فصل: مقدمة:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الطهارة والصلاة




.المقدمة:

.تقديم الوالد العلامة حمود بن عباس المؤيد (حفظه الله ورعاه):

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين. وبعد:
فإني اطلعت على المنهج الجليِّ على طريقة الهادي وزيد بن علي الذي جمعه العلامة أحمد بن محمد الوشلي -نفع الله به من طلبة العلم المبتدي منه والمنتهي- فلقد قام بعمل نافع، وجمع مسائل كثيرة في أبواب متعددة في الطهارة والصلاة والجنائز والزكاة، وإن شاء الله تسنح فرصة لجمع مسائل في الخُمس والنكاح وغير ذلك، وقد بذل جهداً عظيماً، وأورد مسائل بأدلتها من كتب أهل البيت ٍ من (البحر الزَّخَّار) ومن (الأنوار) للإمام المهدي أحمد بن يحيى المرتضى ومن (شفاء الأوام) للأمير الحسين بن بدر الدين ومن (تجريد المؤيد) أحمد بن الحسين الهاروني ومن (أصول الأحكام) للإمام أحمد بن سليمان ومن (الاعتصام) للإمام القاسم بن محمد ومن (أحكام الإمام الهادي) يحيى بن الحسين ومن (الروض النضير) شرح مجموع زيد بن علي عليه السلام، وكذا من كتب الحديث من البخاري ومسلم والنسائي والترمذي وابن ماجة، ومن سنن أبي داود، وكذا من (الجامع الكافي) ومن أمالي أحمد بن عيسى ومن (شرح الأزهار) ومن غيره من المراجع ولقد قام بعمل نافع فجزاه الله خير الجزاء وأسكنه الفردوس الأعلى.
وقد أورد مسائل في الطهارة وفي المياه، وما يندب لقاضي الحاجة، وفي الغسل والتيمم والحيض، وفي شروط الصلاة وفروضها ومسنوناتها، وذكر الجماعة وسجود السهو، وقصر الصلاة، وصلاة الكسوف والعيدين، وكذلك ما يلزم المريض من الوصية، وكذا ذكر بمايلقّن المحتضر، وغسل الميت والصلاة على الموتى والكفن والقبر..، فلقد حوى هذا المؤلف غرراً من المسائل يجهلها كثير من الناس، فهو نافع لمن طالعه ودرسه وأمعن النظر فيه؛ لأنه شمل جملة أحاديث نبوية، فهو إتيان المسألة بدليلها، ولقد قرّب المسائل المطلوبة مع أدلتها المنثورة (فاحرص عليها إن أردت إفادةً) فها هي نورٌ ساطع متهلل.. فجزى الله الجامع لها والمدوّن لها أفضل الجزاء، فهكذا النجباء السعداء طريقتهم المثلى، يتعبون أنفسهم لمنفعة الملأ، جزاه الله الفردوس الأعلى وكتب له الحظ الأسمى.
وكتب/ حمود بن عباس المؤيد
وحرر شهر رمضان 1416 هـ

.مقدمة:

الحمد لله رب العالمين، الذي أنعم علينا بنعمة الإسلام والإيمان، ومنّ علينا بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم، الذي أنزل عليه القرآن، هدىً للناس وبينات من الهدى والفرقان وبعد:
فقد عظم الله سبحانه من شأن الفقه في الدين، وجعل تعلمه على العالمين فرض عين فقال سبحانه: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة:122] فجعل سبحانه النفر للتفقه فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقي، وجعل التعلم والتعليم فرض عين؛ لأن كل مسلم مطالب بأن يعرف أمور دينه، وما يجب عليه لخالقه ورازقه، وما يجب عليه للناس وعلى الناس له، وقال ً: «ما بال أقوام لا يفقهون جيرانهم ولا يفطنونهم، ليفقهنَّ قوم جيرانهم وليفطنن قوم جيرانهم، وليتفقهن قوم من جيرانهم وليتفطنن قوم من جيرانهم أو لأعاجلنهم بالعقوبة في الدنيا» وكم نرى في هذا الزمان أقواماً لا يعرفون من أمور دينهم شيئاً؛ نتيجةً لانحراف الناس عن التفقه في الدين والسؤال عن أحكام الشرع، والله عز وجل يقول: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [النحل:43] وقد ألفت كتبٌ كثيرة في الفقه ما بين مطول منها ومختصر، ولكن معظمها صعب العبارة كثير الإيجاز، أو معقدة المعنى لا يفهمها إلا العلماء أو طلاب العلم، والناس محتاجون إلى التسهيل والتبسيط، وهناك كتب في الفقه جيدة سهلة العبارة، ولكنها لا تحتوي على فكر آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم الذين أمرنا الله تعالى باتباعهم والأخذ عنهم، بل من المؤسف حقاً أن هذه الكتب لا تشير لا من قريب ولا من بعيد إلى أقوال أهل البيت، وإذا ذكرت خلافاً في مسألة، فلا تذكر إلا أقوال العلماء من غير آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ويطلقون على أقوالهم تلك لفظ الإجماع أو الاتفاق، وكأن أهل البيت ٍ ليسوا من الأمة، أو ليس لهم شأن، ولا لأقوالهم اعتبار، وما هكذا كان يجوز لهؤلاء أن يعاملوا أهل بيت نبيهم، ولا يجازوا محمداً ً في أهل بيته وذريته، ولله القائل:
تمالى أهل ملتنا علينا ** كأن خروجنا من خلف ردم

لكن الله عز وجل لا يخلي الأرض من قائم لله بحجة، إما ظاهراً مشهوراً أو خائفاً مغموراً؛ لئلا تبطل حجج الله وبيناته، ولا يمكن أن يهمل الخلق من حجة واضحة {لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ} [الأنفال:42] فقد وُجِد فقه آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم عند صدر الإسلام فقد جمع مسند الإمام زيد بن علي (عليهما السلام) أوائل القرن الثاني الهجري، فكان أول كتاب في الحديث والفقه وجد على ظهر الأرض، وقد عرفت أسانيده بالسلسلة الذهبية؛ لأنه مروي عن الإمام زيد الذي أجمع على إمامته الأمة عن زين العابدين الذي أجمع المسلمون قاطبةً أنه سيد العابدين والذاكرين، وعن الحسين السبط الذي شهد له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأنه سيد شباب أهل الجنة، وعن الإمام علي بن أبي طالب وصي رسول الله وأخوه وباب مدينة علمه، ومن تنزل منه منزله هارون من موسى، وهذه سلسلة لا تساما، وقد قال بعض علماء أهل البيت: بأن مسند الإمام زيد أصح كتاب بعد كتاب الله عز وجل، وهو حق، وبعد المسند بسنين وُجِد أمالي الإمام أحمد بن عيسى بن زيد حفيد الإمام الأعظم زيد بن علي، وهذا كتاب يحتوي على أقوال أهل البيت في الصدر الأول، كالإمام زيد والإمام القاسم الرسي والباقر والصادق، وعبد الله بن الحسن الملقب بالكامل، وأحمد بن عيسى بن زيد الملقب بفقيه آل محمد، وقد جمع هذا الكتاب حافظ العترة محمد بن منصور المرادي رضي الله عنه.
ثم ظهر الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين ابن القاسم الرسي بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي ٍ في بلاد اليمن، وأظهر مذهب أهل البيت، وطبقه وألف كتاب (الأحكام في الحلال والحرام) وكتاب (المنتخب والفنون) الذي جمعه محمد بن سلمان الكوفي -رضي الله عنه-، وقد احتوى هذين الكتابين على خلاصة مذهب أهل البيت، وتفرد الإمام الهادي ببعض الاجتهادات في الفقه المبنية على الاحتياط والتحري، وكان فقيه يشبه فقههُ أمير المؤمنين عليه السلام وقد يشير الإمام الهادي إلى بعض اجتهاداته بأسلوب لطيف وكلام دقيق فيقول: وأرى وأحب إلينا أو إلي، ثم جاء علماء أهل البيت، كالمؤيد بالله، وأبو طالب، وعبد الله بن حمزة وغيرهم فجمعوا كتباً في الفقه على مذهب أهل البيت رجحوا فيها كلام الإمام الهادي وجده القاسم وابنه محمد بن القاسم، ولم يخرجوا عما أجمع عليه أهل البيت، وإنما رجحوا كلام الهادي والقاسم؛ لأنه مبني على الاحتياط والتحري في النقل، والدقة في الاستنباط من الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، وعملوا بقول الإمام زيد (عليه السلام) حين قال: (فاختلافنا يعني - أهل البيت – لكم رحمة، فإذا اجتمعنا نحن على أمرٍ لم يكن للناس أن يعدوه).
وقد خرج أبو عبد الله الداعي من أهل البيت ٍ إلى الجيل والديلم، وأتباع الناصر الأطروش في الفروع يخطئون أتباع القاسم الرسي في الفروع، فأقنعهم الداعي عليه السلام بقوله: إن كل مجتهد مصيب، فصارت هذه القاعدة معمول بها عند أتباع الأئمة من أهل البيت، فهم لا يخطئون أحداً يخالف في فروع الدين إلا إذا كان خارقاً لإجماع الأمة، أو لإجماع أهل البيت، وعلماء مذهب أهل البيت يحرمون التقليد على من قدر على الاجتهاد في الفرعيات، وهذه هي الميزة التي تميز بها مذهب أهل البيت من فتح باب الاجتهاد لمن قدر عليه مع مراعاة الإجماع، ومراعاة التحري والدقة في النقل وحسن الإتباع لآل محمد صلى الله عليه وآله وسلم واحترام أقوالهم، والوقوف عند إجماعهم، وعدم مخالفته؛ لأنهم الثقل الأصغر الذي أمر النبي ً بالتمسك به في قوله المتواتر نقله: «إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، إنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض».
وقد أنصف علماء أهل البيت في كتبهم غاية الإنصاف، فهم يذكرون أقوال أئمة من أهل البيت جميعاً، وأقوال الفقهاء من علماء الأمصار كالشافعي والمالكي والحنفي والحنبلي والإمامي والظاهري، ويذكرون دليل كل واحدٍ، ومن أراد الاطلاع على ذلك فلينظر إلى شرح الأزهار لمؤلفه عبد الله بن مفتاح -رحمه الله- وكذلك البحر الزخار لأحمد بن يحيى المرتضى، والانتصار ليحيى بن حمزة -رضي الله عنهم- فهم سبقوا غيرهم فيما يسمى بالفقه المقارن والحمد لله، ولما كانت الحاجة داعية لكتب مبسطة جداً في مذهب أهل البيت، وقد قويت العزم على جمع كتاب في الطهارة والصلاة والزكاة.
ذكرت فيه أهم المسائل المحتاج إليها، ونقلتها غالباً من كلام الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين المجموع والملخص في متن الأزهار، وفي بعض المسائل أذكر بعض أقوال أهل البيت، وهذا المؤلف في مجموعه لا يخرج عن مذهب أهل البيت، وغالب مسائله على مذهب الهادي عليه السلام لأن مذهبه مبني على الاحتياط والتحري، مع أن أهل المذهب قد نصوا على أنه يجوز للمقلد أن يأخذ بأي أقوال الأئمة شاء من أهل البيت إذا تعددت آرؤهم في مسألة من المسائل.
وقد ذكرت كل مسألة بدليلها؛ ليطمئن المتابع لآل محمد صلى الله عليه وآله وسلم ويرتدع المخالف لهم عن الجدال والنزاع،وقد أذكر الدليل من كتب أهل البيت، وأذكره من كتب غيرهم، والغرض الاستشهاد والاستعضاد، والاَّ ففي كتب أهل البيت ما يغني، وقد حاولت تبسيط عبارة الكتاب قدر الإمكان؛ ليتسنى للعامي والمبتدئ فهم المسائل، وقد طبع الكتاب طبعة فنفدت ولكنها كانت محتوية على أغلاطٍ مطبعية، وصححت تلك الأغلاط وأضفت بعض المسائل والاستدلالات والفوائد، والله أسأل أن يجعل العمل خالصاً لوجهه الكريم، ويتقبل منا، وأرجو ممن وجد الخطأ أن ينبه عليه بالحسنى ويعذرني فيه، ويذكر قول الشاعر:
وإن تجد عيباً فسد الخللا **فجل من لا عيب فيه وعلا

وأود أن أشكر كل من ساعدني في هذا العمل، وأعانني عليه، لاسيما أستاذنا وعالمنا علي بن أحمد الشامي، وكذلك سيدنا وعالمنا الوالد حمود بن عباس المؤيد الذي قدم لهذا الكتاب، وكذلك كل من سعى في الطبع والإخراج وبادر في الجهد، والله أسال أن يجازي الجميع خير الجزاء إنه سميع مجيب، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وسلم.
وكتب / أحمد محمد الوشلي
22/ ذي الحجة / 1419هـ

.كتاب الطهارة:

لما كان الدين الإسلامي دين النظافة والجمال، كانت الطهارة أهم سماته وأول واجباته، قال تعالى: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} [المدثر:4] يعني من النجاسة، وما بعث الله الرسل، وأنزل عليهم الكتب إلا من أجل تهذيب أخلاق العباد، وتطهيرهم من النجاسات الحسية والمعنوية.
والدين الإسلامي له الفضل الأكبر في هذا المجال، فقد دعا أتباعه إلى تطهير أبدانهم من الأوساخ والقاذورات، وتطهير أرواحهم من دنس الآثام والأخلاق السيئة، ولهذا قرن الله الطهارة الحسية بالتوبة التي هي المطهرة من الآثام والمعاصي قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} [البقرة:222].
فالواجب على المسلم أن يحافظ على نظافة باطنه كما يحافظ على نظافة ظاهره، وبهذا تتحقق الطهارة الكاملة. وهناك أمور نهى الشارع عن ملابستها، وحث على إزالتها والتخلص منها، وهي أمور محدودة لابد من معرفتها والبعد عنها، وهي النجاسات التي سنذكرها فيما بعد، وإذا حرص الناس على الطهارة والنظافة حَمَوا أجسامهم من الأمراض الفتّاكة والجراثيم الضارة، وجديرٌ بالمسلم أن يكون نظيف الثياب، طاهر البدن، حسن المظهر، مطهّر القلب من المعاصي والذنوب.

.النجاسات التي جاء الدليل الشرعي باجتنابها:

كل خارج من الفرجين: كالبول والغائط والمَنِيِّ والوَدْي والمَذْي وغيرها إذا كانت من حيوان يحرم أكله، أما البول والغائط فلا خلاف في نجاستهما، وأما المني فالصحيح نجاسته لحديث عمار -رضي الله عنه- قال: مرّ بي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنا أغسل ثوبي من نخامةٍ فقال: «إنما تغسل ثوبك من الغائط والبول والمذي والمني الماء الأعظم»
وحديث عائشة أنها كانت تغسل المني من ثوب رسول الله ً قالت: (كنت أغسل الجنابة من ثوب رسول الله، ويخرج إلى الصلاة وإنَّ بُقَعَ الماء في ثوبه) وأما المذي والودي فلحديث علي عليه السلام قال: كنت رجلاً مذَّاءً فاستحييت أن أسأل رسول الله ً فأمرت المقداد بن الأسود فسأله، فقال رسول الله: «يا مقداد، هي أمورٌ ثلاثة: الودي شيء يتبع البول كهيئة المني فذلك منه الطهور ولا غسل منه، والمذي إذا رأيت شيئاً أو قَبَّلت ومنه الطهور ولا غسل منه، والمني الماء الدافق إذا وقع مع الشهوة وجب الغسل».
وأما رجيع ما لا يؤكل من الحيوان فنجس لحديث ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بحجرين وروثة فأخذ الحجرين وألقى الروثة وقال: «إنها رجس» يعني نجسة.
وأما ما يؤكل لحمه من الحيوانات فروثها وبولها طاهر على حكم الأصل؛ إذ الأصل في الأعيان الطهارة إلا ما ورد الدليل بنجاسته، ولحديث علي عليه السلام قال: «في الإبل والبقر والغنم، وكل شيء يحل أكله فلا بأس بشرب ألبانها وأبوالها ويصيب ثوبك» وكما في حديث العرنيين الذين أمرهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بشرب أبوال الإبل وألبانها.
المسكر بالمعالجة: كالخمر والبيرة وغيرهما لقوله تعالى: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [المائدة:90].
الكلب: بشره وشعره ولحمه وريقه، وما ولغ فيه، لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعاً إحداهنَّ بالتراب».ويلحق بالكلب في حكم النجاسة السباع كلها وهي الحيوان الذي له ناب وهو وحشي كالأسد والفهد والضبع.
الخنزير: لقوله تعالى: {أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ} [الأنعام:145] يعني نجس، والضمير يعود إلى لفظ الخنزير.
المشرك: والكافر، لقوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} [التوبة:28].
الميتة: وسواء كانت ميتة مأكول لم تُذَكَّى، أو غير مأكول، لقوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} [المائدة:3] والتحريم يفيد النجاسة.
ما قطع من الحيوان قبل تذكيته: كالإلية والخصيتين؛ لقول الرسول ً: «ما أبين من الحي فهو ميتة».
وأما ما لا حياة فيه، كالظلف والقرن والشعر والأظفار فهي طاهرة إلا من نجس الذات مثل: الكلب والخنزير والكافر فإن النجاسة تتعلق بجميعه، ويستثنى من الميتة: ميتة الجراد والسمك، لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «أحلت لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان: فالحوت والجراد، وأما الدمان: فالكبد والطحال».
وكذا ما لا دم له فهو طاهر، كالذباب والدود وغيرها.
وهذه السبعة الأمور السابقة تعد من النجاسات المغلظة، والمغلظة: هي التي لا يُعفى عن شيء منها ولو كان يسيراً، ولا سيما البول لحديث القبرين.
إذ جاء أنه صلى الله عليه وآله وسلم مرَّ على قبرين فقال: «إنهما ليعذبان وما يُعذبان في كبير، ؛ أحدهما كان لا يستنزه أو لا يستبري عن بوله، والآخر كان يمشي بالنميمة».
وقال صلى الله عليه وآله وسلم: «تنزهوا من البول فإن عامَّة عذاب القبر منه».
القيء الخارج من المعدة: لما في حديث عمار: «إنما تغسل ثوبك من البول والغائط والدم والقيء» ولأنه ناقض للطهارة، أي (الوضوء) وكل ناقض للطهارة نجس، وإنما يكون نجساً إذا كان ملءَ الفم.
الدم: لقوله تعالى: {أَوْ دَماً مَسْفُوحًا} [الأنعام:145] ولا يكون نجساً إلا إذا كان قطرة فأكثر؛ لأن السافح هو السائل، ولا يسيل الدم في العادة إلاَّ إذا كان قطرة فأكثر، ويلحق بالدم في النجاسة القيح والمصل؛ لأن حكمهما واحد.
لبن غير المأكول: كإناث الحمير والقطط وغير ذلك قياساً على أبوالها؛ ولأنها من فضلات ما لا يؤكل لحمه، وإنما حكم بطهارة لبن المرأة المسلمة لرفع الحرج، وقد انعقد الإجماع على ذلك.

.كيفية إزالة النجاسة:

قسّم العلماء النجاسات إلى قسمين: خفية ومرئية:
الخفية: كالبول بعد جفافه يجب غسل المتنجس به، كالثوب ثلاث مرات مع العصر في كل غسلة، أو ما يجري مجراه كالوهز، وإذا كان المتنجس أملس كالزجاج والحديد والبلاط فيكفي الدلك أو المسح مع الغسل ثلاثاً، واعتبر أكثر علماء أهل البيت -رحمهم الله- الثلاث الغسلات لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثاً فإنه لا يدري أين باتت يده».
المرئية: كالدم وغيره يجب غسلها حتى تزول ولو باستعمال الصابون، فإن لم يزل أثرها بعد ذلك فلا يضر، لقوله صلى الله عليه وآله وسلم للتي سألت عن دم الحيض: «حتّيه ثم اقرصيه، ثم انضحيه، ثم لا يضرّكِ أثره» وهذا محمول على أن المواد القالعة غير موجودة آنذاك، وأما مع وجود المواد الصابونية وغيرها فيجب إبلاء العذر في إزالة آثار النجاسة المرئية بها.
والقرص يكون بإزالته بالأظافر مع الماء.
وتطهر النجاسة الواقعة على الأطفال والبهائم بالجفاف بعد زوال عينها، وذلك لأجل الحرج والمشقة. وأفواه الحيوانات كالقطط وغيرها تطهر بجري الريق في فمها، وسؤرها طاهر، وكذلك ما يؤكل لحمه وما لا يؤكل كالبغال والحمير سؤره طاهر إن لم تكن نجاسة بفمه، أو رجع شيء من فمه إلى الإناء، والمياه التي تكون في السوائل والبرك والغدران إذا شربت منه السباع فإنها لا تنجس إذا كان كثيراً.
والآبار إذا وقعت فيها نجاسة فلا يضر ذلك إذا كان الماء كثيراً لم يتغير لونه أو ريحه أو طعمه والماء القليل في البئر إذا وقعت فيه النجاسة فتطهر بنزح الماء منها إلى القرار.
والأرض الرخوة إذا وقعت عليها نجاسة كالبول فإنها تطهر بإراقة الماء عليها؛ لما روي أن إعرابياً بال في المسجد فقال صلى الله عليه وآله وسلم: «أريقوا عليه ذنوباً من ماء».

.المياه:

خلق الله الماء طهوراً قال تعالى: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} [الفرقان:48] والماء الطاهر المطهر هو ماء المطر والثلج والبَرَد والآبار والأنهار وماء البحر؛ لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «هو الطهور ماؤه الحل ميتته».
وعلى هذا فإن الماء الذي يرفع الحدث الأصغر والأكبر هو الماء المذكور قليلا كان أو كثيراً، وقد حدَّ العلماء الماء الكثير: بأن الماء الكثير هو الذي لا يظن المستعمل للماء أن النجاسة تستعمل باستعماله، كالآبار والبرك الواسعة، والأنهار الجارية، وإن وقعت فيه نجاسة ما لم يتغير ريحه أو لونه أو طعمه بفعل النجاسة؛ لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «الماء لا ينجسه شيء إلا ما غيّر لونه أو طعمه أو ريحه» والمراد بالماء في الحديث هو الماء الكثير.
وأمَّا متى لا يرفع الماء الحدث ففي عدة حالات:
الحالة الأولى: إذا وقعت فيه نجاسة فغيّرت أحد أوصافه المذكورة فإنه لا يجوز التوضوء به، ولا تُغسل به الثياب؛ لأنه قد صار متنجساً ولو كان كثيراً للحديث السابق.
الحالة الثانية: إذا كان الماء قليلاً ووقعت فيه نجاسة ولو لم تغيره النجاسة فلا يجوز التطهّر به؛ لأنه قليل وقد حدَّ العلماء الماء القليل بأنه ما يُظن استعمال النجاسة باستعماله، وذلك نحو الماء الذي يكون في الأواني الصغيرة ونحوها، وعند الإمام المنصور بالله رحمه الله أن الماء إذا كان قلتين فأكثر فليس بقليل، وقدر القلتين خمس مائة رطل، والماء القليل ينجس بوقوع النجاسة ولو لم يتغير..إلخ، لقوله ً: «إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثاً». فدل النهي في الحديث عن غمس اليد في ماء الإناء على أن الماء القليل كالذي في الأواني يتأثر بأقل شيء من النجاسة.
الحالة الثالثة: الماء المستعمل في طهارة العبادة. وحقيقة المستعمل: ما لاصق البشرة وانفصل عنها، ورفع حكماً، لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «لا يغتسل أحدكم في الماء الراكد وهو جُنب» ووجه النهي في ذلك أن المغتسل في الماء الراكد يغتسل بما يستعمله أثناء الغسل.
الحالة الرابعة: إذا تغيّر الماء بما يُخالطه من الدقيق والصابون وماء الورد وغيرها فلا يرفع الحدث؛ لأنه قد خرج عن حقيقة الماء المطلق، لكنه طاهر لا ينجس ما وقع عليه من الثياب أو غيره، إلا التراب فإن مخالطته للماء لا تضر نحو: مياه الأمطار والسيول فإنها مختلطة بالتراب، والإجماع منعقد على جواز التطهر بها، وأما إذا كان التغير في الماء بسبب المكث الطويل في الآنية والأحواض والبرك فلا يضر ويجزي التطهر به واستعماله، وكذا وجود الطحلب في البرك لا يؤثر في طهارتها لجري عادة المسلمين باستعمال تلك المياه؛ ولأن الأصل طهارتها.أما إذا كان تأثر البرك والأحواض بكثرة الاستعمال فقط، فلا يصح التطهر بها لأن الماء فيها قد صار مستعملاً.

.مسائل متفرقة:

الخمر إذا صار خلاً بغير معالجة طَهُرَ، وكذلك العذرة إذا أحرقت فصارت رماداً طهرت، وكذلك أي شيء نجس إذا استحال عن طبيعته الأولى وخلقته طَهُرَ.
الماء الذي يجري لا يتنجس بوقوع النجاسة فيه ولو قليلاً، وأقل الجري في الماء أن يسحب التبنة.
من تيقن من طهارة ثوب أو ماء فإنه لا يرتفع ذلك اليقين إلا بيقين، فلا يحكم بتنجسه إلا بيقين، وهذه قاعدة شرعية، وهكذا من كان على يقين من نجاسة ثوب أو ماء فإنه لا يعدل عن ذلك اليقين إلا بيقين، أو خبر عدلٍ أو عدلة بطهارته.
لا يزيل النجاسة إلا الماء، ولا عبرة ببقية المواد المزيلة؛ لأن الشارع إنما اعتبر صفة التطهير بالماء فقط، قال الله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} [الفرقان:48] أي: طاهراً مطهِّراً.
المشي بين ماء المطر الجاري لا يضر؛ لأنه ماءٌ جارٍ، وقد روي عن علي عليه السلام أنه كان يمشي في ماء المطر ثم يدخل للصلاة.