فصل: السَّلَمُ فِيمَا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: المبسوط



.السَّلَمُ فِيمَا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ:

قَالَ: (وَالسَّلَمُ جَائِزٌ فِيمَا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ مِمَّا لَا يَنْقَطِعُ مِنْ أَيْدِي النَّاسِ) وَالْأَصْلُ فِيهِ أَنَّ كُلَّ مَا كَانَ مَضْبُوطًا بِوَصْفِهِ مَعْلُومًا بِقَدْرِهِ مَوْجُودًا مِنْ وَقْتِ عَقْدِهِ إلَى حِينِ أَجَلِهِ يَجُوزُ السَّلَمُ فِيهِ وَمَا لَا فَلَا وَقِيلَ كُلُّ مَا يُمْكِنُ أَنْ يُؤْتَى عَلَى حُصُرٍ مُتَقَارِبَةٍ وَيَكُونُ مَقْدُورَ التَّسْلِيمِ يَجُوزُ السَّلَمُ فِيهِ وَقِيلَ كُلُّ مَا يُمْكِنُ مَعْرِفَةُ كَمِّيَّتِهِ اجْتِهَادًا وَكَيْفِيَّتِهِ ضَرُورَةً يَجُوزُ السَّلَمُ فِيهِ وَالْمَكِيلَاتُ وَالْمَوْزُونَاتُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ قَالَ: (وَلَا خَيْرَ فِي السَّلَمِ فِي الرَّطْبَةِ وَلَا فِي الْحَطَبِ حُزُمًا وَلَا جُرُزًا وَأَوْقَارًا؛ لِأَنَّ هَذَا مَجْهُولٌ لَا يُعْرَفُ طُولُهُ وَعَرْضُهُ وَغِلَظُهُ فَإِنَّ الْأَوْقَارَ تَخْتَلِفُ وَبِسَبَبِ هَذِهِ الْجَهَالَةِ تَتَمَكَّنُ الْمُنَازَعَةُ بَيْنَهُمَا وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ كُلَّ جَهَالَةٍ تُفْضِي إلَى الْمُنَازَعَةِ فَهِيَ مُفْسِدَةٌ لِلْعَقْدِ وَإِنْ عُرِفَ ذَلِكَ فَهُوَ جَائِزٌ) مَعْنَاهُ إذَا بُيِّنَ طُولُ مَا تُشَدُّ بِهِ الْحُزْمَةُ أَنَّهُ ذِرَاعٌ أَوْ شِبْرٌ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ عَلَى وَجْهٍ لَا يَتَفَاوَتُ فَحِينَئِذٍ يَجُوزُ السَّلَمُ لِكَوْنِ الْمُسْلَمِ فِيهِ مَعْلُومًا مَقْدُورَ التَّسْلِيمِ قَالَ: (وَلَا خَيْرَ فِي السَّلَمِ فِي جُلُودِ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ عِنْدَنَا) وَقَالَ مَالِكٌ بِأَنَّهُ يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ مَقْدُورُ التَّسْلِيمِ مَعْلُومُ الْمِقْدَارِ بِالْوَزْنِ وَالصِّفَةِ بِالذِّكْرِ وَلَكِنَّا نَقُولُ الْجُلُودُ لَا تُوزَنُ عَادَةً وَلَكِنَّهَا تُبَاعُ عَدَدًا وَهِيَ عَدَدِيَّةٌ مُتَفَاوِتَةٌ فِيهَا الصَّغِيرُ وَالْكَبِيرُ فَلَا يَجُوزُ السَّلَمُ فِي الْحَيَوَانِ فِي أَبْعَاضِ الْحَيَوَانِ فَقَدْ قَامَتْ الدَّلَالَةُ لَنَا عَلَى أَنَّ السَّلَمَ فِي الْحَيَوَانِ لَا يَجُوزُ فَكَذَلِكَ فِي أَبْعَاضِ الْحَيَوَانِ وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ السَّلَمُ فِي الْأَكَارِعِ وَالرُّءُوسِ وَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ السَّلَمُ فِي الْأَدَمِ وَالْوَرَقِ؛ لِأَنَّهُ مَجْهُولٌ فِيهِ الصَّغِيرُ وَالْكَبِيرُ إلَّا أَنْ يُشْتَرَطَ مِنْ الْوَرَقِ وَالصُّحُفِ وَالْأَدَمِ ضَرْبًا مَعْلُومَ الطُّولِ وَالْعَرْضِ وَالْجَوْدَةِ فَحِينَئِذٍ يَجُوزُ السَّلَمُ فِيهِ كَالثِّيَابِ وَكَذَلِكَ الْأَدَمُ إذَا كَانَ يُبَاعُ وَزْنًا فَإِنَّهُ يَجُوزُ السَّلَمُ فِيهِ بِذِكْرِ الْوَزْنِ إذَا كَانَ عَلَى وَجْهٍ لَا تَتَمَكَّنُ الْمُنَازَعَةُ بَيْنَهُمَا فِي التَّسْلِيمِ وَالتَّسَلُّمِ قَالَ: (وَلَا خَيْرَ فِي السَّلَمِ فِي شَيْءٍ مِنْ الْحَيَوَانِ عِنْدَنَا) وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يَجُوزُ إذَا بُيِّنَ الْجِنْسُ وَالنَّوْعُ وَالصِّفَةُ وَالسِّنُّ وَاحْتَجَّ فِي ذَلِكَ بِمَا رَوَيْنَا مِنْ الْآثَارِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «اسْتَقْرَضَ بَكْرًا وَقَضَاهُ رُبَاعِيًّا وَقَالَ: خَيْرُكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً» وَالسَّلَمُ أَقْرَبُ إلَى الْجَوَازِ مِنْ الِاسْتِقْرَاضِ فَإِذَا ثَبَتَ جَوَازُ اسْتِقْرَاضِ الْحَيَوَانِ بِهَذَا الْحَدِيثِ ثَبَتَ جَوَازُ السَّلَمِ فِيهِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّهُ مَبِيعٌ مَعْلُومٌ مَقْدُورُ التَّسْلِيمِ فَيَجُوزُ السَّلَمُ فِيهِ كَالثِّيَابِ وَالْمَكِيلَاتِ وَالْمَوْزُونَاتِ وَبَيَانُ الْوَصْفِ أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ عَيْنًا وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ مَعْلُومٌ فَإِنَّهُ إذَا سَمَّى الْإِبِلَ صَارَ الْجِنْسُ مَعْلُومًا وَإِذَا قَالَ: حَيَوَانٌ صَارَ النَّوْعُ مَعْلُومًا وَإِذَا قَالَ: جَذَعٌ أَوْ ثَنِيٌّ يَصِيرُ السِّنُّ مَعْلُومًا وَإِذَا قَالَ: ثَمِينٌ تَصِيرُ الصِّفَةُ مَعْلُومَةً وَإِعْلَامُ الشَّيْءِ مِنْ الْأَعْيَانِ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ وَشَرْطُ جَوَازِ الْعَقْدِ إعْلَامُ الْعَيْنِ وَلَا يُعْتَبَرُ بَعْدَ ذَلِكَ جَوَازُ نَفْعٍ فِي الْمَالِيَّةِ كَمَا فِي الذَّبَائِحِ وَالثِّيَابِ الْفَاخِرَةِ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ بَنِي إسْرَائِيلَ اسْتَوْصَفُوا الْبَقَرَةَ فَوَصَفَهَا اللَّهُ تَعَالَى لَهُمْ وَأَدْرَكُوهَا بِتِلْكَ الصِّفَةِ حَيْثُ قَالُوا: {الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ} وَقَالَ: صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «لَا يَصِفُ الرَّجُلُ الرَّجُلَ بَيْنَ يَدَيْ امْرَأَتِهِ حَتَّى كَأَنَّهَا تَنْظُرُ إلَيْهِ» فَقَدْ جَعَلَ الْمَوْصُوفَ مِنْ الْحَيَوَانِ كَالْمَرْئِيِّ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ مَهْرًا وَأَنَّ الدَّعْوَى وَالشَّهَادَةَ فِي الْحَيَوَانِ تُسْمَعُ بِذِكْرِ الصِّفَةِ فَدَلَّ أَنَّهَا تَصِيرُ مَعْلُومَةً بِذِكْرِ الْوَصْفِ بِخِلَافِ اللَّآلِئِ وَالْجَوَاهِرِ فَالسَّلَمُ فِي الصِّغَارِ مِنْ اللَّآلِئِ يَجُوزُ وَزْنًا أَمَّا الْكِبَارُ مِنْهَا فَلَا يُمْكِنُ إعْلَامُهَا لِكَوْنِ الْمَقْصُودِ التَّدْوِيرَ وَالصَّفَاءَ وَالْمَاءَ وَلَيْسَ لِذَلِكَ حَدٌّ مَعْلُومٌ يُوقَفُ عَلَيْهِ فَإِذَا بَالَغَ فِي بَيَانِهِ يَصِيرُ بِذَلِكَ عَدِيمَ النَّظِيرِ وَفِي مِثْلِهِ لَا يَجُوزُ السَّلَمُ وَلِهَذَا لَا يَثْبُتُ مَهْرًا فِي الذِّمَّةِ وَحُجَّتُنَا فِي ذَلِكَ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ السَّلَمِ فِي الْحَيَوَانِ» وَفِي الْكِتَابِ قَالَ: (بَلَغَنَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ) وَإِنَّمَا فُسِّرَ هَذَا الْحَدِيثُ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْمُضَارَبَةِ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ دَفَعَ مَالًا مُضَارَبَةً إلَى زَيْدِ بْنِ خُلَيْدَةَ فَأَسْلَمَهَا زَيْدٌ إلَى عَتْوِيسَ بْنِ عُرْقُوبٍ فِي قَلَانِصَ مَعْلُومَةٍ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ اُرْدُدْ مَالَنَا لَا نُسْلِمُ أَمْوَالَنَا فِي الْحَيَوَانِ وَقَدْ رَوَيْنَا عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ: إنَّ مِنْ الرِّبَا أَبْوَابًا لَا يَكَدْنَ يَخْفَيْنَ عَلَى أَحَدٍ مِنْهَا السَّلَمُ فِي السِّنِّ وَقَدْ بَيَّنَّا تَأْوِيلَ آثَارِهِمْ وَمَا رُوِيَ أَنَّهُ اسْتَقْرَضَ بَكْرًا فَالْمُرَادُ اسْتَعْجَلَ فِي الصَّدَقَةِ ثُمَّ لَمْ تَجِبْ الزَّكَاةُ عَلَى صَاحِبِهَا فَرَدَّهَا رُبَاعِيًّا أَوْ اسْتَقْرَضَ لِبَيْتِ الْمَالِ وَكَمَا يَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ لِبَيْتِ الْمَالِ حَقٌّ مَجْهُولٌ يَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ ذَلِكَ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ أَيْضًا وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّهُ أَسْلَمَ فِي مَجْهُولٍ فَلَا يَجُوزُ كَمَا لَوْ أَسْلَمَ فِي الْحَلَقَاتِ أَوْ الْجَوَاهِرِ وَهَذَا لِأَنَّ الْمُسْلَمَ فِيهِ مَبِيعٌ وَشَرْطُ جَوَازِ الْعَقْدِ الْقُدْرَةُ عَلَى التَّسْلِيمِ وَلَا يُوجَدُ ذَلِكَ إذَا كَانَ الْمُسْلَمُ فِيهِ مَجْهُولًا وَبَيَانُ الْوَصْفِ أَنَّ بَعْدَ ذِكْرِ الْأَوْصَافِ الَّتِي يَشْتَرِطُهَا الْخَصْمُ يَبْقَى تَفَاوُتٌ عَظِيمٌ فِي الْمَالِيَّةِ فَإِنَّكَ تَجِدُ فَرَسَيْنِ مُسْتَوِيَيْنِ فِي السِّنِّ وَالصِّفَةِ ثُمَّ تَشْتَرِي أَحَدَهُمَا بِأَضْعَافِ مَا تَشْتَرِي بِهِ الْآخَرَ لِتَفَاوُتٍ بَيْنَهُمَا فِي الْمَعَانِي الْبَاطِنَةِ كَالْهَمْلَجَةِ وَشِدَّةِ الْعَدْوِ وَكَذَلِكَ فِي الْبَعِيرَيْنِ وَهَذَا فِي بَنِي آدَمَ لَا يَخْفَى فَإِنَّ الْعَبْدَيْنِ وَالْأَمَتَيْنِ يَتَسَاوَيَانِ فِي السِّنِّ وَالصِّفَةِ وَيَخْتَلِفَانِ فِي الْمَالِيَّةِ لِتَفَاوُتِهِمَا فِي الذِّهْنِ وَالْكِيَاسَةِ.
وَفِيهِ يَقُولُ الْقَائِلُ: رُبَّ وَاحِدٍ يَعْدِلُ أَلْفًا زَائِدًا وَأُلُوفٌ تَرَاهُمْ لَا يُسَاوُونَ وَاحِدًا وَكَمَا أَنَّ الْعَيْنَ مَقْصُودٌ، فَالْمَالِيَّةُ أَيْضًا مَقْصُودَةٌ، بَلْ أَكْثَرُ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ هُوَ الِاسْتِرْبَاحُ وَذَلِكَ بِالْمَالِيَّةِ يَكُونُ.
فَإِذَا كَانَ الْحَيَوَانُ بِذِكْرِ الْأَوْصَافِ لَا يَلْتَحِقُ بِذَوَاتِ الْأَمْثَالِ فِي مَعْنَى الْمَالِيَّةِ؛ قُلْنَا: لَا يَجُوزُ السَّلَمُ فِيهَا بِخِلَافِ الثِّيَابِ فَإِنَّهَا مَصْنُوعُ بَنِي آدَمَ.
فَمَا لَمْ يَكُنْ مَعْلُومًا لَهُمْ لَا يَتَمَكَّنُونَ مِنْ اتِّخَاذِهَا، وَالثِّيَابُ إذَا نُسِجَتْ فِي مِنْوَالٍ وَاحِدٍ عَلَى هَيْئَةٍ وَاحِدَةٍ لَا تَتَفَاوَتُ فِي الْمَالِيَّةِ إلَّا يَسِيرًا، وَلَا مُعْتَبَرَ بِذَلِكَ الْقَدْرِ كَالتَّفَاوُتِ بَيْنَ الْجَيِّدِ وَالرَّدِيءِ فِي الْحِنْطَةِ فِي الْمَالِيَّةِ.
فَأَمَّا الْحَيَوَانُ مَصْنُوعُ اللَّهِ تَعَالَى وَذَلِكَ يَكُونُ عَلَى مَا يُرِيدُهُ فَقَدْ يَكُونُ عَلَى وَجْهٍ لَا نَظِيرَ لَهُ وَلَوْ بَالَغَ فَاسْتَقْصَى فِي بَيَانِ وَصْفِهِ يَصِيرُ عَدِيمَ النَّظِيرِ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ السَّلَمُ فِيهِ بِالِاتِّفَاقِ وَيُوَضِّحُهُ أَنَّ أَقْرَبَ الْحَيَوَانَاتِ إلَى الثِّيَابِ الْغَنَمُ، وَمَا هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْ الْغَنَمِ غَيْرُ مَرْئِيٍّ بَلْ هُوَ تَحْتَ الْجِلْدِ، وَيَقَعُ فِيهِ تَفَاوُتٌ عَظِيمٌ، وَمَا هُوَ الْمَقْصُودُ فِي الثِّيَابِ ظَاهِرٌ مَرْئِيٌّ، وَقَدْ ذَكَرَ عَمْرُو بْنُ أَبِي عَمْرٍو عَنْ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى قَالَ: قُلْت: لَهُ إنَّمَا لَا يَجُوزُ السَّلَمُ فِي الْحَيَوَانِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَضْبُوطٍ بِالْوَصْفِ، قَالَ: (لَا فَإِنَّا نُجَوِّزُ السَّلَمَ فِي الذَّبَائِحِ وَلَا نُجَوِّزُ فِي الْعَصَافِيرِ) وَلَعَلَّ ضَبْطُ الْعَصَافِيرِ بِالْوَصْفِ أَهْوَنُ مِنْ ضَبْطِ الذَّبَائِحِ؛ وَلَكِنَّهُ لِلسُّنَّةِ.
وَإِنَّمَا ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى لَبَنَى إسْرَائِيلَ الْأَوْصَافَ الظَّاهِرَةِ وَذَلِكَ يُمْكِنُ إعْلَامُهُ عِنْدَنَا ثُمَّ كَانَ الْمَقْصُودُ التَّشْدِيدَ عَلَيْهِمْ لَمَّا اسْتَقْصُوا فِي الِاسْتِيصَافِ.
هَكَذَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَإِنَّمَا نَهَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الِاسْتِيصَافِ لِخَوْفِ الْفِتْنَةِ وَذَلِكَ يَقَعُ بِالْأَوْصَافِ الظَّاهِرَةِ، وَكَذَلِكَ سَمَاعُ الدَّعْوَى وَالشَّهَادَةِ لِأَنَّ الْأَوْصَافَ الظَّاهِرَةَ مِنْهَا تَصِيرُ مَعْلُومَةٌ، وَثُبُوتُهُ فِي الذِّمَّةِ مَهْرًا لِكَوْنِ النِّكَاحِ مَبْنِيًّا عَلَى التَّوَسُّعِ، فَإِنَّ الْمَقْصُودَ بِهِ شَيْءٌ آخَرَ سِوَى الْمَالِيَّةِ بِخِلَافِ السَّلَمِ، وَلِهَذَا يَجُوزُ مِنْ غَيْرِ بَيَانِ الْوَصْفِ هُنَاكَ.

.السَّلَمُ فِي الثِّيَابِ:

قَالَ (وَلَا بَأْسَ بِالسَّلَمِ فِي الثِّيَابِ كُلِّهَا بَعْدَ أَنْ يُشْتَرَطَ ضَرْبًا مَعْلُومًا، وَطُولًا، وَعَرَضَا، بِذِرَاعٍ مَعْلُومٍ، وَأَجَلًا، وَصِفَةً مَعْلُومَةً) لِأَنَّ مِقْدَارَ الْمَالِيَّةِ بِذِكْرِ هَذِهِ الْأَوْصَافِ يَصِيرُ مَعْلُومًا عَادَةً، وَالتَّفَاوُتُ الَّذِي يَقَعُ بَعْدَ هَذَا يَسِيرٌ وَالْيَسِيرُ مِنْ التَّفَاوُتِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ لِأَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ بِسَبَبِهِ مُنَازَعَةُ مَانِعِهِ مِنْ التَّسْلِيمِ وَالتَّسَلُّمِ، وَلَا يُشْتَرَطُ الْوَزْنُ بِخِلَافِ الْحَرِيرِ فَإِنَّهُ إذَا أَسْلَمَ فِي الْحَرِيرِ يَنْبَغِي أَنْ يُشْتَرَطَ الْوَزْنُ لِأَنَّ قِيمَةَ الْحَرِيرِ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْوَزْنِ.
وَيَنْبَغِي أَنْ يُشْتَرَطَ الطُّولُ وَالْعَرْضُ مَعَ الْوَزْنِ لِأَنَّ الْمُسْلَمَ إلَيْهِ يَأْتِي وَقْتَ حُلُولِ الْأَجَلِ يَقْطَعُ الْحَرِيرَ بِذَلِكَ الْوَزْنِ وَنَحْنُ نَعْلَمُ يَقِينًا أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ قَطْعَ الْحَرِيرِ.
قَالَ (وَكُلُّ شَيْءٍ يَنْقَطِعُ مِنْ أَيْدِي النَّاسِ فَلَا خَيْرَ فِي السَّلَمِ فِيهِ) وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: (أَحَدُهُمَا) أَنْ يَكُونَ الْمُسْلَمُ فِيهِ مَوْجُودًا عِنْدَ الْعَقْدِ مُنْقَطِعًا عَنْ أَيْدِي النَّاسِ عِنْدَ حُلُولِ الْأَجَلِ فَلِهَذَا لَا يَجُوزُ بِالِاتِّفَاقِ لِأَنَّ السَّلَمَ إلَيْهِ بِالْعَقْدِ يَلْتَزِمُ التَّسْلِيمَ عِنْدَ حُلُولِ الْأَجَلِ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ مَقْدُورَ التَّسْلِيمِ عِنْدَ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ الْعَقْدُ (الثَّانِي:) أَنْ يَكُونَ مُنْقَطِعًا وَقْتَ الْعَقْدِ مَوْجُودًا فِي أَيْدِي النَّاسِ عِنْدَ حُلُولِ الْأَجَلِ فَهَذَا لَا يَجُوزُ عِنْدَنَا وَيَجُوزُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ (الثَّالِثُ:) أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا عِنْدَ الْعَقْدِ وَعِنْدَ حُلُولِ الْأَجَلِ وَلَكِنَّهُ يَنْقَطِعُ عَنْ أَيْدِي النَّاسِ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ فَهَذَا لَا يَجُوزُ عِنْدَنَا وَعَلَى قَوْلِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ (الرَّابِعُ:) أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا مِنْ وَقْتِ الْعَقْدِ إلَى وَقْتِ الْمَحِلِّ عَلَى وَجْهٍ لَا يَنْقَطِعُ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ فَيَكُونُ الْعَقْدُ صَحِيحًا بِالِاتِّفَاقِ وَحُجَّتُهُمْ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «دَخَلَ الْمَدِينَةَ فَوَجَدَهُمْ يُسَلِّفُونَ فِي الثِّمَارِ السَّنَةَ وَالسَّنَتَيْنِ- وَرُبَّمَا قَالَ: ثَلَاثَ سِنِينَ- فَقَالَ: مِنْ أَسْلَمَ مِنْكُمْ فَلْيُسْلِمْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ» وَمَعْلُومٌ أَنَّ الثِّمَارَ الرَّطْبَةَ لَا تَبْقَى إلَى هَذِهِ الْمُدَّةِ الطَّوِيلَةِ وَمَعَ هَذَا قَرَّهُمْ عَلَى السَّلَمِ فِيهَا وَالْمَعْنَى فِيهِ وَهُوَ أَنَّ الْمُسْلَمَ فِيهِ مَعْلُومٌ مَقْدُورُ التَّسْلِيمِ عِنْدَ وُجُوبِ التَّسْلِيمِ فَيَجُوزُ الْعَقْدُ كَمَا لَوْ كَانَ مَوْجُودًا مِنْ وَقْتِ الْعَقْدِ إلَى وَقْتِ الْمَحِلِّ وَبَيَانِ الْوَصْفِ أَنَّ وُجُوبَ التَّسْلِيمِ بِحُكْمِ الْعَقْدِ عِنْدَ حُلُولِ الْأَجَلِ وَعِنْدَ ذَلِكَ هُوَ مَوْجُودٌ فِي الْعَالَمِ وَالْقُدْرَةِ عَلَى تَسْلِيمِ الدَّيْنِ بِوُجُودِ جِنْسِهِ فِي الْعَالَمِ وَلَا مَعْنَى لِقَوْلِ مَنْ يَقُولُ مِنْ الْجَائِزِ أَنْ يَمُوتَ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ عَقِيبَ الْعَقْدِ فَيَحِلَّ الْأَجَلُ لِأَنَّ هَذَا مَوْهُومٌ وَلَا يُبْنَى الْعَقْدُ عَلَى الْمَوْهُومَاتِ أَلَا تَرَى أَنَّ اعْتِبَارَ هَذَا الْمَوْهُومِ يُؤَدِّي إلَى الْحُلُولِ أَوْ جَهَالَةِ الْأَجَلِ وَذَلِكَ مُبْطِلٌ لِعَقْدِ السَّلَمِ وَإِنْ كَانَ مَوْجُودًا فِي الْحَالِ فَدَلَّ أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ ذَلِكَ وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ يَنْقَطِعُ فِيمَا وَرَاءَ ذَلِكَ الْمَحِلِّ يَجُوزُ الْعَقْدُ وَإِنْ كَانَ يُتَوَهَّمُ أَنْ يَتَأَخَّرَ التَّسْلِيمُ إلَى أَنْ يَنْقَطِعَ وَلَيْسَ هَذَا نَظِيرَ مَا لَوْ عَيَّنَ مِكْيَالًا أَوْ قِيَمًا تُخَالِفُ مَا بَيْنَ النَّاسِ لِأَنَّ بُطْلَانَ الْعَقْدِ لَيْسَ بِاعْتِبَارِ هَلَاكِ مَا عَيَّنَهُ بَلْ بِاعْتِبَارِ جَهَالَةِ قَدْرِ الْمُسْلَمِ فِيهِ كَتَعْيِينِ الْمُسْلَمِ فِيهِ لَا لِأَنَّهُ يَتَوَهَّمُ أَوْ يُصِيبُ ثِمَارَ تِلْكَ النَّخْلَةِ آفَةٌ وَالدَّلِيلُ أَنَّ وُجُودَ السَّلَمِ فِيهِ فِي مَكَانِ الْعَقْدِ لَيْسَ بِشَرْطٍ بِجَوَازِ الْعَقْدِ فَكَذَلِكَ فِي زَمَانِ الْعَقْدِ لَا التَّسْلِيمِ لَا يَتَأَتَّى إلَّا بِمَكَانٍ أَوْ زَمَانٍ فَكُلٌّ يَسْقُطُ اعْتِبَارُ وُجُودِهِ فِي مَكَانِ الْعَقْدِ فَكَذَلِكَ فِي زَمَانِ الْعَقْدِ وَحُجَّتُنَا فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «لَا تُسَلِّفُوا فِي الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا» وَفِي الْحَدِيثِ الْمَعْرُوفِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا» وَلَمْ يُرِدْ بِهِ النَّهْيَ عَنْ بَيْعهَا سَلَمًا وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ قُدْرَةَ الْعَاقِدِ عَلَى تَسْلِيمِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ شَرْطٌ لِجَوَازِ الْعَقْدِ كَمَا فِي بَيْعِ الْعَيْنِ وَهَذَا لِأَنَّ الْمُلْتَزِمَ لِلتَّسْلِيمِ هُوَ الْعَاقِدُ فَيُشْتَرَطُ قُدْرَتُهُ عَلَى التَّسْلِيمِ وَلَا يُوجَدُ ذَلِكَ إذَا كَانَ الْمُسْلَمُ فِيهِ مَعْدُومًا فِي الْحَالِ لِأَنَّ الْعَاقِدَ لَا يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ إلَّا بِإِيصَالِ حَيَاتِهِ وَأَنَّ ذَلِكَ الشَّيْءَ وَإِيصَالَ حَيَّاتِهِ بِأَوَانِ الْوُجُودِ مَوْهُومٌ وَبِالْمَوْهُومِ لَا تَثْبُتُ الْقُدْرَةُ عَلَى التَّسْلِيمِ فَإِنْ قِيلَ حَيَاتُهُ مَعْلُومَةٌ فِي الْحَالِ وَالْأَصْلُ بَقَاؤُهُ حَيًّا إلَى ذَلِكَ الْوَقْتِ وَإِنَّمَا الْمَوْتُ مَوْهُومٌ قَبْلَهُ قُلْنَا نَعَمْ وَلَكِنْ بَقَاؤُهُ حَيًّا إلَى ذَلِكَ الْوَقْتِ بِاسْتِصْحَابِ الْحَالِ فَيَكُونُ مُعْتَبَرًا فِي إبْقَاءِ مَالِهِ عَلَى مِلْكِهِ لَا فِي تَوْرِيثِهِ مِنْ مُورِثِهِ فَبِهَذَا الطَّرِيقِ لَا تَثْبُتُ قُدْرَتُهُ عَلَى التَّسْلِيمِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا فِي الْحَالِ حَتَّى تَكُونَ حَيَاتُهُ مُتَّصِلَةً بِأَوَانِ ذَلِكَ الشَّيْءِ ثُمَّ عَجْزُهُ بِالْمَوْتِ أَوْ بِآخِرِ التَّسْلِيمِ إلَى أَنْ يَنْقَطِعَ مَوْهُومٌ فَلَا يُعْتَبَرُ ذَلِكَ فِي إفْسَادِ الْعَقْدِ يُقَرِّرُهُ أَنَّ مَا بَعْدَ الْعَقْدِ بِمَنْزِلَةِ حَالَةِ الْمَحِلِّ لِأَنَّ زَمَانَ الْمَحِلِّ وَقْتُ وُجُوبِ التَّسْلِيمِ بِشَرْطِ بَقَائِهِ حَيًّا إلَى ذَلِكَ الْوَقْتِ وَذَلِكَ مَوْهُومٌ وَمَا بَعْدَ الْعَقْدِ وَقْتَ وُجُوبِ التَّسْلِيمِ يُشْتَرَطُ مَوْتُهُ وَذَلِكَ مَوْهُومٌ أَيْضًا فَاسْتَوَيَا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ثُمَّ يُشْتَرَطُ الْوُجُودُ وَقْتَ الْمَحِلِّ بِالِاتِّفَاقِ فَلِذَلِكَ يُشْتَرَطُ الْوُجُودُ مِنْ وَقْتِ الْعَقْدِ إلَى وَقْتِ الْمَحِلِّ بِخِلَافِ مَا وَرَاءَ الْمَحِلِّ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِزَمَانِ وُجُوبِ التَّسْلِيمِ ابْتِدَاءً وَإِنَّمَا هُوَ زَمَانُ بَقَاءِ مَا وَجَبَ مِنْ التَّسْلِيمِ وَلَا يُعْتَبَرُ فِي حَالَةِ الْبَقَاءِ مَا يُعْتَبَرُ فِي حَالَةِ الِابْتِدَاءِ كَخُلُوِّ الْمَحِلِّ عَنْ الرِّدَّةِ وَالْعِدَّةِ فِي النِّكَاحِ وَالشُّهُودِ تُعْتَبَرُ عِنْدَ ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ لَا عِنْدَ الْبَقَاءِ وَاعْتِبَارُ الزَّمَانِ بِالْمَكَانِ سَاقِطٌ لِأَنَّهُ يَتَحَقَّقُ نَقْلُهُ مِنْ مَكَان إلَى مَكَان فَبِانْعِدَامِهِ فِي مَكَانِ الْعَقْدِ لَا تَنْعَدِمُ الْقُدْرَةُ عَلَى التَّسْلِيمِ وَلَا يَتَحَقَّقُ نَقْلُهُ مِنْ زَمَانٍ إلَى زَمَانٍ فَتَنْعَدِمُ الْقُدْرَةُ عَلَى التَّسْلِيمِ لِعَدَمِ الْوُجُودِ فِي زَمَانِ الْعَقْدِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ وُجُودُهُ فِي الْمَكَانِ الَّذِي جَعَلَاهُ مَحِلَّ التَّسْلِيمِ وَيُشْتَرَطُ وُجُودُهُ فِي زَمَانِ الْمَحِلِّ وَمَا افْتَرَقَا إلَّا لِمَا قُلْنَا وَإِذَا كَانَ الْمُسْلَمُ فِيهِ مَوْجُودًا مِنْ وَقْتِ الْعَقْدِ إلَى وَقْتِ الْمَحِلِّ ثُمَّ لَمْ يَأْخُذْهُ بَعْدَ مَحَلِّ الْأَجَلِ حَتَّى انْقَطَعَ فَرَبُّ السَّلَمِ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَخَذَ رَأْسَ الْمَالِ وَإِنْ شَاءَ صَبَرَ حَتَّى يَجِيءَ حِينُهُ فَيَأْخُذُ مَا أَسْلَمَ فِيهِ عِنْدَ عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَةِ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى وَقَالَ زُفَرُ: يَبْطُلُ الْعَقْدُ وَيَسْتَرِدُّ رَأْسَ الْمَالِ لِأَنَّ الِانْقِطَاعَ مِنْ أَيْدِي النَّاسِ فِي الْعَجْزِ عَنْ تَسْلِيمِ الدَّيْنِ بِمَنْزِلَةِ هَلَاكِ الْعَيْنِ فِي الْعَجْزِ عَنْ التَّسْلِيمِ وَلَوْ هَلَكَ الْمَبِيعُ فِي بَيْعِ الْعَيْنِ قَبْلَ التَّسْلِيمِ بَطَلَ بِهِ الْبَيْعُ فَكَذَلِكَ إذَا انْقَطَعَتْ مِنْ أَيْدِي النَّاسِ وَقَاسَ بِمَا لَوْ اشْتَرَى بِفُلُوسٍ شَيْئًا فَكَسَدَتْ قَبْلَ الْقَبْضِ يَبْطُلُ الْعَقْدُ لِهَذَا الْمَعْنَى فَكَذَلِكَ إذَا انْقَطَعَ الْمُسْلَمُ فِيهِ مِنْ أَيْدِي النَّاسِ وَحُجَّتُنَا فِي ذَلِكَ أَنَّهُ يُعْذَرُ بِتَسْلِيمِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ بِعَارِضٍ عَلَى شَرَفِ الزَّوَالِ فَيَتَخَيَّرُ فِيهِ الْعَاقِدُ كَمَا لَوْ أَبَقَ الْعَبْدُ الْمَبِيعُ قَبْلَ الْقَبْضِ وَهَذَا لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَبَقَاءُ الدَّيْنِ بِبَقَاءِ مَحِلِّهِ وَمَحِلُّ الدَّيْنِ إنَّمَا هُوَ الذِّمَّةُ فَكَانَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ بَاقِيًا بِبَقَاءِ الذِّمَّةِ وَلَكِنَّ تَأَخُّرَ تَسْلِيمِهِ إلَى أَوَانِ وُجُودِهِ وَفِيهِ يُعْتَبَرُ شَرْطُ الْعَقْدِ فَيَثْبُتُ لِلْعَاقِدِ الْخِيَارُ بَيْنَ أَنْ يَفْسَخَ الْعَقْدَ وَيَسْتَرِدَّ رَأْسَ الْمَالِ وَبَيْنَ أَنْ يَصْبِرَ حَتَّى يَأْتِيَ أَوَانُهُ فَيَأْخُذَ الْمُسْلَمَ فِيهِ وَبِهِ فَارَقَ هَلَاكَ الْعَيْنِ فَالْمَعْقُودُ عَلَيْهِ هُنَاكَ يَفُوتُ أَصْلًا وَكَذَلِكَ الْفُلُوسُ إذَا كَسَدَتْ فَإِنَّ الْعَقْدَ إنَّمَا تَنَاوَلَ فُلُوسًا هِيَ ثَمَنٌ فَبَعْدَ الْكَسَادِ لَا يَبْقَى ثَمَنًا أَصْلًا يُوَضِّحُهُ أَنَّ مَا يَكْسُدُ مِنْ الْفُلُوسِ لَا يَرُوجُ بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ لَا يُدْرَى مَتَى يَرُوجُ فَلَمْ يَكُنْ لِلْقُدْرَةِ فِيهِ عَلَى التَّسْلِيمِ أَوَانٌ مَعْلُومٌ فَلِهَذَا يَبْطُلُ الْعَقْدُ هُنَا لِادِّرَاكِ الثِّمَارِ لِلْقُدْرَةِ عَلَى التَّسْلِيمِ أَوَانٍ مَعْلُومٍ فَيُخَيَّرُ رَبُّ السَّلَمِ إنْ شَاءَ رَضِيَ بِالتَّأْخِيرِ وَإِنْ شَاءَ فَسَخَ الْعَقْدَ وَأَخَذَ رَأْسَ مَالِهِ قَالَ: (وَلَا خَيْرَ فِي السَّلَمِ فِي الرُّمَّانِ وَالسَّفَرْجَلِ وَالْبِطِّيخِ وَالْقِثَّاءِ وَالْخِيَارِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُكَالُ وَلَا يُوزَنُ) لِأَنَّهُ يَخْتَلِفُ فِيهِ الصَّغِيرُ وَالْكَبِيرُ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُؤْتَى عَلَى حُصُرٍ مُتَقَارِبَةٍ وَأَصْلُ هَذَا الْجِنْسِ مَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ، قَالَ: (مَا يَتَفَاوَتُ آحَادُهُ فِي الْقِيمَةِ فَهُوَ عَدَدِيٌّ مُتَفَاوِتٌ لَا يَجُوزُ السَّلَمِ فِيهِ عَدَدًا) وَمَا لَا يَتَفَاوَتُ آحَادُهُ فِي الْقِيمَةِ وَإِنَّ مَا يَتَفَاوَتُ أَنْوَاعُهُ فَهُوَ عَدَدِيٌّ مُتَفَاوِتٌ لَا يَجُوزُ السَّلَمُ فِيهِ عَدَدًا وَالرُّمَّانُ وَالْبِطِّيخُ تَتَفَاوَتُ فِي الْمَالِيَّةِ آحَادُهُ وَالْبَاذِنْجَانُ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ لَا يَتَفَاوَتُ آحَادُهُ فِي الْمَالِيَّةِ وَعَلَى هَذَا الْأَصْلِ يَجُوزُ السَّلَمُ فِي الْبَيْضِ وَالْجَوْزِ عَدَدًا لِأَنَّ آحَادَهُ فِي الْمَالِيَّةِ لَا تَتَفَاوَتُ فَإِنَّكَ لَا تَرَى جَوْزَةً بِفَلْسٍ وَجَوْزَةً بِفَلْسَيْنِ وَإِنَّمَا تَتَفَاوَتُ أَنْوَاعُهُ فِي الْمَالِيَّةِ وَذَلِكَ التَّفَاوُتُ يَزُولُ بِذِكْرِ الْعَدِّ فِي الْعَدَدِيَّاتِ كَالْقَدْرِ فِي الْمَقْدُورَاتِ وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ السَّلَمُ فِي بَيْضِ النَّعَامِ لِأَنَّهُ تَتَفَاوَتُ آحَادُهُ فِي الْمَالِيَّةِ وَعَلَى قَوْلِ زُفَرِ لَا يَجُوزُ السَّلَمُ فِي الْبَيْضِ وَالْجَوْزِ عَدَدًا لِأَنَّ فِيهِ الصَّغِيرَ وَالْكَبِيرَ وَتَجْرِي فِيهِ الْمُنَازَعَةُ بَيْنَهُمَا فِي التَّسْلِيمِ وَالتَّسَلُّمِ وَإِنَّمَا يَجُوزُ السَّلَمُ فِي الْبَيْضِ وَزْنًا وَفِي الْجَوْزِ كَيْلًا بَعْدَ أَنْ يَكُونَ بِمِكْيَالٍ مَعْرُوفٍ لَهُ وَنَحْنُ نُجَوِّزُ السَّلَمَ فِيهِ كَيْلًا أَيْضًا لِأَنَّهُ يُكَالُ تَارَةً وَيُعَدُّ أُخْرَى فَتَنْقَطِعُ فِيهِ الْمُنَازَعَةُ بَيْنَهُمَا بِذِكْرِ الْكَيْلِ كَمَا يَنْقَطِعُ بِذِكْرِ الْعَدَدِ قَالَ: (وَلَا بَأْسَ بِالسَّلَمِ فِي الْفُلُوسِ عَدَدًا لِأَنَّهُ عَدَدِيٌّ مُتَقَارِبٌ أَوْ هِيَ أَمْثَالٌ مُتَسَاوِيَةٌ قَطْعًا مَا دَامَتْ مُتَسَاوِيَةً قَطْعًا مَا دَامَتْ مُتَسَاوِيَةً رَائِجَةً لِسُقُوطِ قِيمَةِ الْجَوْدَةِ مِنْهَا بِاصْطِلَاحِ النَّاسِ) وَذَكَرَ أَبُو اللَّيْثِ الْخَوَازِمُ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ السَّلَمُ فِي الْفُلُوسِ لِأَنَّهَا ثَمَنٌ مَا دَامَتْ رَائِجَةً وَالْمُسْلَمُ فِيهِ مَبِيعٌ فَمَا ثَمَنٌ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْلَمًا فِيهِ كَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَبَعْدَ الْكَسَادِ هِيَ قِطَعٌ صِغَارٌ مَوْزُونَةٌ فَلَا يَجُوزُ السَّلَمُ فِيهَا عَدَدًا وَلَكِنْ مَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ أَصَحُّ لِأَنَّ صِفَةَ الثَّمَنِيَّةِ فِي الْفُلُوسِ عَارِضَةٌ بِاصْطِلَاحِ النَّاسِ وَالْمُتَعَاقِدَانِ أَعْرَضُ عَنْ هَذَا الِاصْطِلَاحِ حِينَ عَقْدِ السَّلَمِ وَمَا أَعْرَضَ عَلَى الِاصْطِلَاحِ عَلَى كَوْنِهِ عَدَدِيًّا وَلَكِنْ لَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ خُرُوجِهِ فِي حَقِّهِمَا مِنْ أَنْ يَكُونَ ثَمَنًا خُرُوجُهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ عَدَدِيًّا كَالْجَوْزِ وَالْبِيضِ فَأَمَّا الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ ثَمَنٌ بِأَصْلِ الْخِلْقَةِ فَلَا يَنْعَدِمُ ذَلِكَ بِجَعْلِهِمَا إيَّاهُ مَبِيعًا أَلَا تَرَى أَنَّ الْفُلُوسَ تَرُوجُ تَارَةً وَتَكْسُدُ أُخْرَى وَتَرُوجُ فِي ثَمَنٍ الْخَسِيسِ مِنْ الْأَشْيَاءِ دُونَ النَّفِيسِ بِخِلَافِ النُّقُودِ.