فصل: (فَصْلٌ فِي التَّنْفِيلِ):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: العناية شرح الهداية



.(فَصْلٌ فِي التَّنْفِيلِ):

قَالَ وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُنَفِّلَ الْإِمَامُ فِي حَالِ الْقِتَالِ وَيُحَرِّضَ بِهِ عَلَى الْقِتَالِ فَيَقُولَ «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ» وَيَقُولَ لِلسَّرِيَّةِ قَدْ جَعَلْت لَكُمْ الرُّبُعَ بَعْدَ الْخُمُسِ مَعْنَاهُ بَعْدَمَا رَفَعَ الْخُمُسَ لِأَنَّ التَّحْرِيضَ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضْ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ} وَهَذَا نَوْعُ تَحْرِيضٍ، ثُمَّ قَدْ يَكُونُ التَّنْفِيلُ بِمَا ذَكَرَ وَقَدْ يَكُونُ بِغَيْرِهِ، إلَّا أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يُنَفِّلَ بِكُلِّ الْمَأْخُوذِ لِأَنَّ فِيهِ إبْطَالَ حَقِّ الْكُلِّ، فَإِنْ فَعَلَهُ مَعَ السَّرِيَّةِ جَازَ؛ لِأَنَّ التَّصَرُّفَ إلَيْهِ وَقَدْ يَكُونُ الْمَصْلَحَةُ فِيهِ (وَلَا يُنَفِّلُ بَعْدَ إحْرَازِ الْغَنِيمَةِ بِدَارِ الْإِسْلَامِ) لِأَنَّ حَقَّ الْغَيْرِ قَدْ تَأَكَّدَ فِيهِ بِالْإِحْرَازِ.
قَالَ (إلَّا مِنْ الْخُمُسِ) لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لِلْغَانِمِينَ فِي الْخُمُسِ (وَإِذَا لَمْ يَجْعَلْ السَّلْبَ لِلْقَاتِلِ فَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْغَنِيمَةِ، وَالْقَاتِلُ وَغَيْرُهُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: السَّلْبُ لِلْقَاتِلِ إذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ أَنْ يُسْهِمَ لَهُ وَقَدْ قَتَلَهُ مُقْبِلًا لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ» وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ نَصْبُ شَرْعٍ لِأَنَّهُ بَعَثَهُ لَهُ، وَلِأَنَّ الْقَاتِلَ مُقْبِلًا أَكْثَرَ غِنَاءً فَيَخْتَصُّ بِسَلَبِهِ إظْهَارًا لِلتَّفَاوُتِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ.
وَلَنَا أَنَّهُ مَأْخُوذٌ بِقُوَّةِ الْجَيْشِ فَيَكُونُ غَنِيمَةً فَيُقَسِّمُ الْغَنَائِمَ كَمَا نَطَقَ بِهِ النَّصُّ.
وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِحَبِيبِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ «لَيْسَ لَك مِنْ سَلَبِ قَتِيلِك إلَّا مَا طَابَتْ بِهِ نَفْسُ إمَامِك» وَمَا رَوَاهُ يَحْتَمِلُ نَصْبَ الشَّرْعِ وَيَحْتَمِلُ التَّنْفِيلَ فَنَحْمِلُهُ عَلَى الثَّانِي لِمَا رَوَيْنَاهُ.
وَزِيَادَةُ الْغِنَاءِ لَا تُعْتَبَرُ فِي جِنْسٍ وَاحِدٍ كَمَا ذَكَرْنَاهُ.
الشَّرْحُ:
فَصْلٌ فِي التَّنْفِيلِ: التَّنْفِيلُ نَوْعٌ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي الْغَنَائِمِ، فَفُصِلَ عَمَّا قَبْلَهُ بِفَصْلٍ، يُقَالُ نَفَلَ الْإِمَامُ الْغَازِيَ.
أَيْ أَعْطَاهُ زَائِدًا عَلَى سَهْمِهِ بِقَوْلِهِ «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ» (قَوْلُهُ لَا بَأْسَ بِأَنْ يَنْفُلَ الْإِمَامُ) يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَوْلَ مَنْ قَالَ: كَلِمَةُ لَا بَأْسَ تُسْتَعْمَلُ فِيمَا يَكُونُ تَرْكُهُ أَوْلَى لَيْسَ بِمُجْرًى عَلَى عُمُومِهِ، فَإِنَّ التَّنْفِيلَ قَبْلَ إحْرَازِ الْغَنِيمَةِ مُسْتَحَبٌّ لِأَنَّهُ تَحْرِيضٌ وَالتَّحْرِيضُ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضْ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ} فَإِنْ قِيلَ: الْأَمْرُ الْمُطْلَقُ لِلْوُجُوبِ فَمَا الصَّارِفُ عَنْهُ إلَى الِاسْتِحْبَابِ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّهُ يُعَارِضُهُ دَلِيلُ قِسْمَةِ الْغَنَائِمِ فَانْصَرَفَ إلَى الِاسْتِحْبَابِ (قَوْلُهُ مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا) تَسْمِيَةُ الشَّيْءِ بِاسْمِ مَا يَئُولُ إلَيْهِ قَوْلُهُ ثُمَّ قَدْ يَكُونُ التَّنْفِيلُ بِمَا ذُكِرَ يَعْنِي التَّنْفِيلَ بِالسَّلْبِ (وَقَدْ يَكُونُ بِغَيْرِهِ) نَحْوَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ «لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَفَلَ ابْنَ مَسْعُودٍ يَوْمَ بَدْرٍ بِسَيْفِ أَبِي جَهْلٍ وَكَانَ عَلَيْهِ فِضَّةٌ» (وَلَا يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَنْفُلَ بِكُلِّ الْمَأْخُوذِ لِأَنَّ فِيهِ إبْطَالَ حَقِّ الْكُلِّ، وَإِنْ فَعَلَهُ مَعَ السَّرِيَّةِ جَازَ) لِمَا ذُكِرَ فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ: إذَا قَالَ الْإِمَامُ لِلْعَسْكَرِ جَمِيعًا مَا أَصَبْتُمْ فَهُوَ لَكُمْ نَفْلًا بِالسَّوِيَّةِ بَعْدَ الْخُمُسِ لَا يَجُوزُ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ التَّنْفِيلِ التَّحْرِيضُ عَلَى الْقِتَالِ، وَإِنَّمَا يَحْصُلُ ذَلِكَ إذَا خَصَّ الْبَعْضَ بِالتَّنْفِيلِ، وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ مَا أَصَبْتُمْ فَهُوَ لَكُمْ، وَلَمْ يَقُلْ بَعْدَ الْخُمُسِ لِأَنَّ فِيهِ إبْطَالَ الْخُمُسِ الَّذِي أَوْجَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْغَنِيمَةِ وَإِبْطَالَ حَقِّ ضُعَفَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ: وَقَوْلُهُ (لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لِلْغَانِمِينَ فِي الْخُمُسِ) فِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ إبْطَالُ حَقِّ الْغَانِمِينَ فَفِيهِ إبْطَالُ حَقِّ الْأَصْنَافِ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ جَوَازَهُ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْمُنْفَلَ لَهُ جُعِلَ وَاحِدًا مِنْ الْأَصْنَافِ الثَّلَاثَةِ فَلَمْ يَكُنْ ثَمَّةَ إبْطَالُ حَقِّهِمْ إذْ يَجُوزُ صَرْفُ الْخُمُسِ عَلَى أَحَدِ الْأَصْنَافِ لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُمْ مَصَارِفُ لَا مُسْتَحِقُّونَ، لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْمُنْفَلُ لَهُ الَّذِي جُعِلَ وَاحِدًا مِنْ الْأَصْنَافِ الثَّلَاثَةِ فَقِيرًا لِأَنَّ الْخُمُسَ حَقُّ الْمُحْتَاجِينَ لَا حَقُّ الْأَغْنِيَاءِ فَجَعْلُهُ لِلْغَنِيِّ إبْطَالُ حَقِّ الْمُحْتَاجِينَ وَقَوْلُهُ (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) ظَاهِرٌ.
وَقَوْلُهُ (وَمَا رَوَاهُ يَحْتَمِلُ نَصْبَ الشَّرِّ وَيَحْتَمِلُ التَّنْفِيلَ) قِيلَ وَهُوَ الظَّاهِرُ لِأَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ نَصْبَ الشَّرْعِ إذَا قَالَ بِالْمَدِينَةِ فِي مَسْجِده وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ ذَلِكَ إلَّا يَوْمَ بَدْرٍ وَحُنَيْنٍ لِلْحَاجَةِ إلَى التَّحْرِيضِ، وَكَمَا قَالَ ذَلِكَ يَوْمَ بَدْرٍ فَقَدْ قَالَ «مَنْ أَخَذَ أَسِيرًا فَهُوَ لَهُ» ثُمَّ كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ عَلَى وَجْهِ التَّنْفِيلِ فَكَذَلِكَ فِي السَّلَبِ (فَيُحْمَلُ عَلَى الثَّانِي) يَعْنِي عَلَى التَّنْفِيلِ (لِمَا رَوَيْنَا) مِنْ حَدِيثِ حَبِيبِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ دَفْعًا لِلتَّعَارُضِ.
وَقَوْلُهُ (وَزِيَادَةُ الْغِنَاءِ) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِ لِأَنَّ الْقَاتِلَ مُقْبِلًا أَكْثَرُ غِنَاءً (قَوْلُهُ كَمَا ذَكَرْنَاهُ) إشَارَةٌ إلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ وَلِأَنَّهُ تَعَذَّرَ اعْتِبَارُ مِقْدَارِ الزِّيَادَةِ، أَوْ مِنْ قَوْلِهِ لِأَنَّ الْكَرَّ وَالْفَرَّ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ فِي فَصْلِ كَيْفِيَّةِ الْقِسْمَةِ (وَالسَّلَبُ مَا عَلَى الْمَقْتُولِ مِنْ ثِيَابِهِ وَسِلَاحِهِ وَمَرْكَبِهِ، وَكَذَا مَا كَانَ عَلَى مَرْكَبِهِ مِنْ السَّرْجِ وَالْآلَةِ، وَكَذَا مَا مَعَهُ عَلَى الدَّابَّةِ مِنْ مَالِهِ فِي حَقِيبَتِهِ أَوْ عَلَى وَسَطِهِ وَمَا عَدَا ذَلِكَ فَلَيْسَ بِسَلَبٍ) وَمَا كَانَ مَعَ غُلَامِهِ عَلَى دَابَّةٍ أُخْرَى فَلَيْسَ بِسَلَبِهِ، ثُمَّ حُكْمُ التَّنْفِيلِ قَطَعَ حَقَّ الْبَاقِينَ، فَأَمَّا الْمِلْكُ فَإِنَّمَا يَثْبُتُ بَعْدَ الْإِحْرَازِ بِدَارِ الْإِسْلَامِ لِمَا مَرَّ مِنْ قَبْلُ، حَتَّى لَوْ قَالَ الْإِمَامُ مَنْ أَصَابَ جَارِيَةً فَهِيَ لَهُ فَأَصَابَهَا مُسْلِمٌ وَاسْتَبْرَأَهَا لَمْ يَحِلَّ لَهُ وَطْؤُهَا، وَكَذَا لَا يَبِيعُهَا.
وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَهُ أَنْ يَطَأَهَا وَيَبِيعَهَا، لِأَنَّ التَّنْفِيلَ يَثْبُتُ بِهِ الْمِلْكُ عِنْدَهُ كَمَا يَثْبُتُ بِالْقِسْمَةِ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَبِالشِّرَاءِ مِنْ الْحَرْبِيِّ، وَوُجُوبُ الضَّمَانِ بِالْإِتْلَافِ قَدْ قِيلَ عَلَى هَذَا الِاخْتِلَافِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
الشَّرْحُ:
قَوْلُهُ لِمَا مَرَّ مِنْ قَبْلُ إشَارَةٌ إلَى مَا ذَكَرَهُ فِي بَابِ الْغَنَائِمِ وَقِسْمَتِهَا بِقَوْلِهِ وَلِأَنَّ الِاسْتِيلَاءَ إثْبَاتُ الْيَدِ الْحَافِظَةِ وَالنَّافِلَةِ فَلَمَّا لَمْ يَثْبُتْ الْإِحْرَازُ بِدَارِ الْإِسْلَامِ لَمْ تَثْبُتْ النَّافِلَةُ فَلَا يَثْبُتُ الِاسْتِيلَاءُ، وَلَمَّا لَمْ يَثْبُتْ الِاسْتِيلَاءُ لَمْ يَثْبُتْ الْمِلْكُ.
وَقَوْلُهُ (لِأَنَّ التَّنْفِيلَ يَثْبُتُ بِهِ الْمِلْكُ عِنْدَهُ) دَلِيلُهُ أَنَّ الْمَدَدَ لَا يُشَارِكُونَهُ فِيهَا (كَمَا يَثْبُتُ بِالْقِسْمَةِ فِي دَارِ الْحَرْبِ) وَهُوَ لَيْسَ بِمُتَّفَقٍ عَلَيْهِ لِأَنَّ مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ يَقُولُ قِسْمَةُ الْإِمَامِ لَا تَعْدَمُ الْمَانِعَ مِنْ تَمَامِ الْقَهْرِ وَهُوَ كَوْنُهُمْ مَقْهُورِينَ دَارًا وَكَأَنَّهُ لَمْ يَعْتَبِرْ ذَلِكَ الِاخْتِلَافَ لِعَدَمِ شُهْرَتِهِ.
وَقَوْلُهُ (وَوُجُوبُ الضَّمَانِ) مُرَاعٍ عَلَى الِابْتِدَاءِ.
وَقَوْلُهُ (قَدْ قِيلَ عَلَى هَذَا الِاخْتِلَافِ) خَبَرُهُ.
وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: وَقَدْ قِيلَ بِالْوَاوِ فَيَكُونُ مَعْطُوفًا عَلَى قَوْلِهِ الْمِلْكُ: أَيْ يَثْبُتُ الْمِلْكُ وَوُجُوبُ الضَّمَانِ لِلْمُنْفَلِ لَهُ عَلَى مَنْ أَتْلَفَ مِنْ الْغُزَاةِ سَلَبَهُ الَّذِي أَصَابَهُ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ دَفْعًا لِشُبْهَةٍ تَرِدُ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ.
وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ مُحَمَّدًا ذَكَرَ فِي الزِّيَادَاتِ أَنَّ الْمُتْلِفَ لِسَلَبِ مَنْ نَفَلَهُ الْإِمَامُ يَضْمَنُ لِأَنَّ الْحَقَّ مُتَأَكَّدٌ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ الْخِلَافَ، فَوَرَدَ الضَّمَانُ شُبْهَةً عَلَيْهِمَا لِأَنَّ الضَّمَانَ دَلِيلُ تَمَامِ الْمِلْكِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَحِلَّ الْوَطْءُ عَلَى مَذْهَبِهِمَا أَيْضًا بَعْدَ الِاسْتِبْرَاءِ، فَقَالَ فِي دَفْعِ ذَلِكَ إنَّهُ أَيْضًا عَلَى الِاخْتِلَافِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ يَضْمَنُ.
وَعِنْدَهُمَا لَا يَضْمَنُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

.(بَابُ اسْتِيلَاءِ الْكُفَّارِ):

(وَ إذَا غَلَبَ التُّرْكُ عَلَى الرُّومِ فَسَبَوْهُمْ وَأَخَذُوا أَمْوَالَهُمْ مَلَكُوهَا)؛ لِأَنَّ الِاسْتِيلَاءَ قَدْ تَحَقَّقَ فِي مَالٍ مُبَاحٍ وَهُوَ السَّبَبُ عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (فَإِنْ غَلَبْنَا عَلَى التُّرْكِ حَلَّ لَنَا مَا نَجِدُهُ مِنْ ذَلِكَ) اعْتِبَارًا بِسَائِرِ أَمْلَاكِهِمْ.
الشَّرْحُ:
بَابُ: اسْتِيلَاءِ الْكُفَّارِ.
لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ اسْتِيلَائِنَا عَلَى الْكُفَّارِ أَعْقَبَهُ بِذِكْرِ عَكْسِهِ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى أَحْكَامٍ مُخْتَلِفَةٍ فَكَانَ خَلِيقًا بِتَبْوِيبِ بَابٍ لَهُ، وَافْتَتَحَ بِذِكْرِ اسْتِيلَاءِ الْكُفَّارِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ كَرَاهَةَ أَنْ يَفْتَتِحَ بِذِكْرِ غَلَبَةِ الْكُفَّارِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَالتُّرْكُ جَمْعُ التُّرْكِيِّ، وَالرُّومُ جَمْعُ الرُّومِيِّ: أَيْ الرِّجَالُ الْمَنْسُوبُونَ إلَى بِلَادِهِمْ، وَالْمُرَادُ بِهِ كُفَّارُ التُّرْكِ وَنَصَارَى الرُّومِ، وَكَلَامُهُ وَاضِحٌ.
وَقَوْلُهُ (حَلّ لَنَا مَا نَجِدُهُ مِنْ ذَلِكَ) أَيْ مِمَّا أَخَذَهُ التُّرْكُ مِنْ أَهْلِ الرُّومِ لِأَنَّ الْمَأْخُوذَ صَارَ مِلْكًا لِلتُّرْكِ كَسَائِرِ أَمْوَالِهِمْ. (وَإِذَا غَلَبُوا عَلَى أَمْوَالِنَا وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ وَأَحْرَزُوهَا بِدَارِهِمْ مَلَكُوهَا) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَمْلِكُونَهَا؛ لِأَنَّ الِاسْتِيلَاءَ مَحْظُورٌ ابْتِدَاءً وَانْتِهَاءً وَالْمَحْظُورُ لَا يَنْتَهِضُ سَبَبًا لِلْمِلْكِ عَلَى مَا عُرِفَ مِنْ قَاعِدَةِ الْخَصْمِ.
وَلَنَا أَنَّ الِاسْتِيلَاءَ وَرَدَ عَلَى مَالٍ مُبَاحٍ فَيَنْعَقِدُ سَبَبًا لِلْمِلْكِ دَفْعًا لِحَاجَةِ الْمُكَلَّفِ كَاسْتِيلَائِنَا عَلَى أَمْوَالِهِمْ، وَهَذَا لِأَنَّ الْعِصْمَةَ تَثْبُتُ عَلَى مُنَافَاةِ الدَّلِيلِ ضَرُورَةَ تَمَكُّنِ الْمَالِكِ مِنْ الِانْتِفَاعِ، فَإِذَا زَالَتْ الْمُكْنَةُ عَادَ مُبَاحًا كَمَا كَانَ، غَيْرَ أَنَّ الِاسْتِيلَاءَ لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا بِالْإِحْرَازِ بِالدَّارِ؛ لِأَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ الِاقْتِدَارِ عَلَى الْمَحَلِّ حَالًا وَمَآلًا، وَالْمَحْظُورُ لِغَيْرِهِ إذَا صَلُحَ سَبَبًا لِكَرَامَةٍ تَفُوقُ الْمِلْكَ وَهُوَ الثَّوَابُ الْآجِلُ فَمَا ظَنُّك بِالْمِلْكِ الْعَاجِلِ؟.
(فَإِنْ ظَهَرَ عَلَيْهَا الْمُسْلِمُونَ فَوَجَدَهَا الْمَالِكُونَ قَبْلَ الْقِسْمَةِ فَهِيَ لَهُمْ بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَإِنْ وَجَدُوهَا بَعْدَ الْقِسْمَةِ أَخَذُوهَا بِالْقِيمَةِ إنْ أَحَبُّوا) لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِيهِ «إنْ وَجَدْته قَبْلَ الْقِسْمَةِ فَهُوَ لَك بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَإِنْ وَجَدْته بَعْدَ الْقِسْمَةِ فَهُوَ لَك بِالْقِيمَةِ» وَلِأَنَّ الْمَالِكَ الْقَدِيمَ زَالَ مِلْكُهُ بِغَيْرِ رِضَاهُ فَكَانَ لَهُ حَقُّ الْأَخْذِ نَظَرًا لَهُ، إلَّا أَنَّ فِي الْأَخْذِ بَعْدَ الْقِسْمَةِ ضَرَرًا بِالْمَأْخُوذِ مِنْهُ بِإِزَالَةِ مِلْكِهِ الْخَاصِّ فَيَأْخُذُهُ بِالْقِيمَةِ؛ لِيَعْتَدِلَ النَّظَرُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ، وَالشَّرِكَةُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ عَامَّةٌ فَيَقِلُّ الضَّرَرُ فَيَأْخُذُهُ بِغَيْرِ قِيمَةٍ.
الشَّرْحُ:
وَقَوْلُهُ (لِأَنَّ الِاسْتِيلَاءَ مَحْظُورٌ ابْتِدَاءً) أَيْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ (وَانْتِهَاءً) أَيْ فِي دَارِ الْحَرْبِ بَعْدَ الْإِحْرَازِ.
وَقَوْلُهُ (عَلَى مَا عُرِفَ مِنْ قَاعِدَةِ الْخَصْمِ) أَنَّ الْمَحْظُورَ وَلَوْ بِوَجْهٍ لَا يَنْتَهِضُ سَبَبًا لِلْمِلْكِ كَمَا فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ؛ وَأَمَّا الْمَحْظُورُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ بِأَنْ يَكُونَ مَحْظُورًا بِأَصْلِهِ وَوَصْفِهِ كَمَا فِي الْبَيْعِ الْبَاطِلِ كَالْبَيْعِ بِالْمَيْتَةِ أَوْ الدَّمِ فَإِنَّهُ لَا يُوجِبُ الْمِلْكَ بِالِاتِّفَاقِ (وَلَنَا أَنَّ الِاسْتِيلَاءَ وَرَدَ عَلَى مَالٍ مُبَاحٍ) وَوُرُودُ الِاسْتِيلَاءِ عَلَى مَالٍ مُبَاحٍ (يَنْعَقِدُ سَبَبًا لِلْمِلْكِ دَفْعًا لِحَاجَةِ الْمُكَلَّفِ كَاسْتِيلَائِنَا عَلَى أَمْوَالِهِمْ) وَقَوْلُهُ (وَهَذَا) إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الِاسْتِيلَاءَ وَرَدَ عَلَى مَالٍ مُبَاحٍ، وَبَيَانُهُ أَنَّ الْعِصْمَةَ فِي الْمَالِ لِكُلِّ مَنْ تَثْبُتُ لَهُ مِنْ الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ إنَّمَا تَثْبُتُ عَلَى مُنَافَاةِ الدَّلِيلِ، فَإِنَّ الدَّلِيلَ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} يَقْتَضِي أَنْ لَا يَكُونَ مَالٌ مَا مَعْصُومًا لِشَخْصٍ مَا، وَإِنَّمَا تَثْبُتُ الْعِصْمَةُ (لِضَرُورَةِ تَمَكُّنِ الْمَالِكِ مِنْ الِانْتِفَاعِ، فَإِذَا زَالَتْ الْمُكْنَةُ) بِالِاسْتِيلَاءِ (عَادَ مُبَاحًا كَمَا كَانَ.
غَيْرَ أَنَّ الِاسْتِيلَاءَ لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا بِالْإِحْرَازِ بِالدَّارِ، لِأَنَّهُ) أَيْ لِأَنَّ الِاسْتِيلَاءَ (عِبَارَةٌ عَنْ الِاقْتِدَارِ عَلَى الْمَحَلِّ حَالًا وَمَآلًا) وَالْكُفَّارُ مَا دَامُوا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ اقْتَدَرُوا عَلَى الْمَحَلِّ حَالًا، وَإِنَّمَا يَقْتَدِرُونَ عَلَيْهِ مَآلًا بِالْإِحْرَازِ لِأَنَّهُمْ مَا دَامُوا فِي دَارِنَا فَهُمْ مَقْهُورُونَ بِالدَّارِ، وَالِاسْتِرْدَادُ بِالنُّصْرَةِ مُحْتَمَلٌ.
وَقَوْلُهُ (وَالْمَحْظُورُ لِغَيْرِهِ) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِ الْخَصْمِ إنَّ الِاسْتِيلَاءَ مَحْظُورٌ.
وَتَقْرِيرُهُ: سَلَّمْنَا أَنَّهُ مَحْظُورٌ لَكِنَّهُ مَحْظُورٌ لِغَيْرِهِ مُبَاحٌ فِي نَفْسِهِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، وَالْمَحْظُورُ لِغَيْرِهِ (إذَا صَلُحَ سَبَبًا لِكَرَامَةٍ تَفُوقُ الْمِلْكَ) كَالصَّلَاةِ فِي الْأَرْضِ الْمَغْصُوبَةِ فَإِنَّهَا تَصْلُحُ سَبَبًا لِاسْتِحْقَاقِ أَعْلَى النِّعَمِ وَهُوَ الثَّوَابُ فِي الْآخِرَةِ، فَلَأَنْ تَصْلُحَ سَبَبًا لِلْمِلْكِ فِي الدُّنْيَا أَوْلَى.
فَإِنْ قِيلَ: لَوْ ثَبَتَ الْمِلْكُ لِلْكَافِرِ بِالِاسْتِيلَاءِ عَلَى مَالِ الْمُسْلِمِ لَمَا ثَبَتَ وِلَايَةُ الِاسْتِرْدَادِ لِلْمَالِكِ الْقَدِيمِ مِنْ الْغَازِي الَّذِي وَقَعَ فِي قِسْمَتِهِ أَوْ مِنْ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ بِدُونِ رِضَا الْغَازِي.
أُجِيبَ بِأَنَّ بَقَاءَ حَقِّ الِاسْتِرْدَادِ لِحَقِّ الْمَالِكِ الْقَدِيمِ لَا يَدُلُّ عَلَى قِيَامِ الْمِلْكِ لِلْمَالِكِ الْقَدِيمِ، أَلَا تَرَى أَنَّ لِلْوَاهِبِ الرُّجُوعَ فِي الْهِبَةِ وَالْإِعَادَةَ إلَى قَدِيمِ مِلْكِهِ بِدُونِ رِضَا الْمَوْهُوبِ لَهُ مَعَ زَوَالِ مِلْكِ الْوَاهِبِ فِي الْحَالِ، وَكَذَا الشَّفِيعُ يَأْخُذُ الدَّارَ مِنْ الْمُشْتَرِي بِحَقِّ الشُّفْعَةِ بِدُونِ رِضَا الْمُشْتَرِي مَعَ ثُبُوتِ الْمِلْكِ لَهُ.
وَقَوْلُهُ (فَإِنْ ظَهَرَ عَلَيْهَا الْمُسْلِمُونَ) وَاضِحٌ. (وَإِنْ دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ تَاجِرٌ فَاشْتَرَى ذَلِكَ وَأَخْرَجَهُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَمَالِكُهُ الْأَوَّلُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَخَذَهُ بِالثَّمَنِ الَّذِي اشْتَرَاهُ بِهِ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهُ)؛ لِأَنَّهُ يَتَضَرَّرُ بِالْأَخْذِ مَجَّانًا؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَدْ دَفَعَ الْعِوَضَ بِمُقَابَلَتِهِ فَكَانَ اعْتِدَالُ النَّظَرِ فِيمَا قُلْنَاهُ، وَلَوْ اشْتَرَاهُ بِعَرَضٍ يَأْخُذُهُ بِقِيمَةِ الْعَرَضِ، وَلَوْ وَهَبُوهُ لِمُسْلِمٍ يَأْخُذُهُ بِقِيمَتِهِ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ لَهُ مِلْكٌ خَاصٌّ فَلَا يُزَالُ إلَّا بِالْقِيمَةِ، وَلَوْ كَانَ مَغْنُومًا وَهُوَ مِثْلِيٌّ يَأْخُذُهُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ وَلَا يَأْخُذُهُ بَعْدَهَا؛ لِأَنَّ الْأَخْذَ بِالْمِثْلِ غَيْرُ مُفِيدٍ، وَكَذَا إذَا كَانَ مَوْهُوبًا لَا يَأْخُذُهُ لِمَا بَيَّنَّا.
وَكَذَا إذَا كَانَ مُشْتَرًى بِمِثْلِهِ قَدْرًا وَوَصْفًا.
الشَّرْحُ:
وَقَوْلُهُ (لِأَنَّهُ ثَبَتَ لَهُ مِلْكٌ خَاصٌّ فَلَا يُزَالُ إلَّا بِالْقِيمَةِ) قِيلَ عَلَيْهِ بِأَنَّ الْمِلْكَ ثَبَتَ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ مَجَّانًا فَلَا يَتَضَرَّرُ بِالْأَخْذِ مِنْهُ مَجَّانًا، بِخِلَافِ مَا ثَبَتَ لِأَحَدِ الْغُزَاةِ بِالْقِسْمَةِ لِأَنَّ هَذَا الْحَقَّ إنَّمَا تَعَيَّنَ لَهُ بِإِزَاءِ مَا انْقَطَعَ مِنْ حَقِّهِ عَمَّا فِي أَيْدِي الْبَاقِينَ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمِلْكَ هَاهُنَا أَيْضًا ثَبَتَ بِالْعِوَضِ مَعْنًى لِمَا أَنَّ الْمُكَافَأَةَ مَقْصُودَةٌ فِي الْهِبَةِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَشْرُوطَةً فَجُعِلَ ذَلِكَ مُعْتَبَرًا فِي إثْبَاتِ حَقِّهِ فِي الْقِيمَةِ وَقَوْلُهُ (وَلَوْ كَانَ مَغْنُومًا) يَعْنِي لَوْ كَانَ مَا أَخَذَهُ الْكُفَّارُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مَغْنُومًا: أَيْ مَأْخُوذًا بِالْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ (وَهُوَ مِثْلِيٌّ) كَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ (يَأْخُذُهُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ) وَلَا يَأْخُذُهُ بَعْدَهَا (لِأَنَّ الْأَخْذَ بِالْمِثْلِ غَيْرُ مُفِيدٍ، وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ مَوْهُوبًا لَا يَأْخُذُهُ لِمَا بَيَّنَّاهُ) أَنَّ الْأَخْذَ بِالْمِثْلِ غَيْرُ مُفِيدٍ (وَكَذَا إذَا كَانَ مُشْتَرًى بِمِثْلِهِ قَدْرًا وَوَصْفًا) يَعْنِي إذَا كَانَ مَا أَخَذَهُ الْكُفَّارُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مِثْلِيًّا فَاشْتَرَاهُ مِنْ مُسْلِمٍ بِمِثْلِهِ قَدْرًا وَوَصْفًا ثُمَّ جَاءَ صَاحِبُهُ الْقَدِيمُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْهُ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُفِيدٍ، وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِقَوْلِهِ قَدْرًا وَوَصْفًا احْتِرَازًا عَمَّا لَوْ اشْتَرَاهُ الْمُسْلِمُ بِأَقَلَّ قَدْرًا مِنْهُ أَوْ بِجِنْسٍ آخَرَ أَوْ بِجِنْسِهِ وَلَكِنَّهُ أَرْدَأُ مِنْهُ وَصْفًا فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ بِمِثْلِ مَا أَعْطَاهُ الْمُشْتَرِي وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ رِبًا لِأَنَّهُ إنَّمَا فَدَى لِيَسْتَخْلِصَ مِلْكَهُ وَيُعِيدَهُ إلَى قَدِيمِ مِلْكِهِ لَا أَنَّهُ يَشْتَرِيهِ ابْتِدَاءً. قَالَ: (فَإِنْ أَسَرُوا عَبْدًا فَاشْتَرَاهُ رَجُلٌ وَأَخْرَجَهُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَفُقِئَتْ عَيْنُهُ وَأَخَذَ أَرْشَهَا فَإِنَّ الْمَوْلَى يَأْخُذُهُ بِالثَّمَنِ الَّذِي أُخِذَ بِهِ مِنْ الْعَدُوِّ) أَمَّا الْأَخْذُ بِالثَّمَنِ فَلِمَا قُلْنَا (وَلَا يَأْخُذُ الْأَرْشَ)؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ فِيهِ صَحِيحٌ، فَلَوْ أَخَذَهُ أَخَذَهُ بِمِثْلِهِ وَهُوَ لَا يُفِيدُ وَلَا يُحَطُّ شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّ الْأَوْصَافَ لَا يُقَابِلُهَا شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ، بِخِلَافِ الشُّفْعَةِ؛ لِأَنَّ الصَّفْقَةَ لَمَّا تَحَوَّلَتْ إلَى الشَّفِيعِ صَارَ الْمُشْتَرَى فِي يَدِ الْمُشْتَرِي بِمَنْزِلَةِ الْمُشْتَرَى شِرَاءً فَاسِدًا، وَالْأَوْصَافُ تُضْمَنُ فِيهِ كَمَا فِي الْغَصْبِ، أَمَّا هَاهُنَا الْمِلْكُ صَحِيحٌ فَافْتَرَقَا.
الشَّرْحُ:
قَالَ (فَإِنْ أَسَرُوا عَبْدًا) إذَا أَخَذَ الْكُفَّارُ عَبْدًا وَدَخَلُوا بِهِ دَارَ الْحَرْبِ (فَاشْتَرَاهُ رَجُلٌ وَأَخْرَجَهُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَفُقِئَتْ عَيْنُهُ وَأُخِذَ أَرْشُهَا فَإِنَّ الْمَوْلَى يَأْخُذُهُ بِالثَّمَنِ الَّذِي أُخِذَ بِهِ مِنْ الْعَدُوِّ، أَمَّا الْأَخْذُ بِالثَّمَنِ فَلِمَا قُلْنَا) إنَّ الْمُشْتَرِيَ يَتَضَرَّرُ بِالْأَخْذِ مَجَّانًا (وَلَا يَأْخُذُ الْأَرْشَ لِأَنَّ الْمِلْكَ فِي صَحِيحٍ) فَكَانَ الْأَرْشُ حَاصِلًا فِي مِلْكِهِ وَلَيْسَ فِيهِ الْإِعَادَةُ إلَى قَدِيمِ الْمِلْكِ حَتَّى يَكُونَ الْمَوْلَى أَحَقَّ بِهِ كَالرَّقَبَةِ، وَمَعَ هَذَا لَوْ أَخَذَهُ فَإِنَّمَا يَأْخُذُهُ بِمِثْلِهِ لِأَنَّ الْأَرْشَ دَرَاهِمُ أَوْ دَنَانِيرُ وَهُوَ لَا يُفِيدُ.
وَقَوْلُهُ (لِأَنَّ الْمِلْكَ فِيهِ صَحِيحٌ) احْتِرَازٌ عَنْ الْمُشْتَرِي شِرَاءً فَاسِدًا، فَإِنَّ الْأَوْصَافَ هُنَاكَ مَضْمُونَةٌ (وَلَا يَحُطُّ شَيْئًا مِنْ الثَّمَنِ لِأَنَّ الْأَوْصَافَ لَا يُقَابِلُهَا شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ).
وَاسْتَشْكَلَ هَذَا التَّعْلِيلُ هَاهُنَا لِأَنَّ الْأَوْصَافَ إنَّمَا لَا يُقَابِلُهَا شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ إذَا لَمْ يَصِرْ التَّنَاوُلُ مَقْصُودًا، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ اشْتَرَى عَبْدًا فَفُقِئَتْ عَيْنُهُ وَأَخَذَ الْأَرْشَ ثُمَّ قَصَدَ بَيْعَهُ مُرَابَحَةً فَإِنَّهُ يُحَطُّ مِنْ الثَّمَنِ مَا يَخُصُّ الْعَيْنَ لِأَنَّهَا صَارَتْ مَقْصُودَةً بِالتَّنَاوُلِ، بِخِلَافِ مَا إذَا اعْوَرَّتْ.
وَأَجَابَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ إنَّمَا يُحَطُّ فِي الْمُرَابَحَةِ لِلشُّبْهَةِ لِأَنَّهُ صَارَ كَأَنَّهُ اشْتَرَى شَيْئَيْنِ بِأَلْفٍ ثُمَّ بَاعَ أَحَدُهُمَا بِذَلِكَ الثَّمَنِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْآخَرِ مُرَابَحَةً لِمَا أَنَّ الشُّبْهَةَ مُلْحَقَةٌ بِالْحَقِيقَةِ فِي بَابِ الْمُرَابَحَةِ تَحَرُّزًا عَنْ شُبْهَةِ الْخِيَانَةِ، وَلَا كَذَلِكَ هَاهُنَا لِأَنَّهُ لَا اعْتِبَارَ لِلشُّبْهَةِ فِيهِ، بِخِلَافِ الشُّفْعَةِ فَإِنَّ الْأَوْصَافَ يُقَابِلُهَا شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ فِيهَا، حَتَّى لَوْ اسْتَهْلَكَ الْمُشْتَرِي شَيْئًا مِنْ الدَّارِ سَقَطَ حِصَّتُهُ مِنْ الثَّمَنِ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ فِي الَّذِي وَجَبَتْ الشُّفْعَةُ فِيهِ بِمَنْزِلَةِ شِرَاءِ الْمُشْتَرِي شِرَاءً فَاسِدًا مِنْ حَيْثُ إنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَاجِبُ الرَّدِّ، وَالْأَوْصَافُ تُضْمَنُ فِي الْمُشْتَرِي شِرَاءً فَاسِدًا كَمَا فِي الْغَصْبِ، فَإِنَّ مَنْ غَصَبَ جَارِيَةً فَذَهَبَتْ إحْدَى عَيْنَيْهَا ضَمِنَ نِصْفَ قِيمَتِهَا.
فَإِنْ قِيلَ: شِرَاءُ التَّاجِرِ هَاهُنَا بِمَنْزِلَةِ الْمُشْتَرِي شِرَاءً فَاسِدًا فِي الْمَعْنَى الْمَذْكُورِ وَهُوَ وُجُوبُ الرَّدِّ.
أُجِيبَ بِأَنَّ إلْحَاقَ مَسْأَلَةِ الشُّفْعَةِ بِالْمُشْتَرِي شِرَاءً فَاسِدًا مِنْ حَيْثُ وُجُوبُ الرَّدِّ إلَى الشَّفِيعِ، وَمِنْ حَيْثُ وُجُوبُ عَرْضِ الْبَائِعِ الدَّارَ عَلَى الْجَارِ أَوَّلًا، ثُمَّ الْبَيْعُ إنْ رَغِبَ عَنْهُ الْجَارُ فَإِذَا لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ صَارَ ذَلِكَ مَكْرُوهًا فَصَارَ كَتَمَكُّنِ الْفَسَادِ فِي الْعَقْدِ، وَلَا كَذَلِكَ بَيْعُ الْكَافِرِ مِنْ التَّاجِرِ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْعَرْضُ عَلَى الْمَالِكِ.
قِيلَ فِي مَسْأَلَةِ الشُّفْعَةِ أَيْضًا إذَا كَانَ هَلَاكُ بَعْضِ الْمُشْتَرِي بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ لَا يُقَابِلُ الْأَوْصَافَ شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ فَلَمْ تَكُنْ مُخَالِفَةً لِمَسْأَلَةِ التَّاجِرِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّهَا مُخَالِفَةٌ فِي صُورَةِ الْعَمْدِ، فَإِنَّ التَّاجِرَ إذَا فَقَأَ عَيْنَ الْجَارِيَةِ لَا يَلْزَمُهُ حَطُّ شَيْءٍ مِنْ الثَّمَنِ، بِخِلَافِ مَا إذَا اسْتَهْلَكَ الْمُشْتَرِي بَعْضَ الْأَشْجَارِ فِي الشُّفْعَةِ فَإِنَّهُ يَحُطُّ حِصَّتَهُ مِنْ الثَّمَنِ. (وَإِنْ أَسَرُوا عَبْدًا فَاشْتَرَاهُ رَجُلٌ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَأَسَرُوهُ ثَانِيًا وَأَدْخَلُوهُ دَارَ الْحَرْبِ فَاشْتَرَاهُ رَجُلٌ آخَرُ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَلَيْسَ لِلْمَوْلَى الْأَوَّلِ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْ الثَّانِي بِالثَّمَنِ)؛ لِأَنَّ الْأَسْرَ مَا وَرَدَ عَلَى مِلْكِهِ (وَلِلْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْ الثَّانِي بِالثَّمَنِ)؛ لِأَنَّ الْأَسْرَ وَرَدَ عَلَى مِلْكِهِ (ثُمَّ يَأْخُذُهُ الْمَالِكُ الْقَدِيمُ بِأَلْفَيْنِ إنْ شَاءَ)؛ لِأَنَّهُ قَامَ عَلَيْهِ بِالثَّمَنَيْنِ فَيَأْخُذُهُ بِهِمَا، وَكَذَا إذَا كَانَ الْمَأْسُورُ مِنْهُ الثَّانِي غَائِبًا لَيْسَ لِلْأَوَّلِ أَنْ يَأْخُذَهُ اعْتِبَارًا بِحَالِ حَضْرَتِهِ (وَلَا يَمْلِكُ عَلَيْنَا أَهْلُ الْحَرْبِ بِالْغَلَبَةِ مُدَبَّرِينَا وَأُمَّهَاتِ أَوْلَادِنَا وَمُكَاتَبِينَا وَأَحْرَارَنَا وَنَمْلِكُ عَلَيْهِمْ جَمِيعَ ذَلِكَ)؛ لِأَنَّ السَّبَبَ إنَّمَا يُفِيدُ الْمِلْكَ فِي مَحَلِّهِ، وَالْمَحَلُّ الْمَالُ الْمُبَاحُ، وَالْحُرُّ مَعْصُومٌ بِنَفْسِهِ، وَكَذَا مَنْ سِوَاهُ؛ لِأَنَّهُ تَثْبُتُ الْحُرِّيَّةُ فِيهِ مِنْ وَجْهٍ، بِخِلَافِ رِقَابِهِمْ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ أَسْقَطَ عِصْمَتَهُمْ جَزَاءً عَلَى جِنَايَتِهِمْ وَجَعَلَهُمْ أَرِقَّاءَ وَلَا جِنَايَةَ مِنْ هَؤُلَاءِ.
الشَّرْحُ:
وَقَوْلُهُ (وَإِنْ أَسَرُوا عَبْدًا) صُورَتُهُ ظَاهِرَةٌ.
وَاعْتُرِضَ عَلَى قَوْلِهِ وَلِلْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْ الثَّانِي بِالثَّمَنِ بِأَنَّا لَوْ أَثْبَتْنَا حَقَّ الْأَخْذِ لِلَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ الْعَدُوِّ أَوَّلًا تَضَرَّرَ الْمَالِكُ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَأْخُذُهُ بِالثَّمَنَيْنِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ رِعَايَةَ حَقِّ مَنْ اشْتَرَاهُ مِنْ الْعَدُوِّ أَوَّلًا أَوْلَى، لِأَنَّ حَقَّهُ يَعُودُ فِي الْأَلْفِ الَّتِي نَقَدَهَا بِلَا عِوَضٍ يُقَابِلُهَا، وَالْمَالِكُ الْقَدِيمُ يَلْحَقُهُ الضَّرَرُ وَلَكِنْ بِعِوَضٍ يُقَابِلُهُ وَهُوَ الْعَبْدُ، فَكَانَ مَا قُلْنَاهُ أَوْلَى وَقَوْلُهُ (وَكَذَا مَنْ سِوَاهُ) أَيْ مَنْ سِوَى الْحُرِّ.
وَقَوْلُهُ (بِخِلَافِ رِقَابِهِمْ) أَيْ رِقَابِ أَحْرَارِ الْكُفَّارِ وَمُدَبَّرِيهِمْ وَأُمَّهَاتِ أَوْلَادِهِمْ.
وَقَوْلُهُ (وَلَا جِنَايَةَ مِنْ هَؤُلَاءِ) أَيْ مِنْ مُدَبَّرِينَا وَأُمَّهَاتِ أَوْلَادِنَا وَمُكَاتَبِينَا وَأَحْرَارِنَا فَلَا يَمْلِكُهُمْ الْكُفَّارُ وَإِنْ اسْتَوْلَوْا عَلَيْهِمْ، وَإِذَا لَمْ يَمْلِكْهُمْ الْكُفَّارُ لَمْ يَمْلِكْهُمْ الْغُزَاةُ أَيْضًا، حَتَّى لَوْ كَانَ أَخَذَهُمْ أَهْلُ دَارِ الْحَرْبِ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ ظَهَرَ عَلَيْهِمْ فَهُمْ لِمُلَّاكِهِمْ قَبْلَ الْقِسْمَةِ وَبَعْدَهَا بِغَيْرِ شَيْءٍ. (وَإِذَا أَبَقَ عَبْدٌ لِمُسْلِمٍ فَدَخَلَ إلَيْهِمْ فَأَخَذُوهُ لَمْ يَمْلِكُوهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا يَمْلِكُونَهُ)؛ لِأَنَّ الْعِصْمَةَ لِحَقِّ الْمَالِكِ لِقِيَامِ يَدِهِ وَقَدْ زَالَتْ، وَلِهَذَا لَوْ أَخَذُوهُ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ مَلَكُوهُ.
وَلَهُ أَنَّهُ ظَهَرَتْ يَدُهُ عَلَى نَفْسِهِ بِالْخُرُوجِ مِنْ دَارِنَا؛ لِأَنَّ سُقُوطَ اعْتِبَارِهِ لِتَحَقُّقِ يَدِ الْمَوْلَى عَلَيْهِ تَمْكِينًا لَهُ مِنْ الِانْتِفَاعِ وَقَدْ زَالَتْ يَدُ الْمَوْلَى فَظَهَرَتْ يَدُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَصَارَ مَعْصُومًا بِنَفْسِهِ فَلَمْ يَبْقَ مَحِلًّا لِلْمِلْكِ، بِخِلَافِ الْمُتَرَدِّدِ؛ لِأَنَّ يَدَ الْمَوْلَى بَاقِيَةٌ عَلَيْهِ لِقِيَامِ يَدِ أَهْلِ الدَّارِ فَمَنَعَ ظُهُورَ يَدِهِ.
وَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ الْمِلْكُ لَهُمْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يَأْخُذُهُ الْمَالِكُ الْقَدِيمُ بِغَيْرِ شَيْءٍ مَوْهُوبًا كَانَ أَوْ مُشْتَرًى أَوْ مَغْنُومًا قَبْلَ الْقِسْمَةِ وَبَعْدَ الْقِسْمَةِ يُؤَدَّى عِوَضُهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ إعَادَةُ الْقِسْمَةِ لِتَفَرُّقِ الْغَانِمِينَ وَتَعَذُّرِ اجْتِمَاعِهِمْ وَلَيْسَ لَهُ عَلَى الْمَالِكِ جُعْلُ الْآبِقِ؛ لِأَنَّهُ عَامِلٌ لِنَفْسِهِ إذْ فِي زَعْمِهِ أَنَّهُ مِلْكُهُ.
الشَّرْحُ:
قَالَ (وَإِذَا أَبَقَ عَبْدٌ لِمُسْلِمٍ فَدَخَلَ إلَيْهِمْ) إذَا أَبَقَ عَبْدٌ لِمُسْلِمٍ قَالُوا: قَيْدُ لِمُسْلِمٍ اتِّفَاقِيٌّ لِأَنَّ عَبْدَ الذِّمِّيِّ كَذَلِكَ (فَدَخَلَ إلَيْهِمْ فَأَخَذُوهُ لَمْ يَمْلِكُوهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَقَالَا: يَمْلِكُونَهُ لِأَنَّ الْعِصْمَةَ لِحَقِّ الْمَالِكِ) وَهُوَ ظَاهِرٌ.
وَقَوْلُهُ (لِأَنَّ سُقُوطَ اعْتِبَارِهِ) أَيْ اعْتِبَارِ يَدِ الْعَبْدِ (لِتَحَقُّقِ يَدِ الْمَوْلَى عَلَيْهِ تَمْكِينًا لَهُ مِنْ الِانْتِفَاعِ وَقَدْ زَالَتْ يَدُ الْمَوْلَى فَظَهَرَتْ يَدُهُ عَلَى نَفْسِهِ) لِأَنَّهُ حِينَ دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ فَقَدْ زَالَتْ يَدُ الْمَوْلَى عَنْهُ لَا إلَى مَنْ يَخْلُفُهُ، لِأَنَّ يَدَ الْمَوْلَى عِبَارَةٌ عَنْ الْقُدْرَةِ عَلَى التَّصَرُّفِ فِي الْمَحَلِّ كَيْفَ شَاءَ، وَلَمْ يَبْقَ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ فَيَصِيرُ فِي يَدِ نَفْسِهِ وَهِيَ يَدٌ مُحْتَرَمَةٌ تَمْنَعُ الْإِحْرَازَ فَتَمْنَعُ الْمِلْكَ لِأَنَّهُ لَا مِلْكَ بِدُونِ الْإِحْرَازِ.
فَإِنْ قِيلَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّهَا زَالَتْ لَا إلَى مَنْ يَخْلُفُهُ فَإِنَّ يَدَ الْكَفَرَةِ قَدْ خَلَفَتْ يَدَ الْمَوْلَى لِأَنَّ دَارَ الْحَرْبِ فِي أَيْدِيهِمْ.
أُجِيبَ بِأَنَّ بَيْنَ الدَّارَيْنِ حَدًّا لَا يَكُونُ فِي يَدِ أَحَدٍ، وَعِنْدَ ذَلِكَ تَظْهَرُ يَدُ الْعَبْدِ عَلَى نَفْسِهِ، وَلِأَنَّ يَدَ الدَّارِ يَدٌ حُكْمِيَّةٌ وَيَدَ الْعَبْدِ يَدٌ حَقِيقِيَّةٌ فَلَا تَنْدَفِعُ بِيَدِ الدَّارِ، إلَيْهِ أَشَارَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ حُصُولَ الْيَدِ الْحَقِيقِيَّةِ لِلْعَبْدِ فِي حَيِّزِ النِّزَاعِ.
وَالْجَوَابُ أَنَّ الْيَدَ كَمَا ذَكَرْنَا عِبَارَةٌ عَنْ الْقُدْرَةِ عَلَى التَّصَرُّفِ فِي الْمَحَلِّ كَيْفَ شَاءَ، وَعِنْدَ دُخُولِ الْعَبْدِ فِي دَارِ الْحَرْبِ يَحْصُلُ لَهُ ذَلِكَ قَبْلَ اسْتِيلَاءِ الْكَفَرَةِ عَلَيْهِ.
فَإِنْ قِيلَ: لَوْ حَصَلَ لَهُ يَدٌ حَقِيقِيَّةٌ لَعَتَقَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
أُجِيبَ بِمَنْعِ الْمُلَازَمَةِ لِأَنَّ ظُهُورَ يَدِهِ عَلَى نَفْسِهِ لَا يَسْتَلْزِمُ زَوَالَ مِلْكِ الْمَوْلَى، فَإِنَّهُ لَمَّا ظَهَرَتْ يَدُهُ عَلَى نَفْسِهِ صَارَ غَاصِبًا مِلْكَ الْمَوْلَى، وَجَازَ أَنْ تُوجَدَ الْيَدُ بِلَا مِلْكٍ كَمَا فِي الْمَغْصُوبِ وَالْمُشْتَرَى قَبْلَ الْقَبْضِ فَإِنَّ الْمِلْكَ لِلْمَوْلَى وَالْيَدَ لِغَيْرِهِ.
وَقَوْلُهُ (بِخِلَافِ الْمُتَرَدِّدِ) يَعْنِي فِي دَارِ الْإِسْلَامِ لِأَنَّ يَدَ الْمَوْلَى بَاقِيَةٌ عَلَيْهِ حُكْمًا لِقِيَامِ يَدِ أَهْلِ الدَّارِ فَمَنَعَ ظُهُورَ يَدِهِ، وَلِهَذَا لَوْ وَهَبَهُ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ كَانَ قَابِضًا لَهُ.
فَبَقَاءُ الْيَدِ حُكْمًا يَمْنَعُ ثُبُوتَ الْيَدِ لَهُ، فَإِنْ اسْتَوْلَى عَلَيْهِ الْمُشْرِكُونَ مَلَكُوهُ (وَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ الْمِلْكُ لَهُمْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَأْخُذُهُ الْمَالِكُ الْقَدِيمُ بِغَيْرِ شَيْءٍ إذَا كَانَ مَوْهُوبًا أَوْ مُشْتَرًى) أَمَّا إذَا كَانَ مَوْهُوبًا فَظَاهِرٌ لِأَنَّهُ أَخَذَهُ بِغَيْرِ عِوَضٍ فَلَا يَتَضَرَّرُ بِالْأَخْذِ مِنْهُ، وَأَمَّا الْمُشْتَرِي فَلِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ قَدْ تَمَلَّكَهُ بِغَيْرِ أَمْرِهِ فَكَانَ مُتَبَرِّعًا، حَتَّى لَوْ أَمَرَهُ بِذَلِكَ رَجَعَ عَلَيْهِ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ، وَإِنْ كَانَ مَغْنُومًا فَكَذَلِكَ إذَا كَانَ قَبْلَ الْقِسْمَةِ، وَأَمَّا إذَا كَانَ بَعْدَهَا فَيُؤَدِّي عِوَضَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ لِأَنَّ نَصِيبَهُ قَدْ اُسْتُحِقَّ فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى شُرَكَائِهِ فِي الْغَنِيمَةِ وَقَدْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ لِتَفَرُّقِهِمْ وَتَعَذُّرِ اجْتِمَاعِهِمْ فَيُعَوَّضُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ لِأَنَّ هَذِهِ مِنْ نَوَائِبِ الْمُسْلِمِينَ وَمَالُ بَيْتِ الْمَالِ مُعَدٌّ لِذَلِكَ.
وَقَوْلُهُ (وَلَيْسَ لَهُ) أَيْ لِلْغَازِي أَوْ لِلتَّاجِرِ (جَعْلُ الْآبِقِ لِأَنَّهُ عَامِلٌ لِنَفْسِهِ إذْ فِي زَعْمِهِ أَنَّهُ مِلْكُهُ) وَالْجُعْلُ إنَّمَا يَجِبُ إذَا أَخَذَهُ الْآخِذُ عَلَى قَصْدِ الرَّدِّ إلَى مَالِكِهِ. (وَإِنْ نَدَّ بَعِيرٌ إلَيْهِمْ فَأَخَذُوهُ مَلَكُوهُ) لِتَحَقُّقِ الِاسْتِيلَاءِ إذْ لَا يَدَ لِلْعَجْمَاءِ لِتَظْهَرَ عِنْدَ الْخُرُوجِ مِنْ دَارِنَا، بِخِلَافِ الْعَبْدِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا.
(وَإِنْ اشْتَرَاهُ رَجُلٌ وَأَدْخَلَهُ دَارَ الْإِسْلَامِ فَصَاحِبُهُ يَأْخُذُهُ بِالثَّمَنِ إنْ شَاءَ) لِمَا بَيَّنَّا.
الشَّرْحُ:
قَوْلُهُ (وَإِنْ نَدَّ إلَيْهِمْ بَعِيرٌ) ظَاهِرٌ (فَإِنْ أَبَقَ عَبْدٌ إلَيْهِمْ وَذَهَبَ مَعَهُ بِفَرَسٍ وَمَتَاعٍ فَأَخَذَ الْمُشْرِكُونَ ذَلِكَ كُلَّهُ وَاشْتَرَى رَجُلٌ ذَلِكَ كُلَّهُ، وَأَخْرَجَهُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَإِنَّ الْمَوْلَى يَأْخُذُ الْعَبْدَ بِغَيْرِ شَيْءٍ وَالْفَرَسَ وَالْمَتَاعَ بِالثَّمَنِ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: يَأْخُذُ الْعَبْدَ وَمَا مَعَهُ بِالثَّمَنِ إنْ شَاءَ) اعْتِبَارًا لِحَالَةِ الِاجْتِمَاعِ بِحَالَةِ الِانْفِرَادِ وَقَدْ بَيَّنَّا الْحُكْمَ فِي كُلِّ فَرْدٍ.
الشَّرْحُ:
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ (فَإِنْ أَبَقَ عَبْدٌ إلَيْهِمْ وَذَهَبَ مَعَهُ بِفَرَسٍ وَمَتَاعٍ).
وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ يَنْبَغِي أَنْ يَأْخُذَ الْمَالِكُ الْمَتَاعَ أَيْضًا بِغَيْرِ شَيْءٍ، لِأَنَّهُ لَمَّا ظَهَرَتْ يَدُ الْعَبْدِ عَلَى نَفْسِهِ ظَهَرَتْ عَلَى الْمَالِ أَيْضًا لِانْقِطَاعِ يَدِ الْمَوْلَى عَنْ الْمَالِ لِأَنَّهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَيَدُ الْعَبْدِ أَسْبَقُ مِنْ يَدِ الْكُفَّارِ عَلَيْهِ فَلَا يَصِيرُ مِلْكًا لَهُمْ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ يَدَ الْعَبْدِ ظَهَرَتْ عَلَى نَفْسِهِ مَعَ الْمُنَافِي وَهُوَ الرِّقُّ فَكَانَتْ ظَاهِرَةً مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ فَجَعَلْنَاهَا ظَاهِرَةً فِي حَقِّ نَفْسِهِ غَيْرَ ظَاهِرَةٍ فِي حَقِّ الْمَالِ. (وَإِذَا دَخَلَ الْحَرْبِيُّ دَارَنَا بِأَمَانٍ وَاشْتَرَى عَبْدًا مُسْلِمًا وَأَدْخَلَهُ دَارَ الْحَرْبِ عَتَقَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: لَا يُعْتَقُ)؛ لِأَنَّ الْإِزَالَةَ كَانَتْ مُسْتَحَقَّةً بِطَرِيقٍ مُعَيَّنٍ وَهُوَ الْبَيْعُ وَقَدْ انْقَطَعَتْ وِلَايَةُ الْجَبْرِ عَلَيْهِ فَبَقِيَ فِي يَدِهِ عَبْدًا.
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ تَخْلِيصَ الْمُسْلِمِ عَنْ ذُلِّ الْكَافِرِ وَاجِبٌ، فَيُقَامُ الشَّرْطُ وَهُوَ تَبَايُنُ الدَّارَيْنِ مَقَامَ الْعِلَّةِ وَهُوَ الْإِعْتَاقُ تَخْلِيصًا لَهُ، كَمَا يُقَامُ مُضِيُّ ثَلَاثِ حِيَضٍ مَقَامَ التَّفْرِيقِ فِيمَا إذَا أَسْلَمَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ فِي دَارِ الْحَرْبِ.
الشَّرْحُ:
(قَوْلُهُ وَإِذَا دَخَلَ الْحَرْبِيُّ دَارَنَا بِأَمَانٍ وَاشْتَرَى عَبْدًا مُسْلِمًا) أَوْ ذِمِّيًّا أَوْ أَسْلَمَ أَحَدٌ مِمَّنْ كَانَ مَعَهُ مِنْ الْعَبِيدِ أُجْبِرَ عَلَى بَيْعِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ كَالذِّمِّيِّ يُسْلِمُ عَبْدُهُ.
فَإِنْ قِيلَ: الذِّمِّيُّ مُلْتَزِمٌ أَحْكَامَ الْإِسْلَامِ فَجَازَ إجْبَارُهُ عَلَى بَيْعِ عَبْدِهِ الَّذِي أَسْلَمَ وَالْحَرْبِيُّ لَيْسَ كَذَلِكَ.
أُجِيبَ بِأَنَّ الْأَمَانَ يُنَافِي إبْقَاءَهُمْ فِي مِلْكِهِ لِأَنَّ فِيهِ اسْتِذْلَالًا لِلْمُسْلِمِ وَإِعْطَاءُ الْأَمَانِ عَلَى تَرْكِ ذَلِكَ فَكَانَ الْأَمَانُ مُلْتَزِمًا تَرْكَ إذْلَالِ الْمُسْلِمِينَ فَيَلْزَمُهُ.
وَوَجْهُهُمَا ظَاهِرٌ.
وَوَجْهُ أَبِي حَنِيفَةَ (أَنَّ تَخْلِيصَ الْمُسْلِمِ عَنْ ذُلِّ الْكَافِرِ وَاجِبٌ) عَلَى الْإِمَامِ، فَإِنْ كَانَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَبِالْجَبْرِ عَلَى الْبَيْعِ لِلْمُسْلِمِينَ دُونَ الْإِعْتَاقِ لِأَنَّ مَالَ الْمُسْتَأْمَنِ مَعْصُومٌ مَا دَامَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ بِمُقْتَضَى الْأَمَانِ، فَإِذَا أَدْخَلَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ زَالَتْ عِصْمَةُ مَالِهِ، فَلَوْ كَانَ لِلْإِمَامِ وِلَايَةٌ عَلَيْهِ وَجَبَ عَلَيْهِ إجْبَارُهُ عَلَى الْعِتْقِ لِإِزَالَةِ عِصْمَةِ مَالِهِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ وِلَايَةٌ يُقِيمُ شَرْطَ زَوَالِ عِصْمَةِ الْمَالِ وَهُوَ تَبَايُنُ الدَّارَيْنِ مَقَامَ عِلَّةِ الْإِزَالَةِ وَهِيَ الْإِعْتَاقُ لِأَنَّ الشَّرْطَ قَدْ يُقَامُ مَقَامَ الْعِلَّةِ إذَا لَمْ يَكُنْ إضَافَةُ الْحُكْمِ إلَيْهَا كَحَفْرِ الْبِئْرِ عَلَى قَارِعَةِ الطَّرِيقِ.
فَإِنْ قِيلَ: إقَامَةُ الشَّرْطِ هَاهُنَا مَقَامَ الْعِلَّةِ يَسْتَلْزِمُ جَعْلَ الْمُثْبِتِ لِلشَّيْءِ مُزِيلًا لَهُ وَهُوَ بَاطِلٌ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ إذَا اسْتَوْلَوْا عَلَى عَبْدٍ مُسْلِمٍ بِالْإِحْرَازِ بِدَارِهِمْ مَلَكُوهُ، فَكَانَ تَبَايُنُ الدَّارَيْنِ عِلَّةً لِثُبُوتِ الْمِلْكِ فِيهِ وَهَاهُنَا جَعَلْتُمُوهُ مُزِيلًا لَهُ، وَفِيهِ أَيْضًا نَقْضٌ لِقَاعِدَةٍ مُطَّرِدَةٍ وَهِيَ أَنَّ الْبَقَاءَ أَسْهَلُ مِنْ الِابْتِدَاءِ فَإِنَّ هَذَا يُفِيدُ ابْتِدَاءَ الْمِلْكِ دُونَ بَقَائِهِ.
فَالْجَوَابُ أَنَّ تَبَايُنَ الدَّارَيْنِ مُثْبِتٌ لِلْمِلْكِ إذَا لَمْ يَكُنْ ثَابِتًا، وَالْمِلْكُ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ ثَابِتٌ بِالشِّرَاءِ دُونَ التَّبَايُنِ فَجُعِلَ مُزِيلًا فِي مَحَلٍّ خَاصٍّ تَخْلِيصًا لِلْمُسْلِمِ عَنْ ذُلِّ الْكَافِرِ.
عَلَى أَنَّ مَا جَعَلْنَاهُ مُزِيلًا وَإِنَّمَا جَعَلْنَاهُ قَائِمًا مَقَامَ الْمُزِيلِ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ فَلَمْ يَكُنْ الشَّيْءُ الْوَاحِدُ مُزِيلًا غَيْرَ مُزِيلٍ وَهُوَ الْمُمْتَنِعُ، وَبَقَاءُ الشَّيْءِ أَسْهَلُ مِنْ الِابْتِدَاءِ إذَا لَمْ يَعْتَرِ الْبَقَاءَ مَا يُزِيلُ سُهُولَتَهُ وَهَاهُنَا بَقَاءُ الْمُسْلِمِ فِي يَدِ الْكَافِرِ صَعْبٌ يُزِيلُ سُهُولَتَهُ.
وَقَوْلُهُ (كَمَا يُقَامُ مُضِيُّ ثَلَاثِ حِيَضٍ) تَمْثِيلٌ لِلْمَسْأَلَةِ فِي قِيَامِ الشَّرْطِ مَقَامَ الْعِلَّةِ، فَإِنَّ انْقِضَاءَ ثَلَاثِ حِيَضٍ شَرْطُ الْبَيْنُونَةِ فِي الطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ أُقِيمَ مَقَامَ عِلَّةِ الْبَيْنُونَةِ وَهِيَ عَرْضُ الْقَاضِي الْإِسْلَامَ وَتَفْرِيقُهُ بَعْدَ الْإِبَاءِ لِعَجْزِ الْقَاضِي عَنْ حَقِيقَةِ الْعِلَّةِ فِيمَا إذَا أَسْلَمَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ بِدَارِ الْحَرْبِ. (وَإِذَا أَسْلَمَ عَبْدٌ لِحَرْبِيٍّ ثُمَّ خَرَجَ إلَيْنَا أَوْ ظُهِرَ عَلَى الدَّارِ فَهُوَ حُرٌّ، وَكَذَلِكَ إذَا خَرَجَ عَبِيدُهُمْ إلَى عَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ فَهُمْ أَحْرَارٌ) لِمَا رُوِيَ «أَنَّ عَبِيدًا مِنْ عَبِيدِ الطَّائِفِ أَسْلَمُوا وَخَرَجُوا إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَضَى بِعِتْقِهِمْ وَقَالَ: هُمْ عُتَقَاءُ اللَّهِ» وَلِأَنَّهُ أَحْرَزَ نَفْسَهُ بِالْخُرُوجِ إلَيْنَا مُرَاغِمًا لِمَوْلَاهُ أَوْ بِالِالْتِحَاقِ بِمَنَعَةِ الْمُسْلِمِينَ، إذَا ظُهِرَ عَلَى الدَّارِ، وَاعْتِبَارُ يَدِهِ أَوْلَى مِنْ اعْتِبَارِ يَدِ الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّهَا أَسْبَقُ ثُبُوتًا عَلَى نَفْسِهِ، فَالْحَاجَةُ فِي حَقِّهِ إلَى زِيَادَةِ تَوْكِيدٍ وَفِي حَقِّهِمْ إلَى إثْبَاتِ الْيَدِ ابْتِدَاءً فَلِهَذَا كَانَ أَوْلَى، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
الشَّرْحُ:
(قَوْلُهُ وَإِذَا أَسْلَمَ عَبْدٌ لِحَرْبِيٍّ) ظَاهِرٌ.
وَقَوْلُهُ (لِمَا رُوِيَ أَنَّ عَبِيدًا مِنْ عَبِيدِ الطَّائِفِ أَسْلَمُوا) رُوِيَ: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا حَاصَرَ الطَّائِفَ قَالَ: أَيُّمَا عَبْدٍ خَرَجَ إلَيْنَا فَهُوَ حُرٌّ فَخَرَجَ سِتَّةُ أَعْبُدٍ أَوْ سَبْعَةٌ مِنْهَا، فَلَمَّا فُتِحَتْ جَاءَ مَوَالِيهِمْ وَتَكَلَّمُوا فِيهِمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هُمْ عُتَقَاءُ اللَّهِ».
وَقَوْلُهُ (وَلِأَنَّهُ أَحْرَزَ) مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ ثُمَّ خَرَجَ إلَيْنَا.
وَقَوْلُهُ (أَوْ بِالِالْتِحَاقِ) مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ أَوْ ظَهَرَ عَلَى الدَّارِ.
وَقِيلَ بِقَوْلِهِ مُرَاغِمًا: أَيْ مُغَاضِبًا وَمُنَابِذًا لِأَنَّهُ إذَا خَرَجَ طَائِعًا لِمَوْلَاهُ يُبَاعُ فِيهِ وَثَمَنُهُ لِلْحَرْبِيِّ لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ عَلَى سَبِيلِ التَّغَلُّبِ فَصَارَ كَمَالِ الْحَرْبِيِّ الَّذِي دَخَلَ بِهِ مُسْتَأْمَنًا إلَى دَارِنَا.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.

.(بَابُ الْمُسْتَأْمَنِ):

(وَإِذَا دَخَلَ الْمُسْلِمُ دَارَ الْحَرْبِ تَاجِرًا فَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَتَعَرَّضَ لِشَيْءٍ مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَلَا مِنْ دِمَائِهِمْ)؛ لِأَنَّهُ ضَمِنَ أَنْ لَا يَتَعَرَّضَ لَهُمْ بِالِاسْتِئْمَانِ، فَالتَّعَرُّضُ بَعْدَ ذَلِكَ يَكُونُ غَدْرًا وَالْغَدْرُ حَرَامٌ، إلَّا إذَا غَدَرَ بِهِمْ مَلِكُهُمْ فَأَخَذَ أَمْوَالَهُمْ أَوْ حَبَسَهُمْ أَوْ فَعَلَ غَيْرُهُ بِعِلْمِ الْمَلِكِ وَلَمْ يَمْنَعْهُ؛ لِأَنَّهُمْ هُمْ الَّذِينَ نَقَضُوا الْعَهْدَ بِخِلَافِ الْأَسِيرِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَأْمَنٍ فَيُبَاحُ لَهُ التَّعَرُّضُ، وَإِنْ أَطْلَقُوهُ طَوْعًا (فَإِنْ غَدَرَ بِهِمْ) أَعْنِي التَّاجِرُ (فَأَخَذَ شَيْئًا وَخَرَجَ بِهِ) (مَلَكَهُ مِلْكًا مَحْظُورًا) لِوُرُودِ الِاسْتِيلَاءِ عَلَى مَالٍ مُبَاحٍ، إلَّا أَنَّهُ حَصَلَ بِسَبَبِ الْغَدْرِ فَأَوْجَبَ ذَلِكَ خُبْثًا فِيهِ (فَيُؤْمَرُ بِالتَّصَدُّقِ بِهِ) وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْحَظْرَ لِغَيْرِهِ لَا يَمْنَعُ انْعِقَادَ السَّبَبِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ.
الشَّرْحُ:
بَابُ: الْمُسْتَأْمَنِ.
لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ الِاسْتِيلَاءِ الَّذِي هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ الِاقْتِدَارِ عَلَى الْمَحَلِّ قَهْرًا وَغَلَبَةً شَرَعَ فِي بَيَانِ الِاسْتِئْمَانِ، لِأَنَّ طَلَبَ الْأَمَانِ إنَّمَا يَكُونُ حَيْثُ يَكُونُ فِيهِ قَهْرٌ وَغَلَبَةٌ، وَقَدَّمَ اسْتِئْمَانَ الْمُسْلِمِ تَعْظِيمًا لَهُ وَكَلَامُهُ وَاضِحٌ (قَوْلُهُ وَالْغَدْرُ حَرَامٌ) دَلِيلُهُ «قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَصْحَابِ السَّرَايَا وَلَا تَغْدِرُوا».
وَقَوْلُهُ (بِخِلَافِ الْأَسِيرِ) يَعْنِي أَنَّ الْغَدْرَ لَيْسَ بِحَرَامٍ عَلَيْهِ، فَإِنَّ الْأُسَرَاءَ إذَا تَمَكَّنُوا مِنْ قَتْلِ قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ غِيلَةً وَأَخْذِ أَمْوَالِهِمْ وَفَعَلُوا ذَلِكَ وَخَرَجُوا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ وَلَا مَنَعَةَ لَهُمْ فَكُلُّ مَنْ أَخَذَ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ خَاصَّةً (فَيُبَاحُ لَهُمْ التَّعَرُّضُ وَإِنْ أَطْلَقُوهُمْ طَوْعًا) لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَأْمِنْ صَرِيحًا حَتَّى يَكُونَ غَادِرًا بِأَخْذِ أَمْوَالِهِمْ (قَوْلُهُ مَلَكَهُ مِلْكًا مَحْظُورًا) أَيْ خَبِيثًا، حَتَّى لَوْ كَانَتْ جَارِيَةً كُرِهَ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَطَأَهَا لِأَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَ الْبَائِعِ، وَوَطْؤُهَا لِلْبَائِعِ كَانَ مَكْرُوهًا فَكَذَا الْمُشْتَرِي (قَوْلُهُ وَهَذَا) إشَارَةً إلَى قَوْلِهِ مَلَكَهُ مِلْكًا مَحْظُورًا: يَعْنِي أَنَّ مَالَ أَهْلِ الْحَرْبِ مُبَاحٌ فِي نَفْسِهِ وَالْحَظْرُ لِمَعْنًى فِي غَيْرِهِ وَهُوَ الْأَمَانُ فَلَا يَمْنَعُ انْعِقَادَ سَبَبِ الْمِلْكِ وَهُوَ الِاسْتِيلَاءُ (عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ) يَعْنِي فِي أَوَائِلِ بَابِ اسْتِيلَاءِ الْكُفَّارِ بِقَوْلِهِ وَالْمَحْظُورُ لِغَيْرِهِ إذَا صَلُحَ سَبَبًا لِكَرَامَةٍ تَفُوقُ الْمِلْكَ إلَخْ. (وَإِذَا دَخَلَ الْمُسْلِمُ دَارَ الْحَرْبِ بِأَمَانٍ فَأَدَانَهُ حَرْبِيٌّ أَوْ أَدَانَ هُوَ حَرْبِيًّا أَوْ غَصَبَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ ثُمَّ خَرَجَ إلَيْنَا وَاسْتَأْمَنَ الْحَرْبِيُّ لَمْ يُقْضَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ بِشَيْءٍ) أَمَّا الْإِدَانَةُ فَلِأَنَّ الْقَضَاءَ يَعْتَمِدُ الْوِلَايَةَ وَلَا وِلَايَةَ وَقْتَ الْإِدَانَةِ أَصْلًا وَلَا وَقْتَ الْقَضَاءِ عَلَى الْمُسْتَأْمَنِ؛ لِأَنَّهُ مَا الْتَزَمَ حُكْمَ الْإِسْلَامِ فِيمَا مَضَى مِنْ أَفْعَالِهِ وَإِنَّمَا الْتَزَمَ ذَلِكَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ.
وَأَمَّا الْغَصْبُ فَلِأَنَّهُ صَارَ مِلْكًا لِلَّذِي غَصَبَهُ وَاسْتَوْلَى عَلَيْهِ لِمُصَادَفَتِهِ مَالًا غَيْرَ مَعْصُومٍ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَا حَرْبِيَّيْنِ فَعَلَا ذَلِكَ ثُمَّ خَرَجَا مُسْتَأْمَنَيْنِ لِمَا قُلْنَا (وَلَوْ خَرَجَا مُسْلِمَيْنِ قُضِيَ بِالدَّيْنِ بَيْنَهُمَا وَلَمْ يُقْضَ بِالْغَصْبِ) أَمَّا الْمُدَايَنَةُ فَلِأَنَّهَا وَقَعَتْ صَحِيحَةً لِوُقُوعِهَا بِالتَّرَاضِي، وَالْوِلَايَةُ ثَابِتَةٌ حَالَةَ الْقَضَاءِ لِالْتِزَامِهِمَا الْأَحْكَامَ بِالْإِسْلَامِ.
وَأَمَّا الْغَصْبُ فَلِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ مِلْكُهُ وَلَا خُبْثَ فِي مِلْكِ الْحَرْبِيِّ حَتَّى يُؤْمَرَ بِالرَّدِّ.
الشَّرْحُ:
(وَإِذَا دَخَلَ الْمُسْلِمُ دَارَ الْحَرْبِ بِأَمَانٍ فَأَدَانَهُ حَرْبِيٌّ) أَيْ بَاعَ بِالدَّيْنِ فَإِنَّ الْإِدَانَةَ الْبَيْعُ بِالدَّيْنِ وَالِاسْتِدَانَةُ الِابْتِيَاعُ بِالدَّيْنِ قَوْلُهُ وَلَا وِلَايَةَ وَقْتَ الْإِدَانَةِ أَصْلًا أَيْ لَا عَلَى الْمُسْلِمِ وَلَا عَلَى الْحَرْبِيِّ (وَلَا وَقْتَ الْقَضَاءِ عَلَى الْمُسْتَأْمَنِ) وَهُوَ ظَاهِرٌ.
وَإِذَا لَمْ يَقْضِ عَلَى الْحَرْبِيِّ لَمْ يَقْضِ عَلَى الْمُسْلِمِ أَيْضًا تَحْقِيقًا لِلتَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمَا.
وَقَوْلُهُ (وَأَمَّا الْغَصْبُ فَلِأَنَّهُ صَارَ مِلْكًا لِلَّذِي غَصَبَهُ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ الْغَاصِبُ كَافِرًا فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ مُسْلِمًا مُسْتَأْمَنًا فِيهَا لِأَنَّ مَالَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَانَ مُبَاحًا وَقْتَ الْغَصْبِ فِي حَقِّهِ فَمَلَكَهُ بِالْغَصْبِ، إلَّا أَنَّ الْغَاصِبَ إنْ كَانَ هُوَ الْمُسْلِمُ يُفْتَى بِرَدِّ الْمَغْصُوبِ عَلَى الْمَالِكِ وَلَا يُقْضَى عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ لَمَّا دَخَلَ دَارَهُمْ بِأَمَانٍ الْتَزَمَ أَنْ لَا يَغْدِرَ بِهِمْ، وَفِي أَخْذِ أَمْوَالِهِمْ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ غَدْرٌ.
وَقَوْلُهُ (عَلَى مَا بَيَّنَّا) يَعْنِي فِيمَا تَقَدَّمَ، وَأَمَّا غَصْبُ الْكَافِرِ فَقَدْ ذُكِرَ فِي مَسْأَلَةِ الِاسْتِيلَاءِ بِقَوْلِهِ إنَّ الِاسْتِيلَاءَ وَرَدَ عَلَى مَالٍ مُبَاحٍ، وَأَمَّا غَصْبُ الْمُسْلِمِ فَقَدْ ذَكَرَهُ فِيمَا إذَا دَخَلَ وَاحِدٌ أَوْ اثْنَانِ مُغِيرَيْنِ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ فَأَخَذُوا شَيْئًا فَإِنَّهُمْ يَمْلِكُونَهُ.
وَقَوْلُهُ (لِمَا قُلْنَا) إشَارَةٌ إلَى قَوْلِهِ مِنْ قَبْلُ إنَّ الْقَضَاءَ يَعْتَمِدُ الْوِلَايَةَ إلَخْ.
وَقَوْلُهُ (وَلَوْ خَرَجَا مُسْلِمَيْنِ) ظَاهِرٌ. (وَإِذَا دَخَلَ الْمُسْلِمُ دَارَ الْحَرْبِ بِأَمَانٍ فَغَصَبَ حَرْبِيًّا ثُمَّ خَرَجَا مُسْلِمَيْنِ أُمِرَ بِرَدِّ الْغَصْبِ وَلَمْ يُقْضَ عَلَيْهِ) أَمَّا عَدَمُ الْقَضَاءِ فَلِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ مَلَكَهُ، وَأَمَّا الْأَمْرُ بِالرَّدِّ وَمُرَادُهُ الْفَتْوَى بِهِ فَلِأَنَّهُ فَسَدَ الْمِلْكُ لِمَا يُقَارِنُهُ مِنْ الْمُحَرَّمِ وَهُوَ نَقْصُ الْعَهْدِ.
الشَّرْحُ:
وَقَوْلُهُ (فَغَصَبَ حَرْبِيًّا) أَيْ غَصَبَ شَيْئًا مِنْ حَرْبِيٍّ وَلَيْسَ هَذَا مُنْحَصِرًا فِي خُرُوجِهِمَا مُسْلِمَيْنِ، بَلْ لَوْ خَرَجَ الْمُسْلِمُ الْغَاصِبُ وَالْحَرْبِيُّ مُسْتَأْمَنًا فَالْحُكْمُ كَذَلِكَ. (وَإِذَا دَخَلَ مُسْلِمَانِ دَارَ الْحَرْبِ بِأَمَانٍ فَقَتَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً فَعَلَى الْقَاتِلِ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ وَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ فِي الْخَطَإِ) أَمَّا الْكَفَّارَةُ فَلِإِطْلَاقِ الْكِتَابِ، وَأَمَّا الدِّيَةُ فَلِأَنَّ الْعِصْمَةَ الثَّابِتَةَ بِالْإِحْرَازِ بِدَارِ الْإِسْلَامِ لَا تَبْطُلُ بِعَارِضِ الدُّخُولِ بِالْأَمَانِ، وَإِنَّمَا لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهُ إلَّا بِمَنَعَةٍ، وَلَا مَنَعَةَ دُونَ الْإِمَامِ وَجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَإِنَّمَا تَجِبُ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ فِي الْعَمْدِ؛ لِأَنَّ الْعَوَاقِلَ لَا تَعْقِلُ الْعَمْدَ؛ وَفِي الْخَطَإِ لِأَنَّهُ لَا قُدْرَةَ لَهُمْ عَلَى الصِّيَانَةِ مَعَ تَبَايُنِ الدَّارَيْنِ وَالْوُجُوبُ عَلَيْهِمْ عَلَى اعْتِبَارِ تَرْكِهَا.
الشَّرْحُ:
وَقَوْلُهُ (فَعَلَى الْقَاتِلِ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ) يَعْنِي فِي الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ، هَكَذَا ذَكَرَهُ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ فِي عَامَّةِ النُّسَخِ.
وَذَكَرَ الْإِمَامُ قَاضِي خَانْ أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ثُمَّ قَالَ: وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: عَلَيْهِ الْقِصَاصُ فِي الْعَمْدِ لِأَنَّهُ قَتَلَ شَخْصًا مَعْصُومًا لَيْسَ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْحَرْبِ فَيَجِبُ بِقَتْلِهِ مَا يَجِبُ بِهِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ.
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ تَكْثِيرَ سَوَادِهِمْ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ بِتَوَطُّنِهِ فِيهِمْ كَانَ يُسْقِطُ الْعِصْمَةَ، فَتَكْثِيرُهُ مِنْ وَجْهٍ يُورِثُ الشُّبْهَةَ فَيَسْقُطُ الْقِصَاصُ.
وَقَوْلُهُ (أَمَّا الْكَفَّارَةُ فَلِإِطْلَاقِ الْكِتَابِ) يَعْنِي قَوْله تَعَالَى {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} (وَأَمَّا الدِّيَةُ فَلِأَنَّ الْعِصْمَةَ الثَّابِتَةَ بِالْإِحْرَازِ بِدَارِ الْإِسْلَامِ لَا تَبْطُلُ بِعَارِضِ الدُّخُولِ بِالْأَمَانِ) لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ عَلَى قَصْدِ الرُّجُوعِ كَانَ كَأَنَّهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ تَقْدِيرًا حَتَّى أَنَّ الْمُسْتَأْمَنَ مِنْهُمْ لَمَّا كَانَ عَلَى قَصْدِ الرُّجُوعِ كَانَ فِي دَارِ الْحَرْبِ حَتَّى لَا يُقْتَلَ الذِّمِّيُّ بِهِ، وَكَانَ الْقِيَاسُ وُجُوبَ الْقِصَاصِ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَجِبْ لِمَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ وَهُوَ وَاضِحٌ. (وَإِنْ كَانَا أَسِيرَيْنِ فَقَتَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ أَوْ قَتَلَ مُسْلِمٌ تَاجِرٌ أَسِيرًا) فَلَا شَيْءَ عَلَى الْقَاتِلِ إلَّا الْكَفَّارَةُ فِي الْخَطَإِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: (فِي الْأَسِيرَيْنِ الدِّيَةُ فِي الْخَطَإِ وَالْعَمْدِ)؛ لِأَنَّ الْعِصْمَةَ لَا تَبْطُلُ بِعَارِضِ الْأَسْرِ كَمَا لَا تَبْطُلْ بِعَارِضِ الِاسْتِئْمَانِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ، وَامْتِنَاعُ الْقِصَاصِ؛ لِعَدَمِ الْمَنَعَةِ وَيَجِبُ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ لِمَا قُلْنَا.
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ بِالْأَسْرِ صَارَ تَبَعًا لَهُمْ؛ لِصَيْرُورَتِهِ مَقْهُورًا فِي أَيْدِيهِمْ، وَلِهَذَا يَصِيرُ مُقِيمًا بِإِقَامَتِهِمْ وَمُسَافِرًا بِسَفَرِهِمْ فَيَبْطُلُ بِهِ الْإِحْرَازُ أَصْلًا وَصَارَ كَالْمُسْلِمِ الَّذِي لَمْ يُهَاجِرْ إلَيْنَا، وَخَصَّ الْخَطَأَ بِالْكَفَّارَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ فِي الْعَمْدِ عِنْدَنَا.
الشَّرْحُ:
وَقَوْلُهُ (عَلَى مَا بَيَّنَّا) إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْعِصْمَةَ الثَّابِتَةَ بِالْإِحْرَازِ بِدَارِ الْإِسْلَامِ لَا تَبْطُلُ بِعَارِضِ الدُّخُولِ بِالْأَمَانِ.
وَقَوْلُهُ (لِمَا قُلْنَا) إشَارَةٌ إلَى قَوْلِهِ لِأَنَّ الْعَوَاقِلَ لَا تَعْقِلُ الْعَمْدَ.
وَقَوْلُهُ (وَلِأَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ بِالْأَسْرِ صَارَ تَبَعًا لَهُمْ) يَعْنِي وَأَهْلُ الْحَرْبِ أُصُولٌ وَالْأُصُولُ غَيْرُ مَعْصُومِينَ فَكَذَلِكَ الْأَتْبَاعُ (قَوْلُهُ وَلِهَذَا) تَوْضِيحٌ لِلتَّبَعِيَّةِ.
وَقَوْلُهُ (فَيَبْطُلُ بِهِ الْإِحْرَازُ أَصْلًا) أَيْ يَبْطُلُ الْإِحْرَازُ بِالْعِصْمَةِ الْمُقَوَّمَةِ بِالْكُلِّيَّةِ (وَصَارَ كَالْمُسْلِمِ الَّذِي لَمْ يُهَاجِرْ إلَيْنَا) بِجَامِعِ تَبَعِيَّةِ أَهْلِ الدَّارِ بِالتَّوَطُّنِ فَلَمْ تَجِبْ الدِّيَةُ لِأَنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى تِلْكَ الْعِصْمَةِ، بِخِلَافِ الْكَفَّارَةِ فَإِنَّهَا تَجِبُ بِالْعِصْمَةِ الْمُؤَثِّمَةِ وَهِيَ بِالْإِسْلَامِ.