَاضِي وأصحابه وَجَزَمَ بِهِ في الرَّوْضَةِ وَغَيْرِهَا وَالرِّوَايَةُ‏.‏

الثَّانِيَةُ‏:‏ لَا يُقْبَلُ في ذلك قال الزَّرْكَشِيُّ وهو مُخْتَارُ كَثِيرٍ من أصحاب الْقَاضِي قال الْمُصَنِّفُ وَالشَّارِحُ وَالْمُذْهَبُ انه لَا يُقْبَلُ في الْقِصَاصِ قال في الْعُمْدَةِ وَيُقْبَلُ في كل حَقٍّ الا في الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ وقال ابن حَامِدٍ لَا يُقْبَلُ في النِّكَاحِ وَنَحْوِهِ قَوْلُ ابي بَكْرٍ وَعَنْهُ ما يَدُلُّ على قَبُولِهِ الا في الدِّمَاءِ وَالْحُدُودِ قال في الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ وَعَنْهُ لَا يُقْبَلُ فِيمَا لَا يُقْبَلُ فيه الا رَجُلَانِ‏.‏

فائدة‏:‏

قال في الْفُرُوعِ وفي هذه الْمَسْأَلَةِ ذَكَرُوا ان كِتَابَ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي حُكْمُهُ كَالشَّهَادَةِ على الشَّهَادَةِ لانه شَهَادَةٌ على شَهَادَةٍ وَذَكَرُوا فِيمَا اذا تَغَيَّرَتْ حَالُهُ انه اصل وَمَنْ شَهِدَ عليه فَرْعٌ وَجَزَمَ بِه ابن الزَّاغُونِيِّ وَغَيْرُهُ فَلَا يَجُوزُ نَقْضُ الْحُكْمِ بانكار الْقَاضِي الْكَاتِبِ وَلَا يَقْدَحُ في عَدَالَةِ الْبَيِّنَةِ بَلْ يَمْنَعُ انكاره الْحُكْمَ كما يَمْنَعُ رُجُوعُ شُهُودِ الاصل الْحُكْمَ فَدَلَّ ذلك على انه فَرْعٌ لِمَنْ شَهِدَ عِنْدَهُ وهو اصل لِمَنْ شَهِدَ عليه وَدَلَّ ذلك انه يَجُوزُ ان يَكُونَ شُهُودُ فَرْعٍ فَرْعًا لاصل يُؤَيِّدُهُ‏.‏

قَوْلُهُ‏:‏مْ في التَّعْلِيلِ ان الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إلَى ذلك وَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ في فَرْعِ الْفَرْعِ انتهى‏.‏

قَوْلُهُ‏:‏ وَيَجُوزُ كِتَابُ الْقَاضِي فِيمَا حَكَمَ بِهِ لِيُنَفِّذَهُ في الْمَسَافَةِ الْقَرِيبَةِ وَمَسَافَةِ الْقَصْرِ وَلَوْ كان بِبَلَدٍ وَاحِدٍ بِلَا نِزَاعٍ وَعِنْدَ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ رَحِمَهُ اللَّهُ وفي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى ايضا وَتَقَدَّمَ قَرِيبًا هل التَّنْفِيذُ حُكْمٌ أَمْ لَا‏.‏

قَوْلُهُ‏:‏ وَيَجُوزُ فِيمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ لِيَحْكُمَ بِهِ في الْمَسَافَةِ الْبَعِيدَةِ دُونَ الْقَرِيبَةِ وَهَذَا الْمَذْهَبُ وَعَلَيْهِ الْأصحاب وَعَنْهُ فَوْقَ يَوْمٍ وهو قَوْلٌ في الْمُحَرَّرِ وَغَيْرِهِ وَعِنْدَ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ رَحِمَهُ اللَّهُ وقال خَرَّجْته في الْمَذْهَبِ وَأَقَلُّ من يَوْمٍ كَخَبَرٍ انتهى‏.‏

يَعْنِي إذَا أَخْبَرَ حَاكِمٌ الْآخِرَ بِحُكْمِهِ يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ فَلَوْلَا أَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ كَالْخَبَرِ لَمَا اكْتَفَى فيه بِخَبَرِهِ وَلَمَا جَازَ لِلْحَاكِمِ الْآخِرِ الْعَمَلُ بِهِ حتى يَشْهَدَ بِهِ شَاهِدَانِ قَالَه ابن نَصْرِ اللَّهِ قال الْقَاضِي وَيَكُونُ في كِتَابِهِ شَهِدَا عِنْدِي بِكَذَا وَلَا يَكْتُبُ ثَبَتَ عِنْدِي لِأَنَّهُ حَكَمَ بِشَهَادَتِهِمَا كَبَقِيَّةِ الْأَحْكَامِ وَقَالَهُ ابن عقِيلٍ وَغَيْرُهُ قال الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ رَحِمَهُ اللَّهُ وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ لِأَنَّهُ خَبَرٌ بِالثُّبُوتِ كَشُهُودِ الْفَرْعِ لِأَنَّ الْحُكْمَ أَمْرٌ وَنَهْيٌ يَتَضَمَّنُ إلْزَامًا انتهى‏.‏

فَعَلَيْهِ لَا يَمْتَنِعُ كِتَابَتُهُ ثَبَتَ عِنْدِي قال في الْفُرُوعِ فَيَتَوَجَّهُ لو أَثْبَتَ حَاكِمٌ مَالِكِيٌّ وَقْفًا لَا يَرَاهُ كَوَقْفِ الْإِنْسَانِ على نَفْسِهِ بِالشَّهَادَةِ على الْخَطِّ فإنه حُكْمٌ لِلْخِلَافِ في الْعَمَلِ بِالْخَطِّ كما هو الْمُعْتَادُ فَلِحَاكِمٍ حَنْبَلِيٍّ يَرَى صِحَّةَ الْحُكْمِ أَنْ يُنَفِّذَهُ في مَسَافَةٍ قَرِيبَةٍ وان لم يَحْكُمْ الْمَالِكِيُّ بَلْ قال ثَبَتَ كَذَا فَكَذَلِكَ لان الثُّبُوتَ عِنْدَ الْمَالِكِيِّ حُكْمٌ ثُمَّ ان رأي الْحَنْبَلِيُّ الثُّبُوتَ حُكْمًا نَفَّذَهُ والا فَالْخِلَافُ في قُرْبِ الْمَسَافَةِ وَلُزُومُ الْحَنْبَلِيِّ تَنْفِيذُهُ يَنْبَنِي على لُزُومِ تَنْفِيذِ الْحُكْمِ الْمُخْتَلِفِ فيه على ما تَقَدَّمَ وَحُكْمُ الْمَالِكِيِّ مع عِلْمِهِ بِاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ في الْخَطِّ لَا يَمْنَعُ كَوْنَهُ مُخْتَلَفًا فيه وَلِهَذَا لَا يُنَفِّذُهُ الحنفيه حتى يُنَفِّذَهُ حَاكِمٌ وَلِلْحَنْبَلِيِّ الْحَكَمُ بِصِحَّةِ الْوَقْفِ الْمَذْكُورِ مع بُعْدِ الْمَسَافَةِ وَمَعَ قُرْبِهَا الْخِلَافُ لانه نَقَلَ إلَيْهِ ثُبُوتَهُ مُجَرَّدًا قَالَه ابن نَصْرِ اللَّهِ وقال وَمِثْلُ ذلك لو ثَبَتَ عِنْدَ حَنْبَلِيٍّ وَقْفٌ على النَّفْسِ ولم يَحْكُمْ بِهِ وَنَقَلَ الثُّبُوتَ إلَى حَاكِمٍ شَافِعِيٍّ فَلَهُ الْحُكْمُ وَبُطْلَانُ الْوَقْفِ وامثلته كَثِيرَةٌ‏.‏

فائدة‏:‏

لو سمع الْبَيِّنَةَ ولم يُعَدِّلْهَا وَجَعَلَهَا إلَى آخَرَ جَازَ مع بُعْدِ الْمَسَافَةِ قَالَهُ في التَّرْغِيبِ وَاقْتَصَرَ عليه في الْفُرُوعِ‏.‏

تنبيه‏:‏

قَوْلُهُ وَيَجُوزُ ان يَكْتُبَ إلَى قَاضٍ مُعَيَّنٍ والى من يَصِلُ إلَيْهِ كِتَابِي هذا من قُضَاةِ الْمُسْلِمِينَ وَحُكَّامِهِمْ قال الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ رَحِمَهُ اللَّهُ وَتَعْيِينُ الْقَاضِي الْكَاتِبَ كَشُهُودِ الاصل وقد يُخْبِرُ الْمَكْتُوبَ إلَيْهِ قال الأصحاب في شُهُودِ الاصل يُعْتَبَرُ تَعْيِينُهُمْ لهم قال الْقَاضِي حتى لو قال تَابِعِيَّانِ اشهدنا صَحَابِيَّانِ لم يَجُزْ حتى يُعَيِّنَاهُمَا‏.‏

قَوْلُهُ‏:‏ فاذا وَصَلَا إلَى الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ دَفَعَا إلَيْهِ الْكِتَابَ وَقَالَا نَشْهَدُ ان هذا كِتَابُ فُلَانٍ اليك كَتَبَهُ من عَمَلِهِ واشهدنا عليه وَالِاحْتِيَاطُ ان يَشْهَدَا بِمَا فيه فَيَقُولَانِ واشهدنا عليه قَالَهُ الخرقى وجماعه وَاعْتَبَرَ الخرقى ايضا وَجَمَاعَةٌ قَوْلَهُمَا قُرِئَ عَلَيْنَا وَقَوْلَ الْكَاتِبِ اشْهَدَا عَلَيَّ وَاَلَّذِي قَدَّمَهُ في الْفُرُوعِ انهما اذا وَصَلَا قَالَا نَشْهَدُ انه كِتَابُ فُلَانٍ اليك كَتَبَهُ بِعَمَلِهِ من غَيْرِ زِيَادَةٍ على ذلك قال الزَّرْكَشِيُّ الذي يَنْبَغِي قَبُولُ شَهَادَةِ من شَهِدَ ان هذا كِتَابُ فُلَانٍ اليك كَتَبَهُ من عَمَلِهِ اذا جَهِلَا ما فيه قَوْلًا وَاحِدًا لِانْتِفَاءِ الْجَهَالَةِ انتهى‏.‏

وفي كَلَامِ ابي الْخَطَّابِ كَتَبَهُ بِحَضْرَتِنَا وقال لنا اشْهَدَا عَلَيَّ اني كَتَبْته في عَمَلِي بِمَا ثَبَتَ عِنْدِي وَحَكَمْت بِهِ من كَذَا وَكَذَا فَيَشْهَدَانِ بِذَلِكَ قال الزَّرْكَشِيُّ وقال الْقَاضِي يَكْفِي ان يَقُولَ هذا كِتَابِي إلَى فُلَانٍ من غَيْرِ ان يَقُولَ اشْهَدَا عَلَيَّ انتهى‏.‏

وقال الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ رَحِمَهُ اللَّهُ كِتَابُهُ في غَيْرِ عَمَلِهِ أو بَعْدَ عَزْلِهِ كَخَبَرِهِ على ما تَقَدَّمَ‏.‏

فائدة‏:‏

قال ابن نَصْرِ اللَّهِ في حَوَاشِي الْفُرُوعِ هل يَجُوزُ ان يَشْهَدَ على الْقَاضِي فِيمَا اثبته وَحَكَمَ بِهِ الشَّاهِدَانِ اللَّذَانِ شَهِدَا عِنْدَهُ بِالْحَقِّ الْمَحْكُومِ بِهِ لم اجد لأصحابنا فيها نَصًّا وَمُقْتَضَى قَاعِدَةِ الْمَذْهَبِ انها لَا تُقْبَلُ لانها لَا تَتَضَمَّنُ الشَّهَادَةَ عليه بِقَبُولِهِ شَهَادَتَهُمَا واثباته بها الْحَقَّ وَالْحُكْمَ فَالثُّبُوتُ وَالْحُكْمُ مَبْنِيَّانِ على قَبُولِ شَهَادَتِهِمَا وَشَهَادَتُهُمَا عليه بِقَبُولِهِ شَهَادَتَهُمَا نَفْعٌ لَهُمَا فَلَا يَجُوزُ قَبُولُهَا واذا بَطَلَتْ بَعْضُ الشَّهَادَةِ بَطَلَتْ لانها لَا تَتَجَزَّأُ وفي رَوْضَةِ الشَّافِعِيَّةِ عن ابي طَاهِرٍ يَجُوزُ ان يَكُونَ الشَّاهِدَانِ بِحُكْمِ الْقَاضِي هُمَا اللَّذَانِ شَهِدَا عِنْدَهُ وَحَكَمَ بِشَهَادَتِهِمَا لانهما الْآنَ يَشْهَدَانِ على فِعْلِ الْقَاضِي قال ابو الطَّاهِرِ وَعَلَى هذا تَفَقَّهْتُ وادركت الْقُضَاةَ انتهى‏.‏

وَهَذَا فِيمَا اذا كانت شَهَادَتُهُمَا على الْحُكْمِ بِمَا يُحْتَمَلُ قَبُولُهُ على ما فيه واما على الثُّبُوتِ فَهَذَا في غَايَةِ الْبُعْدِ وقد افتى بِالْمَنْعِ قَاضِي الْقُضَاةِ بَدْرُ الدِّينِ الْعَيْنِيِّ الْحَنَفِيِّ وَقَاضِي الْقُضَاةِ الْبِسَاطِيُّ الْمَالِكِيُّ انتهى‏.‏

وَيَأْتِي التَّنْبِيهُ على ذلك في مَوَانِعِ الشَّهَادَةِ‏.‏

قَوْلُهُ‏:‏ وَإِنْ كَتَبَ كِتَابًا وادرجه وَخَتَمَهُ وقال هذا كِتَابِي إلَى فُلَانٍ اشْهَدَا على بِمَا فيه لم يَصِحَّ لان الامام احمد رَحِمَهُ اللَّهُ قال فِيمَنْ كَتَبَ وَصِيَّةً وَخَتَمَهَا ثُمَّ اشهد على ما فيها فَلَا حتى يُعْلَمَ ما فيها وَهَذَا الْمَذْهَبُ قال الْمُصَنِّفُ هُنَا وَالْعَمَلُ عليه وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الأصحاب قال الزَّرْكَشِيُّ هذا الْمَذْهَبُ الْمَشْهُورُ وهو مقتضي قَوْلِ الخرقى وَجَزَمَ بِهِ في الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ وَقَدَّمَهُ في الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ وَيَتَخَرَّجُ الْجَوَازُ بِقَوْلِهِ اذا وُجِدَتْ وَصِيَّةُ الرَّجُلِ مَكْتُوبَةً عِنْدَ رَأْسِهِ من غَيْرِ ان يَكُونَ اشهد أو اعلم بها احدا عِنْدَ مَوْتِهِ وَعُرِفَ خَطُّهُ وكان مَشْهُورًا فانه يُنَفَّذُ ما فيها وَهَذَا رِوَايَةٌ مُخَرَّجَةٌ خَرَّجَهَا الأصحاب وَاخْتَارَ هذه الرِّوَايَةَ الْمُخَرَّجَةَ في الْوَصِيَّةِ الْمُصَنِّفُ وَالشَّارِحُ وَصَاحِبُ الْفَائِقِ وَغَيْرُهُمْ على ما تَقَدَّمَ في اول كِتَابِ الْوَصَايَا وَعَلَى هذا اذا عَرَفَ الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ انه خَطُّ الْقَاضِي الْكَاتِبِ وَخَتْمُهُ جَازَ قَبُولُهُ على الصَّحِيحِ على هذا التَّخْرِيجِ وَقَدَّمَهُ في الْفُرُوعِ وَالرِّعَايَةِ وَقِيلَ لَا يَقْبَلُهُ ذَكَرَهُ في الرِّعَايَةِ قال الزَّرْكَشِيُّ ظَاهِرُ هذا ان على هذه الرِّوَايَةِ يُشْتَرَطُ لِقَبُولِ الْكِتَابِ أَنْ يَعْرِفَ الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ انه خَطُّ الْقَاضِي الْكَاتِبِ وَخَتْمُهُ وَفِيهِ نَظَرٌ واشكل منه حِكَايَةُ بن حَمْدَانَ قَوْلًا بِالْمَنْعِ فانه اذن تَذْهَبُ فَائِدَةُ الرِّوَايَةِ وَاَلَّذِي يَنْبَغِي على هذه الرِّوَايَةِ ان لَا يَشْتَرِطَ شيئا من ذلك وهو ظَاهِرُ كَلَامِ ابي الْبَرَكَاتِ وَأَبِي مُحَمَّدٍ في الْمُغْنِي نعم اذا قِيلَ بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ فَهَلْ يَكْتَفِي بِالْخَطِّ الْمُجَرَّدِ من غَيْرِ شَهَادَةٍ فيه وَجْهَانِ حَكَاهُمَا ابو الْبَرَكَاتِ وَعَلَى هذا يُحْمَلُ كَلَامُ بن حَمْدَانَ وَغَيْرِهِ انتهى‏.‏

وَعِنْدَ الشَّيْخِ تقى الدِّينِ رَحِمَهُ اللَّهُ من عُرِفَ خطة باقرار أو إنْشَاءٍ أو عَقْدٍ أو شَهَادَةٍ عُمِلَ بِهِ كَمَيِّتٍ فان حَضَرَ وانكر مَضْمُونَهُ فَكَاعْتِرَافِهِ بِالصَّوْتِ وانكار مَضْمُونِهِ وقال الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ رَحِمَهُ اللَّهُ في كِتَابٍ اصدره إلَى السُّلْطَانِ في مَسْأَلَةِ الزِّيَارَةِ وقد تَنَازَعَ الْفُقَهَاءُ في كِتَابِ الْحَاكِمِ هل يَحْتَاجُ إلَى شَاهِدَيْنِ على لَفْظِهِ ام إلَى وَاحِدٍ ام يَكْتَفِي بِالْكِتَابِ الْمَخْتُومِ ام يَقْبَلُ الْكِتَابَ بِلَا خَتْمٍ وَلَا شَاهِدٍ على اربعة اقوال مَعْرُوفَةٍ في مَذْهَبِ الامام احمد رَحِمَهُ اللَّهُ وَغَيْرِهِ نَقَلَه ابن خَطِيبِ السَّلَامِيَّةِ في تَعْلِيقَتِهِ وَذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ رَحِمَهُ اللَّهُ قَوْلًا في الْمَذْهَبِ انه يَحْكُمُ بِخَطِّ شَاهِدٍ مَيِّتٍ وقال الْخَطُّ كَاللَّفْظِ اذا عُرِفَ انه خَطُّهُ وقال انه مَذْهَبُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ وهو يَعْرِفُ ان هذا خطة كما يَعْرِفُ ان هذا صَوْتَهُ وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ على انه يَشْهَدُ على الشَّخْصِ اذا عَرَفَ صَوْتَهُ مع امكان الِاشْتِبَاهِ وَجَوَّزَ الْجُمْهُورُ كالامام مَالِكٍ وَالْإِمَامِ احمد رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى الشَّهَادَةَ على الصَّوْتِ من غَيْرِ رُؤْيَةِ الْمَشْهُودِ عليه وَالشَّهَادَةُ على الْخَطِّ أَضْعَفُ لَكِنْ جَوَازُهُ قَوِيٌّ اقوى من مَنْعِهِ انتهى‏.‏

فوائد‏:‏

الاولى قال في الرَّوْضَةِ لو كَتَبَ شَاهِدَانِ إلَى شَاهِدَيْنِ من بَلَدِ الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ بِإِقَامَةِ الشَّهَادَةِ عِنْدَهُ عنهما لم يَجُزْ لان الشَّاهِدَ انما يَصِحُّ ان يَشْهَدَ على غَيْرِهِ اذا سمع منه لَفْظَ الشَّهَادَةِ وقال اشْهَدْ عَلَيَّ فَأَمَّا ان يَشْهَدَ عليه بِخَطِّهِ فَلَا لان الْخُطُوطَ يَدْخُلُ عليها الْعِلَلُ فَإِنْ قام بِخَطِّ كل وَاحِدٍ من الشَّاهِدَيْنِ شَاهِدَانِ سَاغَ له الْحُكْمُ بِهِ‏.‏

الثَّانِيَةُ‏:‏ يُقْبَلُ كِتَابُ الْقَاضِي في الْحَيَوَانِ بِالصِّفَةِ على الصَّحِيحِ من الْمَذْهَبِ جَزَمَ بِهِ في الْمُحَرَّرِ وَغَيْرِهِ وقال في الْفُرُوعِ وَيُقْبَلُ كِتَابُهُ في حَيَوَانٍ في الاصح وَقِيلَ لَا يُقْبَلُ وَأَطْلَقَهُمَا في المغنى وَالشَّرْحِ فَعَلَى الْمَذْهَبِ لو كَتَبَ الْقَاضِي كِتَابًا في عَبْدٍ أو حَيَوَانٍ بِالصِّفَةِ ولم يَثْبُتْ له مُشَارِكٌ في صِفَتِهِ سَلَّمَ الي المدعى فان كان غير عَبْدٍ وامه سَلَّمَ إلَيْهِ مَخْتُومًا وان كان عَبْدًا أو امة سَلَّمَ إلَيْهِ مَخْتُومَ الْعِتْقِ بِخَيْطٍ لَا يَخْرُجُ من رَأْسِهِ وَأُخِذَ منه كَفِيلٌ لِيَأْتِيَ بِهِ إلَى الْحَاكِمِ الْكَاتِبِ لِيَشْهَدَ الشُّهُودُ عِنْدَهُ على عَيْنِهِ دُونَ حَلِيَّتِهِ وَيَقْضِي له بِهِ وَيَكْتُبُ له بِذَلِكَ كِتَابًا آخَرَ إلَى من انفذ الْعَيْنَ الْمُدَّعَاةَ إلَيْهِ لِيَبْرَأَ كَفِيلُهُ وان كان المدعي جَارِيَةً سُلِّمَتْ إلَى امين يُوَصِّلُهَا وان لم يَثْبُتْ له ما ادَّعَاهُ لَزِمَهُ رَدُّهُ وَمُؤْنَتُهُ مُنْذُ تَسَلَّمَهُ فَهُوَ فيه كَالْغَاصِبِ سَوَاءٌ في ضَمَانِهِ وَضَمَانِ نَقْصِهِ وَمَنْفَعَتِهِ قال في الْفُرُوعِ فَكَمَغْصُوبٍ لانه اخذه بِلَا حَقٍّ وَجَزَمَ بِهِ في المغنى وَالشَّرْحِ وَغَيْرِهِمَا وَقَدَّمَهُ في الْفُرُوعِ وقال في الرِّعَايَةِ لَا يُرَدُّ نَفْعُهُ قال في الْفُرُوعِ ولم يَتَعَرَّضُوا لِهَذَا في الشُّهُودِ عليه فَيُتَوَجَّهُ مِثْلُهُ فَالْمُدَّعَى عليه وَلَا بَيِّنَةَ اولى انتهى‏.‏

وَهَذَا كُلُّهُ على الْمَذْهَبِ وَعَلَيْهِ اكثر الأصحاب وَقِيلَ يَحْكُمُ الْقَاضِي الْكَاتِبُ بِالْعَيْنِ الْغَائِبَةِ بِالصِّفَةِ الْمُعْتَبَرَةِ اذا ثَبَتَتْ هذه الصُّفَّةُ التَّامَّةُ فاذا وَصَلَ الْكِتَابُ إلَى الْقَاضِي الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ سَلَّمَهَا إلَى الْمُدَّعِي وَلَا يُنْفِذُهَا إلَى الْكَاتِبِ لِتَقُومَ الْبَيِّنَةُ على عَيْنِهَا وقال في الرِّعَايَةِ وَتَكْفِي الدَّعْوَى بِالْقِيمَةِ وقال في التَّرْغِيبِ على الاول لو ادَّعَى على رَجُلٍ دَيْنًا صِفَتُهُ كَذَا ولم يذكر اسْمَهُ وَنَسَبَهُ لم يُحْكَمْ عليه بَلْ يَكْتُبُ إلَى قَاضِي الْبَلَدِ الذي فيه الْمُدَّعَى عليه كما قُلْنَا في الْمُدَّعَى بِهِ لِيَشْهَدَ على عَيْنِهِ وَكَذَا قال الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى هل يَحْضُرُ لِيَشْهَدَ الشُّهُودُ على عَيْنِهِ كما في الْمَشْهُودِ بِهِ قال الْمُصَنِّفُ في الْمُغْنِي ان كَتَبَ بِثُبُوتٍ أو اقرار بِدَيْنٍ جَازَ وَحَكَمَ بِهِ الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ وَأَخَذَ بِهِ الْمَحْكُومُ عليه وَكَذَا عَيْنًا كَعَقَارٍ مَحْدُودٍ أو عَيْنٍ مَشْهُورَةٍ لَا تَشْتَبِهُ وان كان غير ذلك فَالْوَجْهَانِ وَقَالَهُ الشَّارِحُ ايضا‏.‏

الثَّالِثَةُ‏:‏ قال في الْفُرُوعِ وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ انه لَا يُعْتَبَرُ ذِكْرُ الْجَدِّ في النَّسَبِ بِلَا حَاجَةٍ قال في المنتقي في صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ فيه أَنَّ الْمَشْهُودَ عليه اذا عُرِفَ بِاسْمِهِ وَاسْمِ ابيه اغنى عن ذِكْرِ الْجَدِّ وَكَذَا ذَكَرَهُ غَيْرُهُ وقال في الرِّعَايَةِ وَيَكْتُبُ في الْكِتَابِ اسْمَ الْخَصْمَيْنِ وَاسْمَ ابويهما وَجَدَّيْهِمَا وَحِلْيَتَهُمَا قال ابن نَصْرِ اللَّهِ في حَوَاشِي الْفُرُوعِ وَلَوْ لم يُعْرَفْ بِذِكْرِ جَدِّهِ ذَكَرَ من يُعْرَفُ بِهِ أو ذَكَرَ له من الصِّفَاتِ ما يَتَمَيَّزُ بِهِ عَمَّنْ يُشَارِكُهُ في اسْمِ جَدِّهِ‏.‏

قَوْلُهُ‏:‏ وان تَغَيَّرَتْ حَالُ الْقَاضِي الْكَاتِبِ بِعَزْلٍ أو مَوْتٍ لم يُقْدَحْ في كِتَابِهِ هذا الصَّحِيحُ من الْمَذْهَبِ وَجَزَمَ بِهِ في الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ وَنَصَرَاهُ وَالْهِدَايَةِ وَالْمُذْهَبِ وَالْمُسْتَوْعِبِ وَالْخُلَاصَةِ وَشَرْحِ ابن منجا وَالْمُحَرَّرِ وَالنَّظْمِ وَالْوَجِيزِ وَغَيْرِهِمْ وَقَدَّمَهُ في الرِّعَايَةِ وَالْفُرُوعِ وَقِيلَ حُكْمُهُ كما لو فَسَقَ فَيَقْدَحُ خَاصَّةً فِيمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ لِيَحْكُمَ بِهِ فَأَمَّا ما حَكَمَ بِهِ فَلَا يَقْدَحُ فيه قَوْلًا وَاحِدًا كما قال الْمُصَنِّفُ‏.‏

قَوْلُهُ‏:‏ واذا حَكَمَ عليه فقال له اُكْتُبْ لي إلَى الْكَاتِبِ انك حَكَمْت على حتى لَا يَحْكُمَ على ثَانِيًا لم يَلْزَمْهُ ذلك وَلَكِنَّهُ يَكْتُبُ له مَحْضَرًا بِالْقِصَّةِ فَيَلْزَمُهُ ان يَشْهَدَ عليه بِمَا جري لِئَلَّا يَحْكُمَ عليه الْكَاتِبُ‏.‏

قَوْلُهُ‏:‏ وَكُلُّ من ثَبَتَ له عِنْدَ حَاكِمٍ حَقٌّ أو ثَبَتَتْ بَرَاءَتُهُ مِثْلُ ان انكر وَحَلَّفَهُ الْحَاكِمُ فَسَأَلَ الْحَاكِمَ ان يَكْتُبَ له مَحْضَرًا بِمَا جَرَى لِيُثْبِتَ حَقَّهُ أو بَرَاءَتَهُ لَزِمَهُ اجابته هذا الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا وَجَزَمَ بِهِ في الْهِدَايَةِ وَالْمُذْهَبِ وَالْمُسْتَوْعِبِ وَالْخُلَاصَةِ وَالْوَجِيزِ وَغَيْرِهِمْ وَقَدَّمَهُ في الْمُحَرَّرِ وَالنَّظْمِ وَالرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِي وَالْفُرُوعِ وَغَيْرِهِمْ قال في الرِّعَايَتَيْنِ وان قال اشْهَدْ لي عَلَيْك بِمَا جَرَى لي عِنْدَك في ذلك وفي غَيْرِهِ من حَقٍّ وَإِقْرَارٍ وانكار وَنُكُولٍ وَيَمِينٍ وَرَدِّهَا وابراء وَوَفَاءٍ وَثُبُوتٍ وَحُكْمٍ وَتَنْفِيذٍ وَجَرْحٍ وَتَعْدِيلٍ وَغَيْرِ ذلك أو حكم ‏[‏احكم‏]‏ بِمَا ثَبَتَ عِنْدَكَ لَزِمَهُ انتهى‏.‏

وَقِيلَ ان ثَبَتَ حَقُّهُ بِبَيِّنَةٍ لم يَلْزَمْهُ ذلك وأطلقهما في الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ

فائدتان‏:‏

احداهما لو سَأَلَهُ مع الاشهاد كِتَابَةَ ما جَرَى واتاه بِوَرَقَةٍ اما من عِنْدِهِ أو من بَيْتِ الْمَالِ لَزِمَهُ ذلك على الصَّحِيحِ من الْمَذْهَبِ قال في الْفُرُوعِ لَزِمَهُ ذلك في الاصح وَصَحَّحَهُ في الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ وَتَصْحِيحِ الْمُحَرَّرِ وَقَدَّمَهُ في النَّظْمِ وَغَيْرِهِ وَجَزَمَ بِهِ في الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ وأطلقهما في الْمُحَرَّرِ وَالرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِي وَغَيْرِهِمْ وَعِنْدَ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ رَحِمَهُ اللَّهُ يَلْزَمُهُ ان تَضَرَّرَ بِتَرْكِهِ‏.‏

الثَّانِيَةُ‏:‏ ما تَضَمَّنَ الْحُكْمَ بِبَيِّنَةٍ يُسَمَّى سِجِلًّا وَغَيْرُهُ يُسَمَّى مَحْضَرًا على الصَّحِيحِ من الْمَذْهَبِ جَزَمَ بِهِ في الْمُحَرَّرِ وَغَيْرِهِ وَقَدَّمَهُ في الرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِي وَالْفُرُوعِ وَغَيْرِهِمْ قال الْمُصَنِّفُ هُنَا واما السِّجِلُّ فَهُوَ لانفاذ ما ثَبَتَ عِنْدَهُ وَالْحُكْمِ بِهِ وقال في الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ وَالتَّرْغِيبِ الْمَحْضَرُ شَرْحُ ثُبُوتِ الْحَقِّ عِنْدَهُ لَا الْحُكْمُ بِثُبُوتِهِ قال في الرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِي وما تَضَمَّنَ الْحُكْمَ بِبَيِّنَةٍ سِجِلٌّ وَقِيلَ هو انفاذ ما ثَبَتَ عِنْدَهُ وَالْحُكْمُ بِهِ وما سِوَاهُ مَحْضَرٌ وهو شَرْحُ ثُبُوتِ الْحَقِّ عِنْدَ الْحَاكِمِ بِدُونِ حُكْمٍ‏.‏

قَوْلُهُ‏:‏ في صِفَةِ الْمَحْضَرِ في مَجْلِسِ حُكْمِهِ هذا اذا ثَبَتَ الْحَقُّ بِغَيْرِ اقرار فاما ان ثَبَتَ الْحَقُّ بالاقرار لم يذكر في مَجْلِسِ حُكْمِهِ وَقَوْلُهُ في صِفَةِ السِّجِلِّ بِمَحْضَرٍ من خَصْمَيْنِ يَفْتَقِرُ الامر إلَى حُضُورِهِمَا على الصَّحِيحِ من الْمَذْهَبِ وَعَلَيْهِ الأصحاب وَقَطَعُوا بِهِ وقال الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ الثُّبُوتُ الْمُجَرَّدُ لَا يَفْتَقِرُ إلَى حُضُورِهِمَا بَلْ إلَى دَعْوَاهُمَا لَكِنْ قد تَكُونُ الْبَاءُ بَاءَ السَّبَبِ لَا الظَّرْفِ كالاولى وَهَذَا يَنْبَنِي على ان الشَّهَادَةَ هل تَفْتَقِرُ إلَى حُضُورِ الْخَصْمَيْنِ فَأَمَّا التَّزْكِيَةُ فَلَا قال وَظَاهِرُهُ انه لَا حُكْمَ فيه باقرار وَلَا نُكُولٍ وَلَا رَدٍّ وَلَيْسَ كَذَلِكَ قَالَهُ في الْفُرُوعِ‏.‏