فصل: كتاب الجنايات:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: العناية شرح الهداية



.فصل فيمن رهن عصيرا فصار خمرا:

قَالَ (وَمَنْ رَهَنَ عَصِيرًا بِعَشَرَةٍ قِيمَتُهُ عَشَرَةٌ فَتَخَمَّرَ ثُمَّ صَارَ خَلًّا يُسَاوِي عَشَرَةً فَهُوَ رَهْنٌ بِعَشَرَةٍ)؛ لِأَنَّ مَا يَكُونُ مَحَلًّا لِلْبَيْعِ يَكُونُ مَحَلًّا لِلرَّهْنِ، إذْ الْمَحَلِّيَّةُ بِالْمَالِيَّةِ فِيهِمَا، وَالْخَمْرُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَحَلًّا لِلْبَيْعِ ابْتِدَاءً فَهُوَ مَحَلٌّ لَهُ بَقَاءً حَتَّى إنَّ مَنْ اشْتَرَى عَصِيرًا فَتَخَمَّرَ قَبْلَ الْقَبْضِ يَبْقَى الْعَقْدُ إلَّا أَنَّهُ يَتَخَيَّرُ فِي الْبَيْعِ لِتَغَيُّرِ وَصْفِ الْمَبِيعِ بِمَنْزِلَةِ مَا إذَا تَعَيَّبَا.
الشَّرْحُ:
(فَصْلٌ) هَذَا الْفَصْلُ كَالْمَسَائِلِ الْمُتَفَرِّقَةِ الَّتِي تُذْكَرُ فِي أَوَاخِرِ الْكُتُبِ (وَمَنْ رَهَنَ عَصِيرًا قِيمَتُهُ عَشَرَةٌ بِعَشَرَةٍ ثُمَّ صَارَ خَلًّا وَلَمْ يَنْقُصْ مِقْدَارُهُ فَهُوَ رَهْنٌ بِعَشَرَةٍ) وَإِنْ نَقَصَ سَقَطَ مِنْ الدَّيْنِ بِقَدْرِهِ، وَلَا مُعْتَبَرَ بِنُقْصَانِ الْقِيمَةِ لِأَنَّ الْفَائِتَ مُجَرَّدُ وَصْفٍ، وَبِفَوَاتِهِ فِي الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ لَا يَسْقُطُ شَيْءٌ مِنْ الدَّيْنِ عِنْدَهُمْ، وَإِنَّمَا يَتَخَيَّرُ الرَّاهِنُ بَيْنَ أَنْ يَفْتَكَّهُ نَاقِصًا بِجَمِيعِ الدَّيْنِ وَبَيْنَ أَنْ يَضْمَنَ قِيمَتَهُ وَيَجْعَلَهَا رَهْنًا عِنْدَهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ بَيْنَ أَنْ يَفْتَكَّهُ نَاقِصًا وَبَيْنَ أَنْ يَجْعَلَهُ بِالدَّيْنِ كَمَا فِي الْقَلْبِ إذَا انْكَسَرَ فَقَوْلُهُ يُسَاوِي عَشَرَةً وَقَعَ اتِّفَاقًا.
وَقَوْلُهُ (لِأَنَّ مَا يَكُونُ مَحَلًّا لِلْبَيْعِ) يَعْنِي أَنَّ الرَّهْنَ كَالْبَيْعِ فِي الِاحْتِيَاجِ إلَى الْمَحَلِّ فَيُعْتَبَرُ مَحَلُّهُ بِمَحَلِّهِ، وَالْخَمْرُ لَا يَصْلُحُ مَحَلًّا لِلْبَيْعِ ابْتِدَاءً وَيَصْلُحُ بَقَاءً، حَتَّى أَنَّ مَنْ اشْتَرَى عَصِيرًا فَتَخَمَّرَ قَبْلَ الْقَبْضِ لَمْ يَبْطُلْ عَقْدُهُ فَكَذَا فِي الرَّهْنِ.
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: مَا يَرْجِعُ إلَى الْمَحَلِّ فَالِابْتِدَاءُ وَالْبَقَاءُ فِيهِ سَوَاءٌ، فَمَا بَالُ هَذَا تَخَلَّفَ عَنْ ذَلِكَ الْأَصْلِ؟ وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْهُ بِأَنَّهُ كَذَلِكَ فِيمَا يَكُونُ الْمَحَلُّ بَاقِيًا، وَهَاهُنَا يَتَبَدَّلُ الْمَحَلُّ حُكْمًا بِتَبَدُّلِ الْوَصْفِ فَلِذَلِكَ تَخَلَّفَ عَنْ ذَلِكَ الْأَصْلِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْعَصِيرَ الْمَرْهُونَ إذَا تَخَمَّرَ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ مُسْلِمَيْنِ أَوْ كَافِرَيْنِ أَوْ يَكُونَ الرَّاهِنُ وَحْدَهُ مُسْلِمًا أَوْ بِالْعَكْسِ، فَإِنْ كَانَا كَافِرَيْنِ فَالرَّهْنُ بِحَالِهِ تَخَلَّلَ أَوْ لَمْ يَتَخَلَّلْ، وَفِي الْأَقْسَامِ الْبَاقِيَةِ إنْ تَخَلَّلَ فَكَذَلِكَ، وَإِلَيْهِ يَلُوحُ إطْلَاقُ الْمُصَنِّفِ رَحِمَهُ اللَّهُ حَيْثُ قَالَ: ثُمَّ صَارَ خَلًّا: يَعْنِي بِنَفْسِهِ، وَإِنْ لَمْ يَتَخَلَّلْ بِنَفْسِهِ فَهَلْ لِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يُخَلِّلَهُ أَوْ لَا؟ فِيهِ تَفْصِيلٌ، إنْ كَانَا مُسْلِمِينَ أَوْ كَانَ الرَّاهِنُ مُسْلِمًا جَازَ تَخْلِيلُهُ، لِأَنَّ الْمَالِيَّةَ وَإِنْ تَلِفَتْ بِالتَّخَمُّرِ بِحَيْثُ لَا يُضْمَنُ وَذَلِكَ يُسْقِطُ الدَّيْنَ، لَكِنَّ إعَادَتَهَا مُمْكِنَةٌ بِالتَّخَلُّلِ فَصَارَ كَتَخْلِيصِ الرَّهْنِ مِنْ الْجِنَايَةِ وَلِلْمُرْتَهِنِ ذَلِكَ، وَإِذَا أَجَازَ ذَلِكَ فِي الْمُسْلِمِينَ وَالْخَمْرُ لَيْسَتْ بِمَحَلٍّ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ فَلَأَنْ يَجُوزَ فِي الْمُرْتَهِنِ الْكَافِرِ أَوْلَى لِأَنَّهَا مَحَلٌّ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ، وَأَمَّا إذَا كَانَ الرَّاهِنُ كَافِرًا فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ الرَّهْنَ وَالدَّيْنُ عَلَى حَالِهِ، لِأَنَّ صِفَةَ الْخَمْرِيَّةِ لَا تَعْدَمُ الْمَالِيَّةَ فِي حَقِّهِ فَلَيْسَ لِلْمُرْتَهِنِ الْمُسْلِمِ تَخْلِيلُهَا، فَإِنْ خَلَّلَهَا ضَمِنَ قِيمَتَهَا يَوْمَ خَلَّلَهَا لِأَنَّهُ صَارَ غَاصِبًا بِمَا صَنَعَ، كَمَا لَوْ غَصَبَ خَمْرَ ذِمِّيٍّ فَخَلَّلَهَا فَالْخَلُّ لَهُ، وَتَقَعُ الْمُقَاصَّةُ إنْ كَانَ الدَّيْنُ مِنْ جِنْسِ الْقِيمَةِ، وَيَرْجِعُ بِالزِّيَادَةِ إنْ نَقَصَتْ قِيمَتُهَا يَوْمَ التَّخْلِيلِ مِنْ دَيْنِهِ. (وَلَوْ رَهَنَ شَاةً قِيمَتُهَا عَشَرَةٌ بِعَشَرَةٍ فَمَاتَتْ فَدُبِغَ جِلْدُهَا فَصَارَ يُسَاوِي دِرْهَمًا فَهُوَ رَهْنٌ بِدِرْهَمٍ)؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ يَتَقَرَّرُ بِالْهَلَاكِ، فَإِذَا حَيِيَ بَعْضُ الْمَحَلِّ يَعُودُ حُكْمُهُ بِقَدْرِهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا مَاتَتْ الشَّاةُ الْمَبِيعَةُ قَبْلَ الْقَبْضِ فَدُبِغَ جِلْدُهَا حَيْثُ لَا يَعُودُ الْبَيْعُ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ يُنْتَقَضُ بِالْهَلَاكِ قَبْلَ الْقَبْضِ وَالْمُنْتَقَضُ لَا يَعُودُ، أَمَّا الرَّهْنُ يَتَقَرَّرُ بِالْهَلَاكِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ وَمِنْ مَشَايِخِنَا مَنْ يَمْنَعُ مَسْأَلَةَ الْبَيْعِ وَيَقُولُ: يَعُودُ الْبَيْعُ.
الشَّرْحُ:
وَقَوْلُهُ (فَهُوَ رَهْنٌ بِدِرْهَمٍ) يَعْنِي إنْ كَانَتْ قِيمَةُ الْجِلْدِ يَوْمَ الرَّهْنِ دِرْهَمًا، وَأَمَّا إذَا كَانَتْ قِيمَتُهُ يَوْمَئِذٍ دِرْهَمَيْنِ فَهُوَ رَهْنٌ بِدِرْهَمَيْنِ وَيُعْرَفُ ذَلِكَ بِأَنْ يُنْظَرَ إلَى قِيمَةِ الشَّاةِ حَيَّةً وَمَسْلُوخَةً فَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهَا حَيَّةً عَشَرَةً وَقِيمَتُهَا مَسْلُوخَةً تِسْعَةٌ كَانَتْ قِيمَةُ الْجِلْدِ يَوْمَ الِارْتِهَانِ دِرْهَمًا، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهَا مَسْلُوخَةً ثَمَانِيَةً كَانَتْ دِرْهَمَيْنِ، هَذَا إذَا كَانَتْ الْقِيمَةُ مِثْلَ الدَّيْنِ، فَإِنْ كَانَتْ أَكْثَرَ أَوْ أَقَلَّ فَهِيَ مَذْكُورَةٌ فِي النِّهَايَةِ قَالَ (وَنَمَاءُ الرَّهْنِ لِلرَّاهِنِ وَهُوَ مِثْلُ الْوَلَدِ وَالثَّمَرِ وَاللَّبَنِ وَالصُّوفِ)؛ لِأَنَّهُ مُتَوَلِّدٌ مِنْ مِلْكِهِ وَيَكُونُ رَهْنًا مَعَ الْأَصْلِ؛ لِأَنَّهُ تَبَعٌ لَهُ، وَالرَّهْنُ حَقٌّ لَازِمٌ فَيَسْرِي إلَيْهِ (فَإِنْ هَلَكَ يَهْلَكُ بِغَيْرِ شَيْءٍ)؛ لِأَنَّ الْأَتْبَاعَ لَا قِسْطَ لَهَا مِمَّا يُقَابَلُ بِالْأَصْلِ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَدْخُلْ تَحْتَ الْعَقْدِ مَقْصُودًا؛ إذْ اللَّفْظُ لَا يَتَنَاوَلُهَا (وَإِنْ هَلَكَ الْأَصْلُ وَبَقِيَ النَّمَاءُ افْتَكَّهُ الرَّاهِنُ بِحِصَّتِهِ يُقَسَّمُ الدَّيْنُ عَلَى قِيمَةِ الرَّهْنِ يَوْمَ الْقَبْضِ وَقِيمَةِ النَّمَاءِ يَوْمَ الْفِكَاكِ)؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ يَصِيرُ مَضْمُونًا بِالْقَبْضِ، وَالزِّيَادَةُ تَصِيرُ مَقْصُودَةً بِالْفِكَاكِ إذَا بَقِيَ إلَى وَقْتِهِ، وَالتَّبَعُ يُقَابِلُهُ شَيْءٌ إذَا صَارَ مَقْصُودًا كَوَلَدِ الْمَبِيعِ، فَمَا أَصَابَ الْأَصْلَ يَسْقُطُ مِنْ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّهُ يُقَابِلُهُ الْأَصْلُ مَقْصُودًا، وَمَا أَصَابَ النَّمَاءَ افْتَكَّهُ الرَّاهِنُ لِمَا ذَكَرْنَا وَصُوَرُ الْمَسَائِلِ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ تُخَرَّجُ، وَقَدْ ذَكَرْنَا بَعْضَهَا فِي كِفَايَةِ الْمُنْتَهَى، وَتَمَامُهُ فِي الْجَامِعِ وَالزِّيَادَاتِ.
الشَّرْحُ:
قَالَ (وَنَمَاءُ الرَّهْنِ لِلرَّاهِنِ إلَخْ) الْأَصْلُ أَنَّ الْأَوْصَافَ الْقَارَّةَ فِي الْأُمَّهَاتِ تَسْرِي إلَى الْأَوْلَادِ إذَا كَانَتْ صَالِحَةً لِأَحْكَامِهَا، وَالرَّهْنُ مِنْهَا لِكَوْنِهِ حَقًّا لَازِمًا إذْ اللَّازِمُ هُوَ الْقَارُّ، وَالْقَارُّ مَا يَكُونُ ثَابِتًا فِي جُمْلَةِ الْأُمِّ، وَلَا يَنْفَرِدُ مَنْ عَلَيْهِ بِإِبْطَالِ حُكْمِهِ كَكَوْنِهَا حُرَّةً وَقِنَّةً وَمَبِيعَةً وَمُكَاتَبَةً وَمُدَبَّرَةً، وَإِنَّمَا فَسَّرْنَا بِذَلِكَ لِئَلَّا تَرِدَ كَفَالَةُ الْحُرَّةِ فَإِنَّهَا مَا تَسْرِي إلَى الْأَوْلَادِ، وَالزَّكَاةُ بَعْدَ كَمَالِ الْحَوْلِ كَذَلِكَ فَإِنَّهُمَا يَثْبُتَانِ فِي ذِمَّةِ الْكَفِيلِ وَالْمَالِكِ لَا فِي عَيْنِ الْأُمَّهَاتِ، وَلِئَلَّا يَرِدَ وَلَدُ الْجَانِيَةِ فَإِنَّ مَنْ عَلَيْهِ يَنْفَرِدُ بِالْإِبْطَالِ بِاخْتِيَارِ الْفِدَاءِ، وَإِنَّمَا قَيَّدْنَا الْأَوْلَادَ بِصَلَاحِيَتِهَا لِأَحْكَامِ الْأَوْصَافِ لِئَلَّا يَرِدَ وَلَدُ الْمَغْصُوبَةِ وَالْمُسْتَأْجَرَة وَالْمَنْكُوحَةِ وَالْمُوصَى بِخِدْمَتِهَا، لِأَنَّ الْأَوْلَادَ حِينَ الْوِلَادَةِ لَمْ تَصْلُحْ لِأَحْكَامِ هَذِهِ الْأَوْصَافِ.
أَمَّا فِي غَيْرِ الْغَصْبِ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا فِي الْغَصْبِ فَلِأَنَّ الضَّمَانَ بِهِ يَعْتَمِدُ قَبْضًا مَقْصُودًا بِغَيْرِ حَقٍّ وَلَمْ يَتَحَقَّقْ فِي الْوَلَدِ، وَإِذَا ظَهَرَ هَذَا عُلِمَ أَنَّ نَمَاءَ الرَّهْنِ كَاللَّبَنِ وَالثَّمَرِ وَالصُّوفِ وَالْوَلَدِ لِلرَّاهِنِ لِأَنَّهُ مُتَوَلِّدٌ مِنْ مِلْكِهِ وَيَكُونُ رَهْنًا مَعَ الْأَصْلِ لِأَنَّهُ تَبَعٌ لَهُ.
فَفِي الْأَصْلِ وَصْفَانِ لَازِمَانِ: الْمَلِكُ، وَكَوْنُهُ رَهْنًا فَيَسْرِيَانِ إلَى الْوَلَدِ، فَإِنْ هَلَكَ الْوَلَدُ هَلَكَ بِغَيْرِ شَيْءٍ لِأَنَّ الْأَتْبَاعَ لَا قِسْطَ لَهَا مِمَّا يُقَابَلُ بِالْأَصْلِ إذَا لَمْ تَكُنْ مَقْصُودَةً لِأَنَّهَا لَمْ تَدْخُلْ تَحْتَ الْعَقْدِ مَقْصُودًا إذْ اللَّفْظُ لَمْ يَتَنَاوَلْهَا، وَإِنْ هَلَكَ الْأَصْلُ وَبَقِيَ النَّمَاءُ افْتَكَّهُ الرَّاهِنُ بِحِصَّتِهِ يُقْسَمُ الدَّيْنُ عَلَى قِيمَةِ الرَّهْنِ يَوْمَ الْقَبْضِ لِأَنَّهُ مَضْمُونٌ بِالْقَبْضِ كَمَا تَقَدَّمَ وَقِيمَةُ النَّمَاءِ يَوْمَ الْفِكَاكِ، لِأَنَّهُ إنَّمَا صَارَ مَضْمُونًا بِهِ، وَلَوْ هَلَكَ قَبْلَهُ هَلَكَ مَجَّانًا، وَالتَّبَعُ يُقَابِلُهُ شَيْءٌ إذَا صَارَ مَقْصُودًا كَوَلَدِ الْمَبِيعِ فَإِنَّهُ يَكُونُ لَهُ حِصَّةٌ مِنْ الثَّمَنِ إذْ صَارَ مَقْصُودًا بِالْقَبْضِ، وَالزِّيَادَةُ هَاهُنَا صَارَتْ مَقْصُودَةً بِالْفِكَاكِ فَيَخُصُّهُ شَيْءٌ مِنْ الدَّيْنِ، فَمَا أَصَابَ الْأَصْلَ يَسْقُطُ مِنْ الدَّيْنِ بِقَدْرِهِ لِأَنَّهُ يُقَابِلُهُ الْأَصْلُ مَقْصُودًا، وَمَا أَصَابَ النَّمَاءَ افْتَكَّهُ الرَّاهِنُ بِهِ.
وَقَوْلُهُ (وَصُوَرُ الْمَسَائِلِ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ) يَعْنِي مَا ذَكَرْنَا مِنْ قِسْمَةِ الدَّيْنِ عَلَى قِيمَتِهِمَا يَوْمَ الْقَبْضِ وَالْفِكَاكِ (تَخْرُجُ) وَفِي ذَلِكَ كَثْرَةٌ وَتَطْوِيلٌ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَتَابَعْنَاهُ فِي ذَلِكَ (وَلَوْ رَهَنَ شَاةً بِعَشَرَةٍ وَقِيمَتُهَا عَشَرَةٌ وَقَالَ الرَّاهِنُ لِلْمُرْتَهِنِ: احْلِبْ الشَّاةَ فَمَا حَلَبَتْ فَهُوَ لَك حَلَالٌ فَحَلَبَ وَشَرِبَ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ) أَمَّا الْإِبَاحَةُ فَيَصِحُّ تَعْلِيقُهَا بِالشَّرْطِ وَالْخَطَرِ؛ لِأَنَّهَا إطْلَاقٌ وَلَيْسَ بِتَمْلِيكٍ فَتَصِحُّ مَعَ الْخَطَرِ (وَلَا يَسْقُطُ شَيْءٌ مِنْ الدَّيْنِ)؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَهُ بِإِذْنِ الْمَالِكِ (فَإِنْ لَمْ يَفْتَكَّ الشَّاةَ حَتَّى مَاتَتْ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ قُسِّمَ الدَّيْنُ عَلَى قِيمَةِ اللَّبَنِ الَّذِي شَرِبَ وَعَلَى قِيمَةِ الشَّاةِ، فَمَا أَصَابَ الشَّاةَ سَقَطَ، وَمَا أَصَابَ اللَّبَنَ أَخَذَهُ الْمُرْتَهِنُ مِنْ الرَّاهِنِ)؛ لِأَنَّ اللَّبَنَ تَلِفَ عَلَى مِلْكِ الرَّاهِنِ بِفِعْلِ الْمُرْتَهِنِ وَالْفِعْلُ حَصَلَ بِتَسْلِيطٍ مِنْ قِبَلِهِ فَصَارَ كَأَنَّ الرَّاهِنَ أَخَذَهُ وَأَتْلَفَهُ فَكَانَ مَضْمُونًا عَلَيْهِ فَيَكُونُ لَهُ حِصَّتُهُ مِنْ الدَّيْنِ فَبَقِيَ بِحِصَّتِهِ، وَكَذَلِكَ وَلَدُ الشَّاةِ إذَا أَذِنَ لَهُ الرَّاهِنُ فِي أَكْلِهِ، وَكَذَلِكَ جَمِيعُ النَّمَاءِ الَّذِي يَحْدُثُ عَلَى هَذَا الْقِيَاسِ.
الشَّرْحُ:
وَقَوْلُهُ (فَيَصِحُّ تَعْلِيقُهَا بِالشَّرْطِ) يُرِيدُ بِالشَّرْطِ قَوْلَهُ فَمَا حَلَبَتْ فَإِنَّ كَلِمَةَ (مَا) تَضَمَّنَتْ مَعْنَى الشَّرْطِ وَلِهَذَا دَخَلَ الْفَاءُ فِي خَبَرِهَا.
وَقَوْلُهُ (لِأَنَّهُ أَتْلَفَهُ بِإِذْنِ الْمَالِكِ) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَوْ أَتْلَفَ بِغَيْرِ إذْنِهِ ضَمِنَ وَكَانَتْ الْقِيمَةُ رَهْنًا مَعَ الشَّاةِ، وَكَذَا لَوْ فَعَلَ الرَّاهِنُ ذَلِكَ بِدُونِ إجَازَةِ الْمُرْتَهِنِ قَالَ (وَتَجُوزُ الزِّيَادَةُ فِي الرَّهْنِ وَلَا تَجُوزُ فِي الدَّيْنِ) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَلَا يَصِيرُ الرَّهْنُ رَهْنًا بِهَا وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: تَجُوزُ الزِّيَادَةُ فِي الدَّيْنِ أَيْضًا وَقَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ: لَا تَجُوزُ فِيهِمَا، وَالْخِلَافُ مَعَهُمَا فِي الرَّهْنِ، وَالثَّمَنُ وَالْمُثَمَّنُ وَالْمَهْرُ وَالْمَنْكُوحَةُ سَوَاءٌ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي الْبُيُوعِ وَلِأَبِي يُوسُفَ فِي الْخِلَافِيَّةِ الْأُخْرَى أَنَّ الدَّيْنَ فِي بَابِ الرَّهْنِ كَالثَّمَنِ فِي الْبَيْعِ، وَالرَّهْنُ كَالْمُثَمَّنِ فَتَجُوزُ الزِّيَادَةُ فِيهِمَا كَمَا فِي الْبَيْعِ، وَالْجَامِعُ بَيْنَهُمَا الِالْتِحَاقُ بِأَصْلِ الْعَقْدِ لِلْحَاجَةِ وَالْإِمْكَانِ وَلَهُمَا وَهُوَ الْقِيَاسُ أَنَّ الزِّيَادَةَ فِي الدَّيْنِ تُوجِبُ الشُّيُوعَ فِي الرَّهْنِ، وَهُوَ غَيْرُ مَشْرُوعٍ عِنْدَنَا، وَالزِّيَادَةُ فِي الرَّهْنِ تُوجِبُ الشُّيُوعَ فِي الدَّيْنِ، وَهُوَ غَيْرُ مَانِعٍ مِنْ صِحَّةِ الرَّهْنِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ رَهَنَ عَبْدًا بِخَمْسِمِائَةٍ مِنْ الدَّيْنِ جَازَ، وَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ أَلْفًا وَهَذَا شُيُوعٌ فِي الدَّيْنِ، وَالِالْتِحَاقُ بِأَصْلِ الْعَقْدِ غَيْرُ مُمْكِنٍ فِي طَرَفِ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَعْقُودٍ عَلَيْهِ وَلَا مَعْقُودٍ بِهِ بَلْ وُجُوبُهُ سَابِقٌ عَلَى الرَّهْنِ، وَكَذَا يَبْقَى بَعْدَ انْفِسَاخِهِ، وَالِالْتِحَاقُ بِأَصْلِ الْعَقْدِ فِي بَدَلَيْ الْعَقْدِ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ بَدَلٌ يَجِبُ بِالْعَقْدِ، ثُمَّ إذَا صَحَّتْ الزِّيَادَةُ فِي الرَّهْنِ وَتُسَمَّى هَذِهِ زِيَادَةً قَصْدِيَّةً يُقَسَّمُ الدَّيْنُ عَلَى قِيمَةِ الْأَوَّلِ يَوْمَ الْقَبْضِ، وَعَلَى قِيمَةِ الزِّيَادَةِ يَوْمَ قُبِضَتْ، حَتَّى لَوْ كَانَتْ قِيمَةُ الزِّيَادَةِ يَوْمَ قَبْضِهَا خَمْسَمِائَةٍ، وَقِيمَةُ الْأَوَّلِ يَوْمَ الْقَبْضِ أَلْفًا وَالدَّيْنُ أَلْفًا يُقَسَّمُ الدَّيْنُ أَثْلَاثًا، فِي الزِّيَادَةِ ثُلُثُ الدَّيْنِ، وَفِي الْأَصْلِ ثُلُثَا الدَّيْنِ اعْتِبَارًا بِقِيمَتِهِمَا فِي وَقْتَيْ الِاعْتِبَارِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَثْبُتُ بِالْقَبْضِ فَتُعْتَبَرُ قِيمَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَقْتَ الْقَبْضِ.
الشَّرْحُ:
قَالَ (وَتَجُوزُ الزِّيَادَةُ فِي الرَّهْنِ إلَخْ) الزِّيَادَةُ فِي الرَّهْنِ مِثْلُ أَنْ يَرْهَنَ ثَوْبًا بِعَشَرَةٍ يُسَاوِي عَشَرَةً ثُمَّ يَزِيدُ الرَّاهِنُ ثَوْبًا آخَرَ لِيَكُونَ مَعَ الْأَوَّلِ رَهْنًا بِالْعَشَرَةِ جَازَ عِنْدَ عُلَمَائِنَا رَحِمَهُمُ اللَّهُ وَالزِّيَادَةُ عَلَى الدَّيْنِ لَا تَجُوزُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ.
وَقَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ: لَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ فِيهِمَا جَمِيعًا، وَالْخِلَافُ مَعَهُمَا فِي الرَّهْنِ وَالثَّمَنِ وَالْمُثَمَّنِ وَالْمَهْرِ وَالْمَنْكُوحَةِ، وَهُوَ أَنْ يُزَوِّجَ الْمَوْلَى أَمَتَهُ مِنْ رَجُلٍ بِأَلْفٍ ثُمَّ زَوَّجَ أَمَةً أُخْرَى بِذَلِكَ الْأَلْفِ وَقَبِلَ الزَّوْجُ يَصِحُّ الْعَقْدَانِ وَيُقْسَمُ الْأَلْفُ عَلَيْهِمَا.
وَذَكَرَ فِي الْأَسْرَارِ وَطَرِيقَةِ الْبَرْغَزِيِّ وَغَيْرِ ذَلِكَ أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ، وَنَقَلَ عَنْ حَمِيدِ الدِّينِ الضَّرِيرِ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ قَالَ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُمْ مِنْ قَوْلِهِمْ لَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ فِي الْمَنْكُوحَةِ أَنْ يَقُولَ الْمَوْلَى زِدْت لَك أَمَةً أُخْرَى بِذَلِكَ الْمَهْرِ، أَمَّا لَوْ قَالَ زَوَّجْتُك هَذِهِ الْأَمَةَ الْأُخْرَى بِذَلِكَ الْمَهْرِ لَزِمَ أَنْ يَصِحَّ.
وَقَوْلُهُ (أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ رَهَنَ عَبْدًا بِخَمْسِمِائَةٍ) يَعْنِي مِنْ الدَّيْنِ الَّذِي هُوَ أَلْفٌ فَيَكُونُ بِنِصْفِ الدَّيْنِ كَانَ جَائِزًا، وَلَوْ رَهَنَ ثَوْبًا بِعِشْرِينَ نِصْفُهُ بِعَشَرَةٍ وَنِصْفُهُ بِعَشَرَةٍ لَمْ يَصِحَّ.
وَقَوْلُهُ (وَالِالْتِحَاقُ بِأَصْلِ الْعَقْدِ) إفْسَادٌ لِلْجَامِعِ الَّذِي ذَكَرَهُ أَبُو يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ وَهُوَ وَاضِحٌ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّ الِالْتِحَاقَ بِأَصْلِ الْعَقْدِ إنَّمَا يُتَصَوَّرُ إذَا كَانَتْ الزِّيَادَةُ فِي الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ أَوْ الْمَعْقُودِ بِهِ وَالزِّيَادَةُ فِي الدَّيْنِ لَيْسَتْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، أَمَّا أَنَّهُ غَيْرُ مَعْقُودٍ عَلَيْهِ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا أَنَّهُ لَيْسَ بِمَعْقُودٍ بِهِ فَلِوُجُوبِهِ بِسَبَبِهِ قَبْلَ عَقْدِ الرَّهْنِ، بِخِلَافِ الرَّهْنِ فَإِنَّهُ مَعْقُودٌ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَحْبُوسًا قَبْلَ عَقْدِ الرَّهْنِ وَلَا يَبْقَى بَعْدَهُ.
وَقَوْلُهُ (وَتُسَمَّى هَذِهِ زِيَادَةً قَصْدِيَّةً) يَعْنِي بِخِلَافِ نَمَاءِ الرَّهْنِ فَإِنَّهُ لَيْسَ زِيَادَةً قَصْدِيَّةً بَلْ ضِمْنِيَّةً وَلِهَذَا اخْتَلَفَ حُكْمًا. (وَإِذَا وَلَدَتْ الْمَرْهُونَةُ وَلَدًا ثُمَّ إنَّ الرَّاهِنَ زَادَ مَعَ الْوَلَدِ عَبْدًا، وَقِيمَةُ كُلِّ وَاحِد أَلْفٌ فَالْعَبْدُ رَهْنٌ مَعَ الْوَلَدِ خَاصَّةً يُقَسَّمُ مَا فِي الْوَلَدِ عَلَيْهِ وَعَلَى الْعَبْدِ الزِّيَادَةُ)؛ لِأَنَّهُ جَعَلَهُ زِيَادَةً مَعَ الْوَلَدِ دُونَ الْأُمِّ (وَلَوْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ مَعَ الْأُمِّ يُقَسَّمُ الدَّيْنُ عَلَى قِيمَةِ الْأُمِّ يَوْمَ الْعَقْدِ وَعَلَى قِيمَةِ الزِّيَادَةِ يَوْمَ الْقَبْضِ، فَمَا أَصَابَ الْأُمَّ قُسِّمَ عَلَيْهَا وَعَلَى وَلَدِهَا)؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ دَخَلَتْ عَلَى الْأُمِّ.
الشَّرْحُ:
وَقَوْلُهُ (وَإِذَا وَلَدَتْ الْمَرْهُونَةُ وَلَدًا) يَعْنِي إذَا رَهَنَ جَارِيَةً بِأَلْفٍ تُسَاوِي أَلْفًا فَوَلَدَتْ وَلَدًا يُسَاوِي أَلْفًا فَقَالَ الرَّاهِنُ زِدْتُك هَذَا الْعَبْدَ مَعَ الْوَلَدِ رَهْنًا وَهُوَ أَيْضًا يُسَاوِي أَلْفًا جَازَ الْعَقْدُ وَيَكُونُ الْعَبْدُ رَهْنًا مَعَ الْوَلَدِ دُونَ الْأُمِّ، فَيُنْظَرُ إلَى قِيمَةِ الْوَلَدِ يَوْمَ الْفِكَاكِ وَإِلَى قِيمَةِ الْأُمِّ يَوْمَ الْعَقْدِ، فَمَا أَصَابَ الْوَلَدَ قُسِمَ عَلَى قِيمَتِهِ يَوْمَ الْفِكَاكِ وَقِيمَةِ الْعَبْدِ يَوْمَ قَبْضِهِ لِأَنَّهُ دَخَلَ فِي ضَمَانِهِ بِالْقَبْضِ، فَإِنْ مَاتَ الْوَلَدُ بَعْدَ الزِّيَادَةِ بَطَلَتْ لِأَنَّهُ إذَا هَلَكَ خَرَجَ مِنْ الْعَقْدِ وَصَارَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ فَبَطَلَ الْحُكْمُ فِي الزِّيَادَةِ.
وَلَوْ قَالَ الرَّاهِنُ زِدْتُك هَذَا الْعَبْدَ مَعَ الْأُمِّ قُسِمَ الدَّيْنُ عَلَى قِيمَةِ الْأُمِّ يَوْمَ الْعَقْدِ وَعَلَى قِيمَةِ الزِّيَادَةِ يَوْمَ الْقَبْضِ، فَمَا أَصَابَ الْأُمَّ قُسِمَ عَلَيْهَا وَعَلَى وَلَدِهَا، لِأَنَّ الزِّيَادَةَ دَخَلَتْ عَلَى الْأُمِّ فَصَارَتْ كَأَنَّهَا كَانَتْ فِي أَصْلِ الْعَقْدِ فَيَكُونُ الْوَلَدُ دَاخِلًا فِي حِصَّةِ الْأُمِّ خَاصَّةً، فَإِنْ مَاتَتْ الْأُمُّ بَعْدَ الزِّيَادَةِ ذَهَبَ مَا كَانَ فِيهَا وَبَقِيَ الْوَلَدُ وَالزِّيَادَةُ نَمَاءٌ فِيهِمَا لِأَنَّ هَلَاكَ الْأُمِّ لَا يُوجِبُ سُقُوطَ الضَّمَانِ بَلْ يُقَرِّرُهُ فَلَا يَبْطُلُ الْحُكْمُ فِي الزِّيَادَةِ، وَلَوْ مَاتَ الْوَلَدُ بَعْدَ الزِّيَادَةِ ذَهَبَ بِغَيْرِ شَيْءٍ وَكَانَ الْعَقْدُ فِي الْأُمِّ وَلَا وَلَدَ مَعَهَا قَالَ (فَإِنْ رَهَنَ عَبْدًا يُسَاوِي أَلْفًا بِأَلْفٍ ثُمَّ أَعْطَاهُ عَبْدًا آخَرَ قِيمَتُهُ أَلْفٌ رَهْنًا مَكَانَ الْأَوَّلِ، فَالْأَوَّلُ رَهْنٌ حَتَّى يَرُدَّهُ إلَى الرَّاهِنِ، وَالْمُرْتَهِنُ فِي الْآخَرِ أَمِينٌ حَتَّى يَجْعَلَهُ مَكَانَ الْأَوَّلِ)؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ إنَّمَا دَخَلَ فِي ضَمَانِهِ بِالْقَبْضِ وَالدَّيْنِ وَهُمَا بَاقِيَانِ فَلَا يَخْرُجُ عَنْ الضَّمَانِ إلَّا بِنَقْضِ الْقَبْضِ مَا دَامَ الدَّيْنُ بَاقِيًا، وَإِذَا بَقِيَ الْأَوَّلُ فِي ضَمَانِهِ لَا يَدْخُلُ الثَّانِي فِي ضَمَانِهِ؛ لِأَنَّهُمَا رَضِيَا بِدُخُولِ أَحَدِهِمَا فِيهِ لَا بِدُخُولِهِمَا فَإِذَا رُدَّ الْأَوَّلُ دَخَلَ الثَّانِي فِي ضَمَانِهِ ثُمَّ قِيلَ: يُشْتَرَطُ تَجْدِيدُ الْقَبْضِ؛ لِأَنَّ يَدَ الْمُرْتَهِنِ عَلَى الثَّانِي يَدُ أَمَانَةٍ وَيَدُ الرَّهْنِ بَعْدَ اسْتِيفَاءٍ وَضَمَانٍ فَلَا يَنُوبُ عَنْهُ، كَمَنْ لَهُ عَلَى آخَرَ جِيَادٌ فَاسْتَوْفَى زُيُوفًا ظَنَّهَا جِيَادًا ثُمَّ عَلِمَ بِالزِّيَافَةِ وَطَالَبَهُ بِالْجِيَادِ وَأَخَذَهَا فَإِنَّ الْجِيَادَ أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ مَا لَمْ يَرُدَّ الزُّيُوفَ وَيُجَدِّدَ الْقَبْضَ وَقِيلَ لَا يُشْتَرَطُ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ تَبَرُّعٌ كَالْهِبَةِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ مِنْ قَبْلُ وَقَبْضُ الْأَمَانَةِ يَنُوبُ عَنْ قَبْضِ الْهِبَةِ، وَلِأَنَّ الرَّهْنَ عَيْنَهُ أَمَانَةٌ، وَالْقَبْضُ يُرَدُّ عَلَى الْعَيْنِ فَيَنُوبُ قَبْضُ الْأَمَانَةِ عَنْ قَبْضِ الْعَيْنِ.
الشَّرْحُ:
قَالَ: (فَإِنْ رَهَنَ عَبْدًا يُسَاوِي أَلْفًا إلَخْ) كَلَامُهُ وَاضِحٌ.
وَقَوْلُهُ (عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ مِنْ قَبْلُ) يَعْنِي فِي صَدْرِ كِتَابِ الرَّهْنِ فِي تَعْلِيلِ أَنَّ تَمَامَ الرَّهْنِ بِالْقَبْضِ. (وَلَوْ أَبْرَأَ الْمُرْتَهِنُ الرَّاهِنَ عَنْ الدَّيْنِ أَوْ وَهَبَهُ مِنْهُ ثُمَّ هَلَكَ الرَّهْنُ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ يَهْلَكُ بِغَيْرِ شَيْءٍ اسْتِحْسَانًا) خِلَافًا لِزُفَرَ،؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ مَضْمُونٌ بِالدَّيْنِ أَوْ بِجِهَتِهِ عِنْدَ تَوَهُّمِ الْوُجُودِ كَمَا فِي الدَّيْنِ الْمَوْعُودِ وَلَمْ يَبْقَ الدَّيْنُ بِالْإِبْرَاءِ أَوْ الْهِبَةِ وَلَا جِهَتِهِ لِسُقُوطِهِ، إلَّا إذَا أَحْدَثَ مَنْعًا؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ بِهِ غَاصِبًا إذَا لَمْ تَبْقَ لَهُ وِلَايَةُ الْمَنْعِ.
الشَّرْحُ:
وَقَوْلُهُ (خِلَافًا لِزُفَرَ رَحِمَهُ اللَّهُ) هُوَ يَقُولُ: إنَّ الضَّمَانَ فِي بَابِ الرَّهْنِ إنَّمَا يَجِبُ بِاعْتِبَارِ الْقَبْضِ وَهُوَ قَائِمٌ فَكَانَ مَا بَعْدَ الْإِبْرَاءِ وَمَا قَبْلَهُ سَوَاءً، وَلِهَذَا كَانَ مَضْمُونًا بَعْدَ الِاسْتِيفَاءِ وَإِنْ لَمْ يَبْقَ الدَّيْنُ بَعْدَهُ.
وَلَنَا مَا ذَكَرَ فِي الْكِتَابِ أَنَّ الرَّهْنَ مَضْمُونٌ بِالدَّيْنِ أَوْ بِجِهَتِهِ عِنْدَ تَوَهُّمِ الْوُجُودِ كَمَا فِي الدَّيْنِ الْمَوْعُودِ، وَلَمْ يَبْقَ الدَّيْنُ بِالْإِبْرَاءِ: أَيْ بِسَبَبِهِ وَلَا جِهَتِهِ لِسُقُوطِهِ فَلَمْ يَبْقَ الرَّهْنُ مَضْمُونًا بِالدَّيْنِ.
فَإِنْ قِيلَ: سُقُوطُ الدَّيْنِ لَا يُوجِبُ سُقُوطَ الضَّمَانِ، فَإِنَّهُ إذَا طَلَبَهُ الرَّاهِنُ وَمَنَعَ الْمُرْتَهِنَ بَعْدَ الْإِبْرَاءِ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ وَقَدْ سَقَطَ الدَّيْنُ.
أَجَابَ بِقَوْلِهِ إلَّا إذَا أَحْدَثَ مَنْعًا لِأَنَّهُ يَصِيرُ بِهِ غَاصِبًا لِانْتِفَاءِ وِلَايَةِ مَنْعِهِ.
وَالْجَوَابُ عَنْ صُورَةِ الِاسْتِيفَاءِ مَا ذَكَرَهُ عَلَى وَجْهِ الْفَرْقِ بِقَوْلِهِ إنَّ بِالْإِبْرَاءِ يَسْقُطُ الدَّيْنُ أَصْلًا كَمَا ذَكَرْنَا، وَبِالِاسْتِيفَاءِ لَا يَسْقُطُ لِقِيَامِ الْمُوجِبِ وَهُوَ الْعَقْدُ الَّذِي لَزِمَ الدَّيْنُ بِهِ، إلَّا أَنَّهُ يَتَعَذَّرُ الِاسْتِيفَاءُ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ لِأَنَّهُ يَعْقُبُ مُطَالَبَةَ مِثْلِهِ فَيُفْضِي إلَى الدَّوْرِ (وَكَذَا إذَا ارْتَهَنَتْ الْمَرْأَةُ رَهْنًا بِالصَّدَاقِ فَأَبْرَأَتْهُ أَوْ وَهَبَتْهُ أَوْ ارْتَدَّتْ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ اخْتَلَعَتْ مِنْهُ عَلَى صَدَاقِهَا ثُمَّ هَلَكَ الرَّهْنُ فِي يَدِهَا يَهْلَكُ بِغَيْرِ شَيْءٍ فِي هَذَا كُلِّهِ وَلَمْ تَضْمَنْ شَيْئًا لِسُقُوطِ الدَّيْنِ كَمَا فِي الْإِبْرَاءِ، وَلَوْ اسْتَوْفَى الْمُرْتَهِنُ الدَّيْنَ بِإِيفَاءِ الرَّاهِنِ أَوْ بِإِيفَاءِ مُتَطَوِّعٍ ثُمَّ هَلَكَ الرَّهْنُ فِي يَدِهِ يَهْلَكُ بِالدَّيْنِ وَيَجِبُ عَلَيْهِ رَدُّ مَا اسْتَوْفَى إلَى مَا اسْتَوْفَى مِنْهُ وَهُوَ مَنْ عَلَيْهِ أَوْ الْمُتَطَوِّعُ بِخِلَافِ الْإِبْرَاءِ) وَوَجْهُ الْفَرْقِ أَنَّ بِالْإِبْرَاءِ يَسْقُطُ الدَّيْنُ أَصْلًا كَمَا ذَكَرْنَا، وَبِالِاسْتِيفَاءِ لَا يَسْقُطُ لِقِيَامِ الْمُوجِبِ، إلَّا أَنَّهُ يَتَعَذَّرُ الِاسْتِيفَاءُ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ؛ لِأَنَّهُ يَعْقُبُ مُطَالَبَةَ مِثْلِهِ، فَأَمَّا هُوَ فِي نَفْسِهِ فَقَائِمٌ، فَإِذَا هَلَكَ يَتَقَرَّرُ الِاسْتِيفَاءُ الْأَوَّلُ فَانْتَقَضَ الِاسْتِيفَاءُ الثَّانِي.
الشَّرْحُ:
وَقَوْلُهُ (فَأَمَّا هُوَ) يَعْنِي تَعَذُّرُ الِاسْتِيفَاءِ، فَأَمَّا الدَّيْنُ فَهُوَ قَائِمٌ فِي نَفْسِهِ وَهُوَ تَكْرِيرٌ لِلتَّوْكِيدِ (فَإِذَا هَلَكَ) يَعْنِي الرَّهْنَ بِتَقَرُّرِ الِاسْتِيفَاءِ الْأَوَّلِ وَهُوَ الْحُكْمِيُّ فَانْتَقَضَ الِاسْتِيفَاءُ الثَّانِي وَهُوَ الْحَقِيقِيُّ لِئَلَّا يَتَكَرَّرَ الِاسْتِيفَاءُ، (وَكَذَا إذَا اشْتَرَى بِالدَّيْنِ عَيْنًا أَوْ صَالَحَ عَنْهُ عَلَى عَيْنٍ)؛ لِأَنَّهُ اسْتِيفَاءٌ (وَكَذَلِكَ إذَا أَحَالَ الرَّاهِنُ الْمُرْتَهِنَ بِالدَّيْنِ عَلَى غَيْرِهِ ثُمَّ هَلَكَ الرَّهْنُ بَطَلَتْ الْحَوَالَةُ وَيَهْلَكُ بِالدَّيْنِ)؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْبَرَاءَةِ بِطَرِيقِ الْأَدَاءِ؛ لِأَنَّهُ يَزُولُ بِهِ عَنْ مِلْكِ الْمُحِيلِ مِثْلَ مَا كَانَ لَهُ عَلَى الْمُحْتَالِ عَلَيْهِ، أَوْ مَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُحِيلِ عَلَى الْمُحْتَالِ عَلَيْهِ دَيْنٌ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْوَكِيلِ (وَكَذَا لَوْ تَصَادَقَا عَلَى أَنْ لَا دَيْنَ ثُمَّ هَلَكَ الرَّهْنُ يَهْلَكُ بِالدَّيْنِ) لِتَوَهُّمِ وُجُوبِ الدَّيْنِ بِالتَّصَادُقِ عَلَى قِيَامِهِ فَتَكُونُ الْجِهَةُ بَاقِيَةً بِخِلَافِ الْإِبْرَاءِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
الشَّرْحُ:
وَقَوْلُهُ (وَكَذَا إذَا اشْتَرَى) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ وَلَوْ اسْتَوْفَى.
وَقَوْلُهُ (لِأَنَّهُ) أَيْ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الشِّرَاءِ وَالصُّلْحِ عَلَى عَيْنٍ اسْتِيفَاءٌ فَيَجِبُ عَلَيْهِ رَدُّ الرَّهْنِ إنْ كَانَ بَاقِيًا أَوْ قِيمَتِهِ إنْ هَلَكَ فِي يَدِهِ قَبْلَ الرَّدِّ.
وَقَوْلُهُ (لِأَنَّهُ) يَعْنِي الْبَرَاءَةَ بِطَرِيقِ الْأَدَاءِ إشَارَةٌ إلَى الْجَوَابِ عَمَّا يُقَالُ ذِمَّةُ الْمُحِيلِ تَبْرَأُ بِالْحَوَالَةِ عَمَّا عَلَيْهِ فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى الْإِبْرَاءِ فَيَهْلِكُ أَمَانَةً.
وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا أَشَارَ إلَيْهِ أَنَّ الْحَوَالَةَ وَإِنْ كَانَتْ إبْرَاءً لَكِنَّهَا بِطَرِيقِ الْأَدَاءِ دُونَ الْإِسْقَاطِ (لِأَنَّهُ يَزُولُ بِهِ) أَيْ: بِعَقْدِ الْحَوَالَةِ إلَخْ.
وَقَوْلُهُ (لِأَنَّهُ) يَعْنِي الْمُحَالَ عَلَيْهِ (بِمَنْزِلَةِ الْوَكِيلِ) عَنْ الْمُحِيلِ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ.
وَقَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ لَوْ تَصَادَقَا عَلَى أَنْ لَا دَيْنَ ثُمَّ هَلَكَ الرَّهْنُ إلَخْ) اخْتِيَارُ بَعْضِ الْمَشَايِخِ اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إذَا كَانَ التَّصَادُقُ بَعْدَ هَلَاكِ الرَّهْنِ وَالدَّيْنِ كَانَ وَاجِبًا ظَاهِرًا فَهُوَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ وُجُوبَهُ ظَاهِرًا يَكْفِي لِضَمَانِ الرَّهْنِ فَكَانَ مُسْتَوْفِيًا، فَأَمَّا إذَا كَانَ قَبْلَهُ هَلَكَ أَمَانَةً لِأَنَّهُ بِتَصَادُقِهِمَا يَنْتَفِي الدَّيْنُ مِنْ الْأَصْلِ وَضَمَانُ الرَّهْنِ لَا يَبْقَى بِدُونِ الدَّيْنِ.
وَوَجْهُ مُخْتَارِ الْمُصَنِّفِ مَا ذَكَرَهُ مِنْ تَوَهُّمِ وُجُوبِ الدَّيْنِ بِالتَّصَادُقِ عَلَى قِيَامِهِ يَعْنِي بَعْدَ التَّصَادُقِ عَلَى عَدَمِهِ لِجَوَازِ أَنْ يَتَذَكَّرَا وُجُوبَهُ بَعْدَ التَّصَادُقِ عَلَى انْتِفَائِهِ فَتَكُونَ الْجِهَةُ بَاقِيَةً، وَضَمَانُ الرَّهْنِ مُتَحَقِّقٌ بِتَوَهُّمِ الْوُجُوبِ.
وَقَوْلُهُ (بِخِلَافِ الْإِبْرَاءِ) رَاجِعٌ إلَى قَوْلِهِ وَلَوْ اسْتَوْفَى، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ مِنْ ثَمَّةَ إلَى هَاهُنَا نُقُوضٌ عَلَى جَوَابِ الِاسْتِحْسَانِ فِي صُورَةِ الْإِبْرَاءِ، وَالْأَوْلَى أَنْ يَرْجِعَ إلَى قَوْلِهِ فَتَكُونُ الْجِهَةُ بَاقِيَةً.

.كتاب الجنايات:

قَالَ (الْقَتْلُ عَلَى خَمْسَةِ أَوْجُهٍ: عَمْدٌ، وَشِبْهُ عَمْدٍ، وَخَطَأٌ، وَمَا أُجْرِيَ مَجْرَى الْخَطَأِ، وَالْقَتْلُ بِسَبَبٍ) وَالْمُرَادُ بَيَانُ قَتْلٍ تَتَعَلَّقُ بِهِ الْأَحْكَامُ قَالَ (فَالْعَمْدُ مَا تَعَمَّدَ ضَرْبَهُ بِسِلَاحٍ أَوْ مَا أُجْرِيَ مَجْرَى السِّلَاحِ كَالْمُحَدَّدِ مِنْ الْخَشَبِ وَلِيطَةِ الْقَصَبِ وَالْمَرْوَةِ الْمُحَدَّدَةِ وَالنَّارِ)؛ لِأَنَّ الْعَمْدَ هُوَ الْقَصْدُ، وَلَا يُوقَفُ عَلَيْهِ إلَّا بِدَلِيلِهِ وَهُوَ اسْتِعْمَالُ الْآلَةِ الْقَاتِلَةِ فَكَانَ مُتَعَمِّدًا فِيهِ عِنْدَ ذَلِكَ.
الشَّرْحُ:
كِتَابُ الْجِنَايَاتِ:
ذَكَرَ الْجِنَايَاتِ عَقِبَ الرَّهْنِ لِأَنَّ الرَّهْنَ لِصِيَانَةِ الْمَالِ وَحُكْمُ الْجِنَايَاتِ لِصِيَانَةِ الْأَنْفُسِ وَالْمَالُ وَسِيلَةٌ لِلنَّفْسِ فَكَانَ مُقَدَّمًا عَلَيْهَا، وَمَحَاسِنُ أَجْزَيَتْهَا مَحَاسِنُ الْحُدُودِ.
وَالْجِنَايَةُ فِي اللُّغَةِ: اسْمٌ لِمَا يُكْتَسَبُ مِنْ الشَّرِّ تَسْمِيَةً بِالْمَصْدَرِ مِنْ جَنَى عَلَيْهِ شَرًّا، وَهُوَ عَامٌّ إلَّا أَنَّهُ فِي الشَّرْعِ خُصَّ بِفِعْلٍ مُحَرَّمٍ شَرْعًا حَلَّ بِالنُّفُوسِ وَالْأَطْرَافِ، وَالْأَوَّلُ يُسَمَّى قَتْلًا وَهُوَ فِعْلٌ مِنْ الْعِبَادِ تَزُولُ بِهِ الْحَيَاةُ، وَالثَّانِي يُسَمَّى قَطْعًا وَجَرْحًا.
وَسَبَبُهَا سَبَبُ الْحُدُودِ.
وَشَرْطُهَا كَوْنُ الْمَحَلِّ حَيَوَانًا، قَالَ (الْقَتْلُ عَلَى خَمْسَةِ أَوْجُهٍ) الْقَتْلُ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمٌ مِنْ قِصَاصٍ وَدِيَةٍ وَكَفَّارَةٍ وَحِرْمَانِ إرْثٍ خَمْسَةُ أَوْجُهٍ، وَذَلِكَ لِأَنَّا قَدْ اسْتَقْرَيْنَا فَوَجَدْنَا مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ شَيْءٌ مِنْ الْأَحْكَامِ الْمَذْكُورَةِ.
وَقَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ رَحِمَهُ اللَّهُ: لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ حَصَلَ بِسِلَاحٍ أَوْ بِغَيْرِ سِلَاحٍ، فَإِنْ حَصَلَ بِسِلَاحٍ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ كَانَ بِهِ قَصْدُ الْقَتْلِ أَوْ لَا، فَإِنْ كَانَ فَهُوَ الْعَمْدُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَهُوَ الْخَطَأُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِسِلَاحٍ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ كَانَ مَعَهُ قَصْدُ التَّأْدِيبِ وَالضَّرْبِ أَوْ لَا، فَإِنْ كَانَ فَهُوَ شِبْهُ الْعَمْدِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ كَانَ جَارِيًا مَجْرَى الْخَطَأِ أَمْ لَا، فَإِنْ كَانَ فَهُوَ هُوَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَهُوَ الْقَتْلُ بِالسَّبَبِ، وَبِهَذَا الِانْحِصَارِ تَعْرِفُ أَيْضًا تَفْسِيرَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا، وَضَعْفُهُ وَرَكَاكَتُهُ ظَاهِرَانِ.
وَقَوْلُهُ (أَوْ مَا أُجْرِيَ مَجْرَى السِّلَاحِ) يَعْنِي فِي تَفْرِيقِ الْأَجْزَاءِ كَالْمُحَدَّدِ مِنْ الْخَشَبِ وَلِيطَةِ الْقَصَبِ وَهِيَ قِشْرُهُ وَقَدْ تَقَدَّمَ (وَمُوجِبُ ذَلِكَ الْمَأْثَمُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ} الْآيَةَ، وَقَدْ نَطَقَ بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ السُّنَّةِ، وَعَلَيْهِ انْعَقَدَ إجْمَاعُ الْأُمَّةِ قَالَ (وَالْقَوَدُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} إلَّا أَنَّهُ تَقَيَّدَ بِوَصْفِ الْعَمْدِيَّةِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ «الْعَمْدُ قَوَدٌ» أَيْ مُوجِبُهُ، وَلِأَنَّ الْجِنَايَةَ بِهَا تَتَكَامَلُ وَحِكْمَةُ الزَّجْرِ عَلَيْهَا تَتَوَفَّرُ، وَالْعُقُوبَةُ الْمُتَنَاهِيَةُ لَا شَرْعَ لَهَا دُونَ ذَلِكَ قَالَ (إلَّا أَنْ يَعْفُوَ الْأَوْلِيَاءُ أَوْ يُصَالِحُوا)؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمْ ثُمَّ هُوَ وَاجِبٌ عَيْنًا، وَلَيْسَ لِلْوَلِيِّ أَخْذُ الدِّيَةِ إلَّا بِرِضَا الْقَاتِلِ وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ، إلَّا أَنَّ لَهُ حَقَّ الْعُدُولِ إلَى الْمَالِ مِنْ غَيْرِ مَرْضَاةِ الْقَاتِلِ؛ لِأَنَّهُ تَعَيَّنَ مَدْفَعًا لِلْهَلَاكِ فَيَجُوزُ بِدُونِ رِضَاهُ، وَفِي قَوْلِ الْوَاجِبِ أَحَدُهُمَا لَا بِعَيْنِهِ وَيَتَعَيَّنُ بِاخْتِيَارِهِ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْعَبْدِ شُرِعَ جَابِرًا وَفِي كُلِّ وَاحِدٍ نَوْعُ جَبْرٍ فَيَتَخَيَّرُ وَلَنَا مَا تَلَوْنَا مِنْ الْكِتَابِ وَرَوَيْنَا مِنْ السُّنَّةِ، وَلِأَنَّ الْمَالَ لَا يَصْلُحُ مُوجِبًا لِعَدَمِ الْمُمَاثَلَةِ، وَالْقِصَاصُ يَصْلُحُ لِلتَّمَاثُلِ، وَفِيهِ مَصْلَحَةُ الْأَحْيَاءِ زَجْرًا وَجَبْرًا فَيَتَعَيَّنُ، وَفِي الْخَطَإِ وُجُوبُ الْمَالِ ضَرُورَةَ صَوْنِ الدَّمِ عَنْ الْإِهْدَارِ، وَلَا يُتَيَقَّنُ بِعَدَمِ قَصْدِ الْوَلِيِّ بَعْدَ أَخْذِ الْمَالِ فَلَا يَتَعَيَّنُ مَدْفَعًا لِلْهَلَاكِ، وَلَا كَفَّارَةَ فِيهِ عِنْدَنَا: وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَجِبُ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ إلَى التَّكْفِيرِ فِي الْعَمْدِ أَمَسُّ مِنْهَا إلَيْهِ فِي الْخَطَأِ فَكَانَ أَدْعَى إلَى إيجَابِهَا وَلَنَا أَنَّهُ كَبِيرَةٌ مَحْضَةٌ، وَفِي الْكَفَّارَةِ مَعْنَى الْعِبَادَةِ فَلَا تُنَاطُ بِمِثْلِهَا، وَلِأَنَّ الْكَفَّارَةَ مِنْ الْمَقَادِيرِ، وَتَعَيُّنُهَا فِي الشَّرْعِ لِدَفْعِ الْأَدْنَى لَا يُعَيِّنُهَا لِدَفْعِ الْأَعْلَى وَمِنْ حُكْمِهِ حِرْمَانُ الْمِيرَاثِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ «لَا مِيرَاثَ لِقَاتِلٍ»
الشَّرْحُ:
وَقَوْلُهُ (وَقَدْ نَطَقَ بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ السُّنَّةِ) مِنْهَا مَا قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي خُطْبَتِهِ بِعَرَفَاتٍ «أَلَا إنَّ دِمَاءَكُمْ وَنُفُوسَكُمْ مُحَرَّمَةٌ عَلَيْكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِي هَذَا فِي شَهْرِي هَذَا فِي مَقَامِي هَذَا» وَمِنْهَا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «لَزَوَالُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ قَتْلِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ».
وَقَوْلُهُ (وَالْقَوَدُ) يَعْنِي الْقِصَاصَ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ الْمَأْثَمُ: أَيْ مُوجَبُ الْقَتْلِ الْعَمْدِ الْإِثْمُ فِي الْآخِرَةِ وَالْقِصَاصُ فِي الدُّنْيَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى {كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ} الْآيَةَ وَهُوَ بِظَاهِرِهِ لَمْ يَفْصِلْ بَيْنَ الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ لَكِنَّهُ تَقَيَّدَ بِوَصْفِ الْعَمْدِيَّةِ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «الْعَمْدُ قَوَدٌ» أَيْ مُوجَبُهُ، وَالْحَدِيثُ مَشْهُورٌ، وَلِأَنَّ الْجِنَايَةَ بِهَا: أَيْ بِالْعَمْدِيَّةِ تَتَكَامَلُ.
وَقَوْلُهُ (لَا شَرْعَ لَهَا دُونَ ذَلِكَ) أَيْ لَا شَرْعِيَّةَ لِلْعُقُوبَةِ الْمُتَنَاهِيَةِ بِدُونِ الْعَمْدِيَّةِ.
وَتَقْرِيرُ حُجَّتِهِ أَنَّ الْعَمْدِيَّةَ تَتَكَامَلُ بِهَا الْجِنَايَةُ، وَكُلُّ مَا تَتَكَامَلُ بِهِ الْجِنَايَةُ كَانَتْ حِكْمَةُ الزَّجْرِ عَلَيْهَا أَكْمَلَ، وَقَوْلُهُ (وَالْعُقُوبَةُ الْمُتَنَاهِيَةُ إلَخْ) حُجَّةٌ أُخْرَى.
وَتَقْرِيرُهَا: الْقَوَدُ عُقُوبَةٌ مُتَنَاهِيَةٌ وَالْعُقُوبَةُ الْمُتَنَاهِيَةُ لَا شَرْعَ لَهَا دُونَ الْعَمْدِيَّةِ، وَذَلِكَ ظَاهِرٌ.
وَقَوْلُهُ (ثُمَّ هُوَ) يَعْنِي الْقَوَدَ.
وَقَوْلُهُ (وَهَذَا لِأَنَّهُ تَعَيَّنَ مِدْفَعًا لِلْهَلَاكِ) يَعْنِي لِأَنَّ الْقَاتِلَ فِي الِامْتِنَاعِ مِنْ أَدَاءِ الدِّيَةِ بَعْدَمَا اُسْتُحِقَّتْ نَفْسُهُ قِصَاصًا يُسَفَّهُ وَيُلْقِي نَفْسَهُ فِي التَّهْلُكَةِ فَيُحْجَرُ عَلَيْهِ وَيُمْنَعُ عَنْهُ شَرْعًا (وَلَنَا مَا تَلَوْنَا) مِنْ قَوْله تَعَالَى {كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} وَوَجْهُ التَّمَسُّكِ بِهِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَ فِي الْخَطَأِ الدِّيَةَ فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ الْقِصَاصُ الْمَذْكُورُ فِيهِ فِيمَا هُوَ ضِدُّ الْخَطَأِ وَهُوَ الْعَمْدُ، وَلَمَّا تَعَيَّنَ بِالْعَمْدِ لَا يُعْدَلُ عَنْهُ لِئَلَّا تَلْزَمَ الزِّيَادَةُ عَلَى النَّصِّ بِالرَّأْيِ.
وَوَجْهُ التَّمَسُّكِ بِالسُّنَّةِ أَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ فِي قَوْلِهِ الْعَمْدُ قَوَدٌ لِلْجِنْسِ، إذْ لَا مَعْهُودَ يَنْصَرِفُ إلَيْهِ، فَفِيهِ تَنْصِيصٌ عَلَى أَنَّ حُكْمَ جِنْسِ الْعَمْدِ ذَلِكَ، فَمَنْ عَدَلَ عَنْهُ إلَى غَيْرِهِ زَادَ عَلَى النَّصِّ أَثَرُ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِي قَوْلِهِ: الْعَمْدُ قَوَدٌ لَا مَالَ فِيهِ إلَى ذَلِكَ.
وَوَجْهُ الْمَعْقُولِ أَنَّ الْمَالَ لَا يَصْلُحُ مُوجَبًا فِي الْقَتْلِ الْعَمْدِ لِعَدَمِ الْمُمَاثَلَةِ، لِأَنَّ الْآدَمِيَّ مَالِكٌ مُبْتَذِلٌ وَالْمَالَ مَمْلُوكٌ مُبْتَذَلٌ فَأَنَّى يَتَمَاثَلَانِ، بِخِلَافِ الْقِصَاصِ فَإِنَّهُ يَصْلُحُ مُوجَبًا لِلتَّمَاثُلِ، وَفِيهِ زِيَادَةُ حِكْمَةٍ وَهِيَ مَصْلَحَةُ الْإِحْيَاءِ زَجْرًا لِلْغَيْرِ عَنْ وُقُوعِهِ فِيهِ وَجَبْرًا لِلْوَرَثَةِ فَيَتَعَيَّنُ، فَإِنْ قِيلَ: فَكَيْفَ صَلَحَ مُوجَبًا فِي الْخَطَأِ وَالْفَائِتُ فِيهِ مِثْلُ الْفَائِتِ فِي الْعَمْدِ.
أَجَابَ بِقَوْلِهِ وَفِي الْخَطَأِ وُجُوبُ الْمَالِ ضَرُورَةَ صَوْنِ الدَّمِ عَنْ الْإِهْدَارِ، فَإِنَّهُ لَمَّا لَمْ يُمْكِنْ الِاقْتِصَاصُ فِيهِ هُدِرَ الدَّمُ لَوْ لَمْ يَجِبْ الْمَالُ وَالْآدَمِيُّ مُكَرَّمٌ لَا يَجِبُ إهْدَارُ دَمِهِ، عَلَى أَنَّ ذَلِكَ ثَابِتٌ بِالنَّصِّ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ، وَالْعَمْدُ لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ حَتَّى يَلْحَقَ بِهِ.
وَقَوْلُهُ (وَلَا يُتَيَقَّنُ بِعَدَمِ قَصْدِ الْوَلِيِّ بَعْدَ أَخْذِ الْمَالِ) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِ لِأَنَّهُ تَعَيَّنَ مِدْفَعًا لِلْهَلَاكِ وَذَلِكَ لِجَوَازِ أَنْ يَأْخُذَ الْوَلِيُّ الْمَالَ مِنْ الْقَاتِلِ بِدُونِ رِضَاهُ ثُمَّ يَقْتُلُهُ.
قِيلَ هَذَا الْوَهْمُ مَوْجُودٌ فِيمَا إذَا أَخَذَ الْمَالَ صُلْحًا وَقَدْ جَازَ.
أُجِيبَ بِأَنَّ فِي الصُّلْحِ الْمُرَاضَاةَ وَالْقَتْلُ بَعْدَهُ ظَاهِرُ الْعَدَمِ.
وَعُورِضَ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «مَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَأَهْلُهُ بَيْنَ خِيَرَتَيْنِ: إنْ أَحَبُّوا قَتَلُوا، وَإِنْ أَحَبُّوا أَخَذُوا الدِّيَةَ» وَبِأَنَّ الشَّرْعَ أَوْجَبَ الْقِصَاصَ لِمَعْنَى الِانْتِقَامِ وَتَشَفِّي صُدُورِ الْأَوْلِيَاءِ، بِخِلَافِ الْقِيَاسِ فَإِنَّ الْجَمَاعَةَ تُقْتَلُ بِوَاحِدٍ وَالْقِيَاسُ لَا يَقْتَضِيهِ، فَكَانَ لِمَعْنَى النَّظَرِ لِلْوَلِيِّ وَذَلِكَ بِتَمَكُّنِهِ مِنْ الْقِصَاصِ وَأَخْذِ الدِّيَةِ.
وَالْجَوَابُ أَنَّ الْحَدِيثَ خَبَرُ وَاحِدٍ فَلَا يُعَارِضُ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ الْمَشْهُورَةَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، وَأَنَّ الْقِصَاصَ لِمَعْنَى النَّظَرِ لِلْوَلِيِّ عَلَى وَجْهٍ خَاصٍّ وَهُوَ الِانْتِقَامُ وَتَشَفِّي الصُّدُورِ، فَإِنَّهُ شُرِعَ زَجْرًا عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ إفْنَاءِ قَبِيلَةٍ بِوَاحِدٍ لَا لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَأْخُذُونَ أَمْوَالًا كَثِيرَةً عِنْدَ قَتْلِ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، بَلْ الْقَاتِلُ وَأَهْلُهُ لَوْ بَذَلُوا مَا مَلَكُوهُ وَأَمْثَالَهُ مَا رَضِيَ بِهِ أَوْلِيَاءُ الْمَقْتُولِ، فَكَانَ إيجَابُ الْمَالِ فِي مُقَابَلَةِ الْقَتْلِ الْعَمْدِ تَضْيِيعُ حِكْمَةِ الْقِصَاصِ، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْأَصْلَ هُوَ الْقِصَاصُ لَمْ يَجُزْ الْمَصِيرُ إلَى غَيْرِهِ بِغَيْرِ ضَرُورَةٍ مِثْلُ أَنْ يَعْفُوَ أَحَدُ الْأَوْلِيَاءِ فَإِنَّهُ تَعَذَّرَ الِاسْتِيفَاءُ حِينَئِذٍ، أَوْ أَنْ يَكُونَ مَحَلُّ الْقِصَاصِ نَاقِصًا بِأَنْ تَكُونَ يَدُ قَاطِعِ الْيَدِ أَقَلَّ أُصْبُعًا وَأَمْثَالُ ذَلِكَ.
وَقَوْلُهُ (وَلَا كَفَّارَةَ فِيهِ عِنْدَنَا) أَيْ فِي الْقَتْلِ الْعَمْدِ سَوَاءٌ وَجَبَ فِيهِ الْقِصَاصُ أَوْ لَمْ يَجِبْ كَالْأَبِ إذَا قَتَلَ ابْنَهُ عَمْدًا.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَجِبُ لِأَنَّ الْحَاجَةَ إلَى التَّكْفِيرِ فِي الْعَمْدِ أَمَسُّ مِنْهَا إلَيْهِ فِي الْخَطَأِ لِأَنَّهَا لِسَتْرِ الذَّنْبِ وَالذَّنْبُ فِي الْعَمْدِ أَعْظَمُ (وَلَنَا أَنَّهُ كَبِيرَةٌ مَحْضَةٌ) وَمَا هُوَ كَذَلِكَ لَا يَكُونُ سَبَبًا لِمَا فِيهِ مَعْنَى الْعِبَادَةِ وَالْكَفَّارَةُ فِيهَا ذَلِكَ وَمَوْضِعُهُ أُصُولُ الْفِقْهِ.
وَقَوْلُهُ (وَلِأَنَّ الْكَفَّارَةَ) جَوَابٌ عَنْ قِيَاسِ الشَّافِعِيِّ وَهُوَ وَاضِحٌ.
فَإِنْ قِيلَ: هَبْ أَنَّ الْقِيَاسَ لَا يَصِحُّ فَلْيَلْحَقْ دَلَالَةً لِأَنَّهُمَا مِثْلَانِ فِي الْمَنَاطِ وَهُوَ السَّتْرُ وَلَا مُعْتَبَرَ لِصِفَةِ الْعَمْدِيَّةِ كَالْمُحْرِمِ إذَا قَتَلَ الصَّيْدَ عَمْدًا فَإِنَّهُ كَقَتْلِهِ خَطَأً.
فَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُمَاثَلَةَ مَمْنُوعَةٌ، فَإِنَّ ذَنْبَ الْعَمْدِ مِمَّا لَا يُسْتَرُ بِهَا لِعَدَمِ صَلَاحِيَّتِهِ لَعَلَّهَا كَمَا مَرَّ.
فَإِنْ قِيلَ: قَدْ دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى عَدَمِ اعْتِبَارِ صِفَةِ الْعَمْدِيَّةِ وَهُوَ حَدِيثُ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ «أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِصَاحِبٍ لَنَا قَدْ اسْتَوْجَبَ النَّارَ بِالْقَتْلِ، فَقَالَ: أَعْتِقُوا عَنْهُ رَقَبَةً يُعْتِقُ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهَا عُضْوًا مِنْهُ مِنْ النَّارِ» وَإِيجَابُ النَّارِ إنَّمَا يَكُونُ بِالْقَتْلِ الْعَمْدِ.
قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ اسْتَوْجَبَهَا بِشِبْهِ الْعَمْدِ كَالْقَتْلِ بِالْحَجَرِ أَوْ الْعَصَا الْكَبِيرَيْنِ.
سَلَّمْنَاهُ لَكِنَّهُ لَا يُعَارِضُ إشَارَةَ قَوْله تَعَالَى {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا} فَإِنَّ الْفَاءَ تَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْمَذْكُورُ كُلَّ الْجَزَاءِ، فَلَوْ أَوْجَبْنَا الْكَفَّارَةَ لَكَانَ الْمَذْكُورُ بَعْضَهُ وَهُوَ خَلَفٌ قَالَ (وَشِبْهُ الْعَمْدِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَنْ يَتَعَمَّدَ الضَّرْبَ بِمَا لَيْسَ بِسِلَاحٍ وَلَا مَا أُجْرِيَ مَجْرَى السِّلَاحِ) وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ: إذَا ضَرَبَهُ بِحَجَرٍ عَظِيمٍ أَوْ بِخَشَبَةٍ عَظِيمَةٍ فَهُوَ عَمْدٌ وَشِبْهُ الْعَمْدِ أَنْ يَتَعَمَّدَ ضَرْبَهُ بِمَا لَا يُقْتَلُ بِهِ غَالِبًا؛ لِأَنَّهُ يَتَقَاصَرُ مَعْنَى الْعَمْدِيَّةِ بِاسْتِعْمَالِ آلَةٍ صَغِيرَةٍ لَا يُقْتَلُ بِهَا غَالِبًا لِمَا أَنَّهُ يَقْصِدُ بِهَا غَيْرَهُ كَالتَّأْدِيبِ وَنَحْوِهِ فَكَانَ شِبْهَ الْعَمْدِ، وَلَا يَتَقَاصَرُ بِاسْتِعْمَالِ آلَةٍ لَا تَلْبَثُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْصِدُ بِهِ إلَّا الْقَتْلَ كَالسَّيْفِ فَكَانَ عَمْدًا مُوجِبًا لِلْقَوَدِ وَلَهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ «أَلَا إنَّ قَتِيلَ خَطَأِ الْعَمْدِ قَتِيلُ السَّوْطِ وَالْعَصَا، وَفِيهِ مِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ» وَلِأَنَّ الْآلَةَ غَيْرُ مَوْضُوعَةٍ لِلْقَتْلِ وَلَا مُسْتَعْمَلَةٌ فِيهِ؛ إذْ لَا يُمْكِنُ اسْتِعْمَالُهَا عَلَى غِرَّةٍ مِنْ الْمَقْصُودِ قَتْلُهُ، وَبِهِ يَحْصُلُ الْقَتْلُ غَالِبًا فَقُصِرَتْ الْعَمْدِيَّةُ نَظَرًا إلَى الْآلَةِ، فَكَانَ شِبْهُ الْعَمْدِ كَالْقَتْلِ بِالسَّوْطِ وَالْعَصَا الصَّغِيرَةِ.
الشَّرْحُ:
قَالَ (وَشِبْهُ الْعَمْدِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ إلَخْ) اخْتَلَفُوا فِي تَفْسِيرِ هَذَا النَّوْعِ مِنْ الْقَتْلِ، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ شِبْهُ الْعَمْدِ هُوَ أَنْ يَتَعَمَّدَ الضَّرْبَ بِمَا لَيْسَ بِسِلَاحٍ وَلَا أُجْرِيَ مَجْرَاهُ سَوَاءٌ كَانَ الْهَلَاكُ بِهِ غَالِبًا كَالْحَجَرِ وَالْعَصَا الْكَبِيرَيْنِ وَمِدَقَّةِ الْقَصَّارِ أَوْ لَمْ يَكُنْ كَالْعَصَا الصَّغِيرَةِ.
وَقَالَا: هُوَ أَنْ يَتَعَمَّدَ الضَّرْبَ بِمَا لَا يَحْصُلُ الْهَلَاكُ بِهِ غَالِبًا كَالْعَصَا الصَّغِيرَةِ إذَا لَمْ يُوَالِ فِي الضَّرَبَاتِ.
فَأَمَّا إذَا وَالَى فِيهَا فَقِيلَ شِبْهُ عَمْدٍ عِنْدَهُمَا وَقِيلَ عَمْدٌ مَحْضٌ، قَالَا: سُمِّيَ هَذَا النَّوْعُ شِبْهَ الْعَمْدِ لِاقْتِصَارِ مَعْنَى الْعَمْدِ فِيهِ وَإِلَّا لَكَانَ عَمْدًا، وَاقْتِصَارُهُ إنَّمَا يُتَصَوَّرُ فِي اسْتِعْمَالِ آلَةٍ لَا يُقْتَلُ بِهَا غَالِبًا كَالْعَصَا الصَّغِيرَةِ فَإِنَّهُ يُقْصَدُ بِاسْتِعْمَالِهَا غَيْرُ الْقَتْلِ كَالتَّأْدِيبِ وَنَحْوِهِ.
لَا فِي اسْتِعْمَالِ آلَةٍ لَا تَلْبَثُ فَإِنَّهُ لَا يُقْصَدُ بِاسْتِعْمَالِهَا إلَّا الْقَتْلُ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «أَلَا إنَّ قَتِيلَ خَطَإِ الْعَمْدِ قَتِيلُ السَّوْطِ وَالْعَصَا، وَفِيهِ مِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ» رَوَاهُ النُّعْمَانُ بْنُ بَشِير رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ جَعَلَ قَتِيلَ السَّوْطِ وَالْعَصَا مُطْلَقًا شِبْهَ عَمْدٍ فَتَخْصِيصُهُ بِهِ بِالصَّغِيرَةِ إبْطَالٌ لِلْإِطْلَاقِ وَهُوَ لَا يَجُوزُ، وَلِأَنَّ الْعَصَا الْكَبِيرَةَ وَالصَّغِيرَةَ تَسَاوَيَا فِي كَوْنِهِمَا غَيْرَ مَوْضُوعَتَيْنِ لِلْقَتْلِ وَلَا مُسْتَعْمَلَتَيْنِ لَهُ، إذْ لَا يُمْكِنُ الِاسْتِعْمَالُ عَلَى غُرَّةٍ مِنْ الْمَقْصُودِ قَتْلُهُ، وَبِالِاسْتِعْمَالِ عَلَى غُرَّةٍ يَحْصُلُ الْقَتْلُ غَالِبًا، وَإِذَا تَسَاوَيَا وَالْقَتْلُ بِالْعَصَا الصَّغِيرَةِ شِبْهُ عَمْدٍ فَكَذَا بِالْكَبِيرَةِ. قَالَ (وَمُوجِبُ ذَلِكَ عَلَى الْقَوْلَيْنِ الْإِثْمُ)؛ لِأَنَّهُ قَتَلَ وَهُوَ قَاصِدٌ فِي الضَّرْبِ (وَالْكَفَّارَةُ) لِشَبَهِهِ بِالْخَطَأِ (وَالدِّيَةُ مُغَلَّظَةٌ عَلَى الْعَاقِلَةِ) وَالْأَصْلُ أَنَّ كُلَّ دِيَةٍ وَجَبَتْ بِالْقَتْلِ ابْتِدَاءً لَا بِمَعْنًى يَحْدُثُ مِنْ بُعْدٍ فَهِيَ عَلَى الْعَاقِلَةِ اعْتِبَارًا بِالْخَطَأِ، وَتَجِبُ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ لِقَضِيَّةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَتَجِبُ مُغَلَّظَةً، وَسَنُبَيِّنُ صِفَةَ التَّغْلِيظِ مِنْ بَعْدُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (وَيَتَعَلَّقُ بِهِ حِرْمَانُ الْمِيرَاثِ)؛ لِأَنَّهُ جَزَاءُ الْقَتْلِ، وَالشُّبْهَةُ تُؤَثِّرُ فِي سُقُوطِ الْقِصَاصِ دُونَ حِرْمَانِ الْمِيرَاثِ وَمَالِكٌ وَإِنْ أَنْكَرَ مَعْرِفَةَ شِبْهِ الْعَمْدِ فَالْحُجَّةُ عَلَيْهِ مَا أَسْلَفْنَاهُ.
الشَّرْحُ:
وَقَوْلُهُ (وَمُوجَبُ ذَلِكَ) أَيْ مُوجَبُ شِبْهِ الْعَمْدِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ: يَعْنِي قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَوْلَهُمَا (الْإِثْمُ لِأَنَّهُ قَتْلٌ وَهُوَ قَاصِدٌ فِي الضَّرْبِ) عَلَى مَا مَرَّ مِنْ تَفْسِيرِهِ (وَالْكَفَّارَةُ لِشَبَهِهِ بِالْخَطَأِ، وَالدِّيَةُ مُغَلَّظَةٌ عَلَى الْعَاقِلَةِ.
وَالْأَصْلُ أَنَّ كُلَّ دِيَةٍ وَجَبَتْ بِالْقَتْلِ ابْتِدَاءً لَا بِمَعْنًى يَحْدُثُ مِنْ بَعْدُ فَهِيَ عَلَى الْعَاقِلَةِ) احْتَرَزَ بِقَوْلِهِ لَا بِمَعْنًى يَحْدُثُ مِنْ بَعْدُ عَمَّا تَصَالَحُوا فِيهِ عَلَى الدِّيَةِ وَعَنْ قَتْلِ الْوَالِدِ وَلَدَهُ عَمْدًا وَعَنْ إقْرَارِ الْقَاتِلِ بِالْقَتْلِ خَطَأً وَقَدْ كَانَ قَتْلُهُ عَمْدًا فَإِنَّ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ تَجِبُ الدِّيَةُ عَلَى الْقَاتِلِ فِي مَالِهِ.
وَقَوْلُهُ (لِقَضِيَّةِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) يَعْنِي مَا رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَضَى بِالدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ، وَالْمَرْوِيُّ عَنْهُ كَالْمَرْوِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّهُ مِمَّا لَا يُعْرَفُ بِالرَّأْيِ.
وَقَوْلُهُ (فَالْحُجَّةُ عَلَيْهِ مَا أَسْلَفْنَاهُ) قِيلَ أَرَادَ قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «أَلَا إنَّ قَتِيلَ خَطَأِ الْعَمْدِ قَتِيلَ السَّوْطِ وَالْعَصَا» الْحَدِيثَ، وَلَكِنَّ الْمَعْهُودَ مِنْ الْمُصَنِّفِ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي مِثْلِهِ أَنْ يَقُولَ مَا رَوَيْنَا وَالْحَقُّ أَنْ يُقَالَ: إنَّمَا قَالَ أَسْلَفْنَا نَظَرًا إلَى الْحَدِيثِ وَالْمَعْنَى الْمَعْقُولِ قَالَ (وَالْخَطَأُ عَلَى نَوْعَيْنِ: خَطَأٌ فِي الْقَصْدِ، وَهُوَ أَنْ يَرْمِيَ شَخْصًا يَظُنُّهُ صَيْدًا، فَإِذَا هُوَ آدَمِيٌّ، أَوْ يَظُنُّهُ حَرْبِيًّا فَإِذَا هُوَ مُسْلِمٌ وَخَطَأٌ فِي الْفِعْلِ، وَهُوَ أَنْ يَرْمِيَ غَرَضًا فَيُصِيبَ آدَمِيًّا، وَمُوجَبُ ذَلِكَ الْكَفَّارَةُ، وَالدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلَى أَهْلِهِ} الْآيَةَ، وَهِيَ عَلَى عَاقِلَتِهِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ، لِمَا بَيَّنَّاهُ (وَلَا إثْمَ فِيهِ) يَعْنِي فِي الْوَجْهَيْنِ قَالُوا: الْمُرَادُ إثْمُ الْقَتْلِ، فَأَمَّا فِي نَفْسِهِ فَلَا يَعْرَى عَنْ الْإِثْمِ مِنْ حَيْثُ تَرْكُ الْعَزِيمَةِ وَالْمُبَالَغَةُ فِي التَّثَبُّتِ فِي حَالِ الرَّمْيِ، إذْ شَرْعُ الْكَفَّارَةِ يُؤْذِنُ بِاعْتِبَارِ هَذَا الْمَعْنَى (وَيُحْرَمُ عَنْ الْمِيرَاثِ)؛ لِأَنَّ فِيهِ إثْمًا فَيَصِحُّ تَعْلِيقُ الْحِرْمَانِ بِهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا تَعَمَّدَ الضَّرْبَ مَوْضِعًا مِنْ جَسَدِهِ فَأَخْطَأَ فَأَصَابَ مَوْضِعًا آخَرَ فَمَاتَ حَيْثُ يَجِبُ الْقِصَاصُ؛ لِأَنَّ الْقَتْلَ قَدْ وُجِدَ بِالْقَصْدِ إلَى بَعْضِ بَدَنِهِ، وَجَمِيعُ الْبَدَنِ كَالْمَحَلِّ الْوَاحِدِ.
الشَّرْحُ:
قَالَ (وَالْخَطَأُ عَلَى نَوْعَيْنِ) إنَّمَا انْحَصَرَ الْخَطَأُ فِي نَوْعَيْنِ، لِأَنَّ الرَّمْيَ إلَى شَيْءٍ مَثَلًا مُشْتَمِلٌ عَلَى فِعْلِ الْقَلْبِ وَهُوَ الْقَصْدُ وَالْجَارِحَةُ وَهُوَ الرَّمْيُ، فَإِنْ اتَّصَلَ الْخَطَأُ بِالْأَوَّلِ فَهُوَ الْأَوَّلُ، وَإِنْ اتَّصَلَ بِالثَّانِي فَهُوَ الثَّانِي.
وَقَوْلُهُ (لِمَا بَيَّنَّاهُ) إشَارَةٌ إلَى قَوْلِهِ وَتَجِبُ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ لِقَضِيَّةِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (وَلَا إثْمَ فِيهِ فِي الْوَجْهَيْنِ) أَيْ النَّوْعَيْنِ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ» الْحَدِيثَ.
وَقَوْلُهُ (وَيُحْرَمُ عَنْ الْمِيرَاثِ لِأَنَّ فِيهِ إثْمًا) بِدَلِيلِ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ، وَالْحِرْمَانُ يَجِبُ بِأَنْوَاعِ الْقَتْلِ فِيمَا هُوَ جِنَايَةٌ، قِيلَ عَلَى الْمُوَرِّثِ تَضَمَّنَتْ تُهْمَةَ الِاسْتِعْجَالِ عَلَى الْمِيرَاثِ، وَهَذَا كَذَلِكَ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ قَصَدَهُ، إلَّا أَنَّهُ أَظْهَرَ الْخَطَأَ مِنْ نَفْسِهِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ وَمُخْتَصَرِ الضَّوْءِ فِي الْفَرَائِضِ مُسْتَوْفًى بِتَأْيِيدِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَقَوْلُهُ (بِخِلَافِ مَا إذَا تَعَمَّدَ) مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ وَمُوجَبُ ذَلِكَ الْكَفَّارَةُ وَالدِّيَةُ.
وَصُورَةُ ذَلِكَ رَجُلٌ تَعَمَّدَ أَنْ يَضْرِبَ يَدَ رَجُلٍ فَأَخْطَأَ فَأَصَابَ عُنُقَهُ فَقَتَلَهُ فَهُوَ عَمْدٌ فِيهِ الْقَوَدُ.
وَلَوْ أَرَادَ يَدَ رَجُلٍ فَأَصَابَ عُنُقَ غَيْرِهِ وَأَبَانَهُ فَهُوَ خَطَأٌ، وَمَا أُجْرِيَ مَجْرَى الْخَطَأِ مِثْلُ النَّائِمِ يَنْقَلِبُ عَلَى رَجُلٍ فَقَتَلَهُ لِأَنَّ النَّائِمَ لَا يُوصَفُ فِعْلُهُ بِالْعَمْدِ وَلَا بِالْخَطَأِ، إلَّا أَنَّهُ كَالْخَطَأِ فِي الْأَحْكَامِ لِأَنَّ الْمَقْتُولَ مَاتَ بِثِقَلِهِ فَكَأَنَّهُ مَاتَ بِفِعْلِهِ قَالَ (وَمَا أُجْرِيَ مَجْرَى الْخَطَأِ مِثْلُ النَّائِمِ يَنْقَلِبُ عَلَى رَجُلٍ فَيَقْتُلُهُ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْخَطَأِ فِي الشَّرْعِ، وَأَمَّا الْقَتْلُ بِسَبَبٍ كَحَافِرِ الْبِئْرِ وَوَاضِعِ الْحَجَرِ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ، وَمُوجِبُهُ إذَا تَلِفَ فِيهِ آدَمِيٌّ الدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ)؛ لِأَنَّهُ سَبَبُ التَّلَفِ وَهُوَ مُتَعَدٍّ فِيهِ فَأُنْزِلَ مَوْقِعًا دَافِعًا فَوَجَبَتْ الدِّيَةُ (وَلَا كَفَّارَةَ فِيهِ وَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حِرْمَانُ الْمِيرَاثِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُلْحَقُ بِالْخَطَإِ فِي أَحْكَامِهِ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ أَنْزَلَهُ قَاتِلًا وَلَنَا أَنَّ الْقَتْلَ مَعْدُومٌ مِنْهُ حَقِيقَةً فَأُلْحِقَ بِهِ فِي حَقِّ الضَّمَانِ فَبَقِيَ فِي حَقِّ غَيْرِهِ عَلَى الْأَصْلِ، وَهُوَ إنْ كَانَ يَأْثَمُ بِالْحَفْرِ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ لَا يَأْثَمُ بِالْمَوْتِ عَلَى مَا قَالُوا، وَهَذِهِ كَفَّارَةُ ذَنْبِ الْقَتْلِ وَكَذَا الْحِرْمَانُ بِسَبَبِهِ (وَمَا يَكُونُ شِبْهَ عَمْدٍ فِي النَّفْسِ فَهُوَ عَمْدٌ فِيمَا سِوَاهَا)؛ لِأَنَّ إتْلَافَ النَّفْسِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْآلَةِ، وَمَا دُونَهَا لَا يَخْتَصُّ إتْلَافُهُ بِآلَةٍ دُونَ آلَةٍ.
الشَّرْحُ:
وَقَوْلُهُ (لِأَنَّ الشَّرْعَ أَنْزَلَهُ قَاتِلًا) يَعْنِي فِي حَقِّ الضَّمَانِ فَكَذَا فِي الْكَفَّارَةِ وَالْحِرْمَانِ.
وَلَنَا أَنَّ الْكَفَّارَةَ تَجِبُ بِالْقَتْلِ وَهُوَ مَعْدُومٌ مِنْهُ حَقِيقَةً لِعَدَمِ اتِّصَالِ فِعْلِهِ بِهِ، وَإِنَّمَا أُلْحِقَ بِهِ فِي حَقِّ الضَّمَانِ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ صِيَانَةً لِلدِّمَاءِ عَنْ الْهَدَرِ فَيَبْقَى فِي حَقِّ غَيْرِهِ عَلَى الْأَصْلِ.
فَإِنْ قِيلَ: الْحَافِرُ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ يَأْثَمُ وَمَا فِيهِ إثْمٌ مِنْ الْقَتْلِ يَصِحُّ تَعْلِيقُ الْحِرْمَانِ بِهِ كَمَا ذَكَرْتُمْ فِي الْخَطَأِ.
أَجَابَ بِقَوْلِهِ (وَهُوَ إنْ كَانَ يَأْثَمُ بِالْحَفْرِ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ) أَيْ الْإِثْمُ الْحَاصِلُ بِالْقَتْلِ يَصِحُّ تَعْلِيقُ الْحِرْمَانِ بِهِ، وَمَا ذَكَرْتُمْ لَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّ إثْمَهُ إثْمُ الْحَفْرِ لَا الْمَوْتِ.
وَقَوْلُهُ (وَمَا يَكُونُ شِبْهَ عَمْدٍ فِي النَّفْسِ فَهُوَ عَمْدٌ فِيمَا سِوَاهَا) يَعْنِي لَيْسَ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ شِبْهُ عَمْدٍ إنَّمَا هُوَ عَمْدٌ أَوْ خَطَأٌ (لِأَنَّ إتْلَافَ النَّفْسِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْآلَةِ) فَإِنَّ إتْلَافَ النَّفْسِ لَا يُقْصَدُ إلَّا بِالسِّلَاحِ وَمَا جَرَى مَجْرَاهُ، وَأَمَّا مَا دُونَهَا فَإِنَّهُ يَقْصِدُ إتْلَافَهُ بِغَيْرِهِ كَمَا يَقْصِدُ بِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّ فَقْءَ الْعَيْنِ كَمَا يُقْصَدُ بِالسِّكِّينِ يُقْصَدُ بِالسَّوْطِ وَالْعَصَا الصَّغِيرَةِ.